تتواصل الاحتجاجات في إيران لليوم الحادي عشر على التوالي، وسط اتساع رقعتها الجغرافية وازدياد أعداد المشاركين فيها، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، بالتوازي مع إضرابات في الأسواق وقطاعات تجارية عدة. وتأتي هذه التطورات على خلفية الأزمة الاقتصادية الحادة، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف المعيشة، في وقت يترقب فيه الشارع الإيراني خطابًا مرتقبًا للرئيس مسعود بزشكيان، يُنتظر أن يتناول فيه تطورات الاحتجاجات ومسار تعامل الحكومة معها.
واليوم الأربعاء، أفادت وكالة "إرنا" الإيرانية الرسمية بأن عدة مدن إيرانية شهدت اليوم تجمعات احتجاجية "محدودة ومتفرقة"، رافقت بعضها توترات واشتباكات مع القوات الأمنية. وفي مدينة شهركرد، وسط البلاد، تجمع عدد من المواطنين، معظمهم من أصحاب المحال، في محيط السوق، وعبّروا عن احتجاجهم على الأوضاع القائمة، إلا أن التجمع انتهى بتدخل القوات الأمنية بعد تزايد التوتر وتغيّر طبيعة الشعارات.
ووفقاً لـ"إرنا"، وقعت اشتباكات متفرقة في مدينتي فارسان وشيراز، حيث سُجلت تجمعات في عدة مناطق من شيراز، مركز محافظة فارس. وشهدت بعض المواقع إغلاق طرق وإحراق إطارات، كما أغلقت بعض المحال التجارية أبوابها، قبل أن تعود أجواء الهدوء النسبي بعد تدخل قوات الشرطة. وأضافت الوكالة أن مدينة بندر عباس، المطلة على الخليج، شهدت أيضاً تجمعات ضمن "مجموعات محدودة العدد"، انتهت بتفريقها من قبل القوات الأمنية، مع انضمام عدد من أصحاب المحال إلى المحتجين.
كذلك، أفادت وكالة فارس المحافظة بمقتل شخصين وإصابة 30 آخرين جراء إطلاق نار نفّذه أشخاص وصفتهم بـ"مثيري الشغب" باتجاه قوات الشرطة في مدينة لردغان بمحافظة تشهارمحال وبختياري وسط إيران. وأوضحت الوكالة أن التوترات اندلعت عقب تجمع لعدد من أصحاب المحال التجارية قرابة الساعة العاشرة صباحًا، بعد إغلاق متاجرهم، حيث خرجوا في تظاهرات وردّدوا شعارات في عدة شوارع بالمدينة، مقدّرة عدد المشاركين الأوائل بنحو 300 شخص.
وبحسب الوكالة، ومع تجمّع المحتجين في محيط حي خاردون وجسر شيروني، ومع تحرك و"تحريض" بعض الأشخاص الذين قالت إنهم "تسللوا" إلى صفوف التجار، توترت الأوضاع واتجهت نحو الاشتباك مع قوات الشرطة. وخلال الاشتباكات، رشق المتظاهرون قوات الشرطة بالحجارة. وأضاف المصدر ذاته أن بين المشاركين كان هناك "مسلحون بأسلحة حربية وصيد"، وبدأوا فجأة بإطلاق النار باتجاه قوات الشرطة، مشيرا إلى أنه نتيجة إطلاق النار على عناصر قوات الأمن الداخلي في لردغان، قُتل شخصان وأُصيب 30 آخرون. كما تسببت الاضطرابات، وفق المصدر نفسه، بأضرار لمبنى إدارة لردغان وعدد من المباني الحكومية الأخرى.
تعليمات بزشكيان
إلى ذلك، أكد نائب الرئيس الإيراني محمد جعفر قائم بناه، اليوم الأربعاء، أن الرئيس مسعود بزشكيان أصدر تعليمات بضرورة منع مهاجمة المواطنين المحتجّين. وبحسب وكالة "إيسنا" الإيرانية الطلابية، قال قائم بناه إن بزشكيان أصدر توجيهات واضحة تقضي بعدم حدوث تعامل أمني مع المحتجين، وذلك للحيلولة دون الإضرار بالأمن القومي. وأضاف قائم بناه في الوقت ذاته أن من يحمل السلاح أو السكاكين أو السيوف ويهاجم المراكز الأمنية والعسكرية يعد "مثيرًا للشغب"، مؤكدًا ضرورة الفصل بين صفوف المحتجين ومثيري الاضطرابات.
وأكد أن الحكومة تعترف بالاحتجاجات على الغلاء والمطالب النقابية، موضحًا أنه في ما يخص الموقوفين، فإن الجهات الأمنية ستتعامل معهم "بأقصى درجات اللين"، وأن من لم يرتكب أعمالًا غير اعتيادية ولم يكن على صلة بجهات أجنبية سيُعامل "بالرأفة الإسلامية". وفي ما يتعلق بتقلبات سعر الصرف خلال الأيام الأخيرة، والتي أشعلت الاحتجاجات في البلاد، قال إن رئيس البنك المركزي، علي همتي، قدم تقريرًا اليوم في اجتماع مجلس الوزراء، مؤكدًا أن العمل جارٍ للسيطرة على سعر العملة، معتبرًا أن هذه التقلبات "طبيعية" في ظل ما وصفه بـ"الجراحة الاقتصادية" التي تشهدها البلاد.
وأضاف المسؤول الإيراني أن السلع متوفرة بكميات كافية في الموانئ والمخازن، معربًا عن توقعه أن تتحسن الأوضاع بشكل ملحوظ خلال الأسبوع المقبل، وأن يتم ضبط ملف تأمين السلع الأساسية. وشهدت، اليوم الأربعاء، أسواق عدة مدن إيرانية، من بينها العاصمة طهران، إضرابات وسط استمرار الاحتجاجات في البلاد.
وتشير الفيديوهات المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي إلى تظاهرات في مدن كرمان، ومشهد، ونيشابور، ورشت، وشيراز، اليوم الأربعاء، فيما ردّد محتجون هتافات داعمة للتيار الملكي. وحسب أحد الفيديوهات، دفع المشاركون في الاحتجاج قوات الأمن إلى التراجع. ويلاحظ، وفق المقاطع المتداولة، أن أعداد المشاركين في الاحتجاجات أكثر من الأيام الماضية.
دعوة إلى التظاهر يومي الخميس والجمعة
إلى ذلك، دعا نجل الشاه السابق رضا بهلوي، في رسالة مصورة، المواطنين الإيرانيين إلى التظاهر يومي الخميس والجمعة عند الساعة الثامنة مساءً. كما دعت أحزاب وجماعات كردية إيرانية معارضة في الخارج المدن والمحافظات الكردية إلى الإضراب غدًا الخميس.
وخلال الليلة الماضية، شهدت عدة مدن إيرانية تجمعات احتجاجية، فيما أعلنت السلطات الإيرانية مقتل عنصرين من الشرطة. وأفادت مواقع إيرانية معارضة بمقتل نحو 35 محتجاً حتى الآن، في ظل استمرار التوترات واتساع رقعة الاحتجاجات في عدد من المدن. وتعتبر الاحتجاجات التي جرت الثلاثاء، الأكثر مشاركة منذ اندلاعها في 28 ديسمبر الماضي، إذ على الرغم من أن حدّتها كانت قد تراجعت حتى أواخر يوم الاثنين، إلا أن استئناف الاحتجاجات وإضراب التجار في السوق الكبير بطهران، أديا إلى تجدد الاحتجاجات وتصاعدها من جديد.
وفي الوقت الذي تُعد فيه مدينة ملكشاهي في محافظة إيلام، المحاذية للعراق، أكثر المدن التي شهدت اضطرابات عنيفة خلال هذه الاحتجاجات، ووقوع اشتباكات، ذكرت وكالة "تسنيم" المحافظة أن "عناصر مرتبطة بجماعات انفصالية حاولت، مساء أمس، من خلال ترديد شعارات هدامة ومفرّقة، إثارة التوتر خلال مراسم تشييع اثنين من ضحايا الأحداث الأخيرة".
الشرطة تهدد بالتصدي
من جانبه، قال القائد العام لقوى الأمن الداخلي، العميد أحمد رضا رادان، اليوم الأربعاء، إن الشرطة مكلفة بتأمين أمن "المحتجين القانونيين، لكنها ستتعامل بحزم كامل، وحتى آخر شخص، مع مثيري الشغب والشبكات المرتبطة بالأجهزة الاستخبارية". وأكد رادان أن تأمين الأمن للأشخاص الذين لديهم مطالب واحتجاجات مشروعة وقانونية هو واجب قطعي للشرطة، مشدداً على أنه لن يكون هناك أي تقصير في هذا المجال، مضيفا أن الأمن "سيستتب" بالتنسيق مع السلطة القضائية والأجهزة الأمنية، وبمساعدة المواطنين.
خطاب مرتقب لبزشكيان
إلى ذلك، أعلن رئيس مجلس الإعلام الحكومي، إلياس حضرتي، اليوم الأربعاء، في تصريح للتلفزيون الإيراني، أن الرئيس بزشكيان سيتحدث "قريباً" مع الشعب، مضيفاً أن حوار المسؤولين مع الشارع "من سياساتنا"، داعياً إلى زيادة هذه الحوارات. فيما دعا نجل الشاه السابق رضا بهلوي، في رسالة مصورة، المواطنين الإيرانيين، مساء أمس الأربعاء، إلى التظاهر يومي الخميس والجمعة في الساعة الثامنة مساءً. كذلك دعت أحزاب وجماعات كردية إيرانية معارضة في الخارج، المدن والمحافظات الكردية إلى الإضراب غداً الخميس.
