عاش الكاتب بصحيفة «الأهرام» وأستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس الدكتور مراد وهبة (أكتوبر 1926 – يناير 2026) قرابة مئة عام، ظل خلالها في خصومة فكرية حادة، ليس فقط مع التيار الإسلامي، بل مع التيارات القومية، بل ومع قطاع واسع من أبناء المجتمع المصري.
وتبنّى وهبة على مدار مسيرته الفكرية رؤى صدامية مع الإسلاميين، كما دخل في مواجهات فكرية حادة مع أكاديميين بارزين، من بينهم الدكتور محمد عمارة (رحمه الله)، الذي عُرف بكونه أحد أبرز مناهضي المشروع العلماني في مصر، وناقدًا لما وصفه بالمشروع «التغييبي» الذي رفع شعار «التنوير والعقلانية»، مروّجًا للعلمانية الغربية على حساب الهوية الإسلامية، عبر الدعوة إلى فصل الدين عن السياسة، وممارسة ما اعتبره خصومه «تغريبًا فكريًا» للمجتمع المصري.
وكان مراد وهبة يرى أن العلمانية شرط للتفكير العقلي، لا خصومة لها مع الإيمان. وفي كتاباته وحواراته، وضع محمد عمارة ضمن ما سماه «معسكر مقاومة التنوير»، معتبرًا أن خطابه يعيد إنتاج ثنائيات مغلقة بين الدين والعقل، ويحول دون تحديث الفكر العربي.
وفي المقابل، خصّ محمد عمارة مراد وهبة بالذكر في مقالاته وكتبه حول «العلمانية»، باعتباره من أبرز دعاة العلمانية في مصر، وهاجم مشروعه الفكري بوصفه «استنساخًا للفكر الغربي» المنفصل عن خصوصية الثقافة الإسلامية.
ووصف عمارة مشروع وهبة بأنه يستند إلى الفلسفة التحليلية الغربية لمهاجمة النصوص الدينية، معتبرًا أن دعوته لفصل الدين عن السياسة تمثل محاولة لإقصاء الإسلام عن المجال العام. وفي كتابه «العلمانية بين الغرب والإسلام»، رأى عمارة أن دعاة مثل مراد وهبة يسعون إلى «علمنة المجتمع المصري» على نحو يتناقض مع هويته الحضارية والدينية، معتبرًا أن مشروعه الفكري «مستورد» ويكرّس التبعية للغرب.
العزاء للصهيونية
الدكتورة يمنى طريف الخولي، أستاذة الفلسفة بجامعة القاهرة، فجّرت جدلًا واسعًا بتعليقها على وفاة مراد وهبة، حيث كتبت عبر حسابها على «فيسبوك»:
«مات مراد وهبة.. خالص عزائي للصهيونية العالمية.. فقد آمن بالصهيونية كما لم يؤمن بها مخلوق من قبل ولا من بعد».
وأضافت: «يصعب أن نقول: الله يرحمه، لأنه لم يرحم مئات الآلاف من ضحايا غزة، ولم يغيّر موقفه قيد أنملة. ظلت إسرائيل في ناظريه فوق الحساب، مثالًا أعلى يُحتذى».
وأشارت إلى مفارقة شخصية بقولها إن وهبة كان من منحها درجة أستاذ مساعد، وأشاد بأبحاثها إشادة بالغة، «ومع ذلك يظل طيفه صاعقًا لي، لأنه كان ملكيًا أكثر من الملك، وصهيونيًا أكثر من الصهاينة أنفسهم».
جدل التطبيع الثقافي
ارتبط اسم مراد وهبة بجدل واسع حول موقفه من «إسرائيل» والصهيونية، إذ دعا إلى ما سماه «التطبيع الثقافي»، معتبرًا أن رفض الحوار معها يعطّل مسار التقدم. وهو موقف أثار انتقادات حادة من مثقفين مصريين وعرب، رأوا فيه تبريرًا للتطبيع السياسي والفكري مع دولة الاحتلال.
وفي لقاءات تلفزيونية، صرّح وهبة بأن رفض التطبيع الثقافي مع «إسرائيل» غير ممكن، وأن الحوار الفكري والعلمي معها ضروري لتجاوز ما وصفه بـ«الجمود العقلي»، معتبرًا أن التقدم لا يمكن أن يتحقق إذا ظل المثقفون العرب أسرى «خرافة منع التطبيع».
وفي مقال له بعنوان «إما إيران أو إسرائيل»، طرح رؤية أثارت جدلًا واسعًا، اعتبر فيها أن مواجهة ما سماه «الأصولية الإيرانية» تستوجب إقامة علاقات مع «إسرائيل»، وهو طرح رأى منتقدوه أنه انتقال من نقد الأصولية إلى تبرير سياسي للتقارب مع دولة الاحتلال.
وردّ مثقفون، من بينهم الراحلة فريدة النقاش، على أفكاره، معتبرين أن ربط التقدم بالتطبيع يتجاهل طبيعة الاحتلال الإسرائيلي وممارساته ضد الفلسطينيين، ويخلط بين العقلانية والتبرير السياسي.
هجوم حاد من إسلاميين
الكاتب والناشط محمد شعبان أيوب علّق على وفاة وهبة بلهجة حادة، معتبرًا أنه «عاش قرنًا من الزمان عدوًا للإسلام والقرآن، وعاشقًا لهيجل ومونتسكيو، مقدمًا العقل على القرآن، ومعتبرًا الإسلام ابن القرن السابع الميلادي فقط».
وأضاف أن وهبة «ربط الإسلام بالأصولية والإرهاب، وفي الوقت نفسه كان عاشقًا للصهيونية، مبررًا جرائمها»، مقارنًا بينه وبين مفكرين غربيين اهتدوا إلى الإسلام بعد رحلة بحث فكري طويلة.
واستشهد أيوب بحديث النبي ﷺ: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله»، معتبرًا أن يوم القيامة «يوم القصاص العادل».
رثاء مقابل وتلميع
في المقابل، نعاه عدد من مؤيدي أفكاره، من بينهم حسام بدراوي، الذي وصفه بـ«المفكر العظيم والإنسان الراقي»، مشيدًا بإسهاماته في الفلسفة التحليلية وفلسفة العلم، ودعوته للنقد العقلاني للتراث الديني.
غير أن متابعين رأوا أن رثاء بدراوي تجاهل الجدل الواسع الذي أحاط بمواقف وهبة، وعزلة أفكاره، ومحدودية تأثيرها في الواقع التعليمي والسياسي، معتبرين أن الصياغة بدت أقرب إلى تلميع شخصي منها إلى تقييم نقدي متوازن.
ابن رشد بين وهبة وعمارة
وُلد مراد وهبة في القوصية بمحافظة أسيوط، وحصل على ليسانس الآداب (فلسفة) من جامعة القاهرة عام 1947، وشغل منصب أستاذ زائر في جامعات عدة، منها هارفارد وموسكو والخرطوم. كما أسس الجمعية الدولية لـ«ابن رشد والتنوير» عام 1994، ونادى بـ«رباعية الديمقراطية»: العلمانية، التنوير، الليبرالية، والعقد الاجتماعي.
غير أن الدكتور محمد عمارة رأى أن وهبة أساء توظيف ابن رشد، مؤكدًا أن الأخير فيلسوف إسلامي حاول التوفيق بين العقل والنقل، وليس رمزًا للتغريب أو العلمنة كما صُوِّر. وفي كتابه «المادية والمثالية في فلسفة ابن رشد»، شدد عمارة على أن ابن رشد «مفترى عليه»، وأن فلسفته تمثل نضج الفكر العربي الإسلامي القادر على الجمع بين العقلانية والإيمان.
وأكد عمارة أن ابن رشد لم ينفصل عن الدين، بل اعتبر الفلسفة خادمة للشريعة، وأن الحقيقة واحدة سواء جاءت من الوحي أو من العقل، رافضًا اختزاله في صورة فيلسوف مادي أو علماني مناهض للدين.
