بحسب بيانات نقلتها تقارير صحفية عن صادرات الأسمنت المصرية، قفزت قيمة صادرات الأسمنت المصري إلى الاحتلال خلال الأشهر العشرة الأولى من 2024 إلى نحو 50.761 مليون دولار، مقابل نحو 919 ألف دولار خلال الفترة نفسها من 2023، بزيادة بلغت 5424%.
كما أظهرت بيانات التجارة الدولية ارتفاعًا كبيرًا في صادرات الأسمنت المصري إلى تل أبيب خلال 2024، لتصبح سوق الاحتلال واحدة من أبرز وجهات الأسمنت المصري خلال تلك الفترة.
وتجعل هذه الأرقام ملف الأسمنت واحدًا من أكثر ملفات التجارة المصرية مع الاحتلال إثارة للأسئلة، خصوصًا في ظل استمرار الحرب على غزة.
شركة العريش.. الحلقة الأكثر إثارة للجدل
ويركز النقاش بصورة خاصة على شركة العريش للأسمنت، التي يدرجها جهاز مشروعات الخدمة الوطنية ضمن شركاته.
وبحسب الموقع الرسمي للجهاز، أُنشئت شركة العريش للأسمنت عام 2010 في منطقة جبل لبنى جنوب مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء، لتوفير احتياجات سوق الأسمنت والاستفادة من المقومات المتاحة في المنطقة.
كما تظهر وثائق منشورة قرارًا بشأن تعديل تشكيل مجلس إدارة شركة العريش للأسمنت التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية.
ويطرح عدد من المراقبين أنه إذا كانت شركة تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية تصدر الأسمنت إلى الاحتلال، فما طبيعة العلاقة بين النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية والتجارة مع الكيان؟
زيادة التصدير إلى الاحتلال
وكان المستشار الاعلامي الدكتور مراد علي من أبرز من أثاروا القضية، رابطًا بين الزيادة في صادرات الأسمنت إلى الاحتلال وبين توقف أو تراجع صادرات دول أخرى، وعلى رأسها تركيا.
وكتب: "مصر تواجه أزمة في الأسمنت بعد زيادة التصدير إلى "إسرائيل" بنسبة 5400٪ بعد الحرب على غزة نتيجة لتوقف التصدير من تركيا، أكبر شركة تصدر الأسمنت للعدو هي شركة العريش للأسمنت التي يمتلكها الجيش المصري".
كما أثار مسألة أخرى تتعلق بالسعر، قائلًا إن سعر التصدير إلى الاحتلال أقل من السعر المحلي، وطرح تساؤلات حول احتمالات وجود فساد.
https://x.com/mouradaly/status/1957747729683083361
وفي منشور آخر، قال مراد علي: "إن صادرات الأسمنت المصري إلى تل أبيب ارتفعت بنسبة 5424% منذ الحرب في أكتوبر 2023، مستندًا إلى بيانات نسبها إلى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وأضاف أن شركة العريش للأسمنت من أبرز المصدرين".
الجيش سبب الأزمة وجزء من سوق التصدير
نشر حساب تغطية مقتطفات من تقرير منسوب إلى «وول ستريت جورنال»، تحدث عن تأثير دخول مصانع الأسمنت التابعة للجيش إلى السوق المصرية على زيادة المعروض، وعن امتلاك جهاز مشروعات الخدمة الوطنية لشركات في قطاع الأسمنت.
كما أشار المنشور إلى شركة العريش للأسمنت ومجمع بني سويف لإنتاج الأسمنت.
ويضيف هذا الجانب بُعدًا آخر إلى القضية: فالنقاش لا يتعلق بالتجارة مع الاحتلال فقط، وإنما أيضًا بمدى تأثير التوسع العسكري في إنتاج الأسمنت على الشركات المدنية والسوق المحلية.
وأثارت الزيادة الكبيرة في صادرات الأسمنت المصري إلى الاحتلال منذ اندلاع الحرب على غزة جدلًا واسعًا حول طبيعة التجارة المصرية مع الكيان، خصوصًا مع ورود اسم شركة العريش للأسمنت، التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، ضمن النقاشات المتعلقة بالمصدرين.
التحقيق وإعلان الأسماء
أثار الفنان والناشط عمرو واكد جدلًا حول علاقة المؤسسة العسكرية المصرية بتجارة الأسمنت مع الاحتلال، مستعرضًا تشكيل مجلس الإدارة السابق لشركة العريش للأسمنت، التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة.
وقال واكد: "إن مجلس الإدارة السابق للشركة كان يرأسه اللواء أركان حرب كمال الدين حسين، الذي شغل سابقًا منصب مدير إدارة المهندسين العسكريين ونائب رئيس الهيئة الهندسية، بينما كان نائب رئيس مجلس الإدارة اللواء زغلول السعيد ريشة، الذي سبق أن شغل منصب نائب رئيس هيئة الشئون المالية للقوات المسلحة"، بحسب ما أورده في منشوره.
وأضاف أن عضوية مجلس الإدارة كانت تضم عددًا من كبار الضباط والمهندسين المتخصصين من إدارة المهندسين العسكريين والهيئة الهندسية، للإشراف على النواحي الفنية وخطوط الإنتاج في سيناء وبني سويف، إلى جانب الجوانب المتعلقة بالنقل والتصدير.
واتهم واكد مجلس الإدارة السابق باتخاذ قرار جعل الشركة من أكبر موردي الأسمنت إلى الاحتلال، واعتبر أن وجود قيادات عسكرية على رأس الشركة، بالتزامن مع التصدير إلى تل أبيب، يثير تساؤلات حول طبيعة مشاركة المؤسسة العسكرية في هذه التجارة.
وأشار واكد كذلك إلى التشكيل الحالي لمجلس إدارة الشركة، وقال إن رئيس مجلس الإدارة الحالي هو اللواء أركان حرب مهندس محمود محمد سليمان، موضحًا أنه تولى المنصب خلفًا للإدارة السابقة، ويشغل بالتوازي منصب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب للشركة الوطنية للأسمنت ببني سويف، في إطار توحيد إدارة قطاع الأسمنت التابع للجهاز، وفق ما ذكره.
وقال واكد: "إنه لم يتمكن من الوصول إلى باقي أسماء أعضاء مجلس الإدارة الحالي، لكنه ادعى أنهم جميعًا ضباط في الجيش المصري".
وفي منشور آخر، دعا واكد إلى فتح تحقيق مع مجلس الإدارة السابق، مطالبًا النائب العام العسكري بإحالته إلى المحاكمة العسكرية، على خلفية ما وصفه بالتربح من التجارة مع الاحتلال، كما طالب مجلس الإدارة الحالي بوقف إمداد الكيان بأي منتج يتم إنتاجه في مصر.
وقال واكد: "إن المؤسسة العسكرية، بحسب تقييمه السياسي، تتحمل مسؤولية أفعالها أمام الشعب، وإنه لا يرى نفسه مسؤولًا عن ضرب شرعيتها، مضيفًا أنه يعتبر نفسه من ضحايا سياساتها".
وفي منشور آخر بتاريخ 7 سبتمبر، قال واكد: "إنه لا يقوم بدور في ضرب شرعية المؤسسة العسكرية، معتبرًا أن الشرعية، من وجهة نظره، ليست اختصاص مؤسسة بعينها، وإنما حالة رضا الناس".
وأضاف أن ما قامت به المؤسسة العسكرية المصرية منذ عام 1952 وحتى الوقت الراهن، بحسب تقييمه، يمثل مسارًا كارثيًا، ووجه انتقادات حادة إلى سياسات المؤسسة خلال عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
صادرات الأسمنت المصري إلى الاحتلال.. ماذا تقول البيانات؟
تقدم بيانات التجارة الدولية صورة واضحة عن وجود زيادة كبيرة في صادرات الأسمنت المصري إلى تل أبيب خلال 2024، فيما أشارت تقارير إلى صعود مكانة الاحتلال بين وجهات الأسمنت المصري خلال الفترة نفسها
وبحسب تقارير منشورة، جاء هذا الارتفاع في سياق تغيرات في سوق الأسمنت الإقليمي، من بينها القيود التركية على تصدير عدد من المنتجات إلى الاحتلال في 2024، ومن بينها الأسمنت
وفي السياق نفسه، أورد حساب «ثورة شعب» أرقامًا قال إنها مستندة إلى بيانات المكتب المركزي للإحصاء في الكيان، مشيرًا إلى أن الصادرات المصرية إلى الاحتلال ارتفعت بنسبة 50% خلال النصف الأول من عام 2025، لتصل إلى نحو 159.2 مليون دولار، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مضيفًا أن مواد البناء جاءت في مقدمة هذه الصادرات إلى جانب المنتجات الزراعية والغذائية والمنسوجات والكيماويات.
وأضاف الحساب أن إجمالي الصادرات المصرية إلى الاحتلال منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023 وحتى فبراير 2025 بلغ، وفق الأرقام التي أوردها، نحو 743 مليون دولار، جاءت صادرات البناء والتشييد في مقدمتها بقيمة بلغت 265.6 مليون دولار.
وأشار «ثورة شعب» كذلك إلى أن صادرات الأسمنت المصري إلى تل أبيب ارتفعت منذ اندلاع الحرب وحتى نهاية 2024 بنسبة 3257%، لتصل إلى 223.3 مليون دولار، فيما سجل ديسمبر 2024 أعلى قيمة شهرية للصادرات بنحو 28.2 مليون دولار.
كما أورد الحساب بيانات المجلس التصديري لمواد البناء في مصر، موضحًا أن صادرات الأسمنت المصري إلى الاحتلال ارتفعت من نحو 900 ألف دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2023 إلى نحو 50.76 مليون دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2024، بنسبة زيادة بلغت 5424%.
وبحسب الحساب، تركزت الزيادة في صادرات الأسمنت لدى أربع شركات رئيسية مسجلة في قاعدة بيانات التجارة التابعة لجهاز الإحصاء المصري، وهي: شركة العريش للأسمنت، وأسمنت سيناء، وسيناء للأسمنت الأبيض، والشركة العربية للأسمنت.
وذكر الحساب أن شركة العريش للأسمنت تعود ملكيتها بالكامل إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة التابع لوزارة الدفاع، بينما أشار إلى أن «أسمنت سيناء» تأسست في شمال سيناء عام 1997، وأن «سيناء للأسمنت الأبيض» تأسست عام 1999 وتعد من كبار منتجي الأسمنت الأبيض.
أما الشركة الرابعة، الشركة العربية للأسمنت، فأشار الحساب إلى أن ملكيتها الحالية تخضع لشركة «أريدوس جاتيفا إس إل» الإسبانية بحصة تبلغ 60%، بينما يأتي رجل الأعمال صادق أحمد السويدي، رئيس مجلس الإدارة غير التنفيذي لمجموعة السويدي للصناعات، ثاني أكبر مساهم فيها، ويأتي العقيد أركان حرب المتقاعد فايق محمد البوريني ثالث أكبر مساهم، وفق ما أورده الحساب.
https://x.com/ThawretShaaab/status/1956793082482946328
وتفتح هذه الأرقام بابًا واسعًا للتساؤل حول طبيعة وحجم التجارة المصرية مع الاحتلال خلال فترة الحرب على غزة، ولا سيما صادرات مواد البناء والأسمنت، وحول حصة الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية من هذه التجارة، وحجم العائدات المتحققة منها.