في مشهد لا يخلو من مفارقة عبثية، خرج ضياء رشوان، اليساري السابق والعضو التاريخي بحزب التجمع اليسارى ، ليؤدي دور «الشيخ حسني» للفنان الراحل محمود عبد العزيز في فيلم الكيت كات، لا باعتباره معارضًا كفيفًا يرى ما لا يراه المبصرون، بل كموظف رسمي أعمته السلطة، فصار يفضح أقرب حلفائه دون أن يدري، ويكشف زيف ما يُسمّى بـ«المعارضة المدنية» التي كانت ذات يوم واجهة الانقلاب.
ضياء رشوان، الذي بدأ مسيرته السياسية في صفوف اليسار، وادّعى لسنوات أنه الباحث «المحايد» بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام وداخل دهاليز مكتب إرشاد الإخوان في التوفيقية والمنيل في التسعينات وبدايات الألفية، لم يكن ليحصل على شهرته الواسعة إلا في ظل دعم الإخوان المسلمين، حين قُدّم باعتباره خبيرًا في شؤونهم، يصنع نجوميته من جمهورهم ، ثم يقتات من عدائهم بعد ثورة يناير !.
فالرجل ودّع كل ذلك سريعًا، حين فُتحت له أبواب «الرز الخليجي»، وتحديدًا الإماراتي، فصار واحدًا من رجال عبدالله بن زايد في مصر، وخادمًا أمينًا للعسكر، ومكافأة ذلك جاءت منقوشة في المناصب التي أغدقها عليه عبد الفتاح السيسي، من رئاسة هيئة الاستعلامات، إلى لعب دور المترجم السياسي الرسمي لسلطة لا تملك شرعية.
فضيحة بلا قصد
الجديد هذه المرة ليس انحياز رشوان، فذلك بات من المُسلّمات، وإنما أن تصريحاته الأخيرة جاءت لتفضح، من حيث لا يدري، معسكر «المعارضة المدنية» نفسه، تلك التي تنتمي إلى التيارات العلمانية واليسارية التي كان واحدًا منها يومًا ما، قبل أن ينقلب عليها كما انقلبت هي على أول تجربة ديمقراطية حقيقية في تاريخ مصر.
رشوان زعم، عبر منصته على «فيسبوك»، أن 32 عضوًا من «الحركة المدنية الديمقراطية» فازوا بمقاعد في البرلمان، في محاولة لتلميع مشهد انتخابي مُصادَر، وإيهام الرأي العام بوجود معارضة فاعلة داخل مجلس النواب. لكن الحركة نفسها سارعت إلى تكذيبه، ووصفت ما ذكره بأنه «معلومة غير صحيحة».
وأكدت الحركة، التي تضم 12 حزبًا ليبراليًا ويساريًا، أن الغالبية الساحقة ممن أشار إليهم رشوان ترشحوا على «القائمة الوطنية من أجل مصر»، التي شكّلتها أحزاب الموالاة للنظام، والتي استخدمت ـ بحسب بيان الحركة ـ المال السياسي والرشاوى الانتخابية لاستقطاب الناخبين، بعد إقصاء بقية القوائم دون أسباب قانونية.
اعتراف ضمني بتزوير السياسة
وأوضحت الحركة أن تلك القائمة، رغم كل الدعم الأمني والمالي، لم تحصد سوى نحو 11% من إجمالي المقيدين بقاعدة بيانات الناخبين، في اعتراف صريح بفشل المسرحية الانتخابية. كما شددت على أنها أعلنت مرارًا عدم التنسيق مع أحزاب الموالاة أو الأجهزة الأمنية، وتركت فقط حرية الترشح الفردي لأعضائها وفق ضوابط داخلية.
الأهم أن الحركة حمّلت مسؤولية المشاركة في «القائمة الوطنية» لبعض الأعضاء الذين جُمّدت عضويتهم، مؤكدة أن ذلك لا يُعبّر عنها، ووجهت التحية لمن التزموا بموقفها وخاضوا الانتخابات دون الاتكاء على أحزاب «أفسدت الحياة السياسية، وتورطت في انتهاكات ممنهجة أثّرت سلبًا على نزاهة العملية الانتخابية».
المعارضة التي صنعت الانقلاب
ما لم يقله رشوان صراحة، لكنه انكشف في سياق تصريحاته، أن هذه «الحركة المدنية» نفسها كانت جزءًا أصيلًا من مشهد الانقلاب على الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في انتخابات رئاسية نزيهة. فقد شكّلت جبهة الإنقاذ حينها الغطاء المدني للعسكر، قبل أن يلتهمها الانقلاب الذي ظنت أنها شريك فيه.
هيئة الاستعلامات، التي يرأسها رشوان، ذهبت أبعد من ذلك، فادعت في بيان رسمي أن أحزاب المعارضة حصلت على 53 مقعدًا (10%)، و158 مقعدًا مع المستقلين (28%)، متجاهلة أن غالبية «المستقلين» هم في الأصل كوادر أحزاب السلطة، وعلى رأسها حزب «مستقبل وطن»، ترشحوا بصفة مستقلة لأسباب تنظيمية فقط.
كما صنّفت الهيئة أحزابًا مثل الوفد والنور السلفي كأحزاب معارضة، رغم أن سجل نوابهما منذ 2015 يثبت تأييدهم الكامل لسياسات الحكومة، دون أي موقف معارض يُذكر، أو استخدام فعلي لأدوات الرقابة البرلمانية، وعلى رأسها الاستجوابات، التي لم تُناقش واحدة منها طوال خمس سنوات.
ملهاة سياسية
هكذا، وبلا قصد، لعب ضياء رشوان دور الشيخ حسني مجددًا، لكن هذه المرة لا ليكشف زيف السلطة فقط، بل ليعرّي أيضًا معارضة ورقية، كانت شريكًا في الانقلاب، ثم تباكي اليوم على الهامش. إنها ملهاة سياسية مكتملة الأركان، بطلها يساري سابق، ورجل إمارات في القاهرة، ومكبّر صوت للعسكر، يفضح الجميع… وهو يظن أنه يدافع عنهم.
