بعد سنوات من الغموض والقلق، عاد ملف الشاعر والمعارض المصري عبد الرحمن يوسف إلى الواجهة مجددًا، بعدما أعلنت الإمارات صدور عفو رئاسي عنه، قبل أن يغادر البلاد، في خطوة أنهت جانبًا من واحدة من أكثر القضايا غموضًا بالنسبة إلى أسرته ومتابعي ملف المعتقلين المصريين في الخارج.
وأعلنت الوكالة الإماراتية الرسمية، الجمعة الماضي، صدور عفو رئاسي عن عبد الرحمن يوسف، وذلك عقب حكم قضائي صدر بحقه من محكمة أبو ظبي الاتحادية الاستئنافية، دائرة الجرائم الإلكترونية، في 27 أغسطس الماضي، وقضى بحبسه 10 سنوات وتغريمه 200 ألف درهم إماراتي.
لكن المفارقة الأبرز أن تفاصيل الحكم والمحاكمة لم تكن معلنة على نطاق واسع قبل ذلك، فيما تقول رواية الأسرة: "إن محامي عبد الرحمن يوسف وأفراد عائلته لم يكونوا على علم بإجراءات المحاكمة أو تفاصيلها".
نحو عامين من الغموض
بدأت القضية في ديسمبر 2024، عندما أُوقف عبد الرحمن يوسف في لبنان أثناء عودته من رحلة إلى سوريا، قبل أن ينتهي به الأمر في الإمارات، حيث تقول الرواية الحقوقية والقانونية للقضية: "إنه تعرض للإخفاء القسري طوال الفترة اللاحقة وحتى الإعلان عن العفو الرئاسي".
وبحسب المعلومات المتداولة بشأن القضية، كان توقيفه في لبنان مرتبطًا بمذكرة اعتقال مصرية لتنفيذ حكم غيابي بالسجن لمدة 6 سنوات، على خلفية اتهامات تتعلق بـ "نشر أخبار كاذبة والتحريض على العنف".
لكن الإمارات طلبت تسلمه، وفق الرواية ذاتها، استنادًا إلى مذكرة من المدعي العام وليس إلى حكم قضائي، وهو ما أثار تساؤلات بشأن الأساس القانوني لنقله من لبنان إلى الإمارات بدلًا من تسليمه إلى مصر.
وتقول الرواية التي تتبناها أسرة عبد الرحمن يوسف ومتابعون لقضيته: "إن النفوذ السياسي والاقتصادي الإماراتي لدى السلطات اللبنانية كان عاملًا مؤثرًا في مسار القضية، وهي مسألة تحتاج، في حال طرحها بصورة قانونية، إلى توثيق مستقل يكشف الأساس الذي استند إليه قرار التسليم".
قصيدة وراء القضية؟
من جانبها، قالت الإمارات: "إن عبد الرحمن يوسف كان متهمًا بإهانة مؤسسات الدولة على خلفية قصيدة انتقد فيها سياسات الإمارات في المنطقة".
ومنذ وصوله إلى الإمارات، ظل الغموض يحيط بمكان احتجازه ووضعه القانوني، وفق ما تقول أسرته، التي لم تكن تملك معلومات كافية عن ظروف احتجازه أو حالته الصحية أو مسار القضية.
ومع إعلان الحكم ثم العفو الرئاسي، ظهرت أسئلة أكثر من الإجابات: كيف جرت المحاكمة؟ وما الأساس القانوني للحكم؟ وهل تمكن الدفاع من ممارسة حقوقه بصورة كاملة؟ ولماذا ظلت تفاصيل القضية بعيدة عن الأسرة والرأي العام طوال هذه الفترة؟
عفو بلا إجابات
الإفراج عن عبد الرحمن يوسف يمثل، بالتأكيد، خبرًا يبعث على الارتياح لأسرته ومحبيه، لكن العفو الرئاسي لا يغلق بالضرورة الأسئلة المتعلقة بالفترة التي سبقت صدوره.
فالإخفاء القسري المزعوم، وعدم وضوح مكان الاحتجاز وظروفه، ثم الإعلان عن حكم بالسجن 10 سنوات، وأخيرًا صدور عفو رئاسي عنه، كلها تطورات جرت في مساحة واسعة من الغموض، بينما ظلت الأسرة، بحسب روايتها، عاجزة عن معرفة تفاصيل أساسية تتعلق بمصير نجلها.
كما يلفت الانتباه غياب موقف رسمي مصري واضح بشأن القضية، رغم أن عبد الرحمن يوسف مواطن مصري، إلى جانب عدم صدور موقف معلن من تركيا، التي يحمل جنسيتها أيضًا، بشأن ظروف توقيفه واحتجازه.
وفي الوقت الذي غابت فيه المواقف الرسمية الواضحة، اقتصرت بعض التفاعلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي على التشفي والهجوم على المعارض المصري، بدلًا من التعامل مع القضية باعتبارها مسألة تتعلق بحقوق مواطن وظروف احتجازه ومحاكمته.
الإفراج لا يمحو سنوات الغموض
السعادة بالإفراج عن عبد الرحمن يوسف لا تتعلق فقط بخروجه من السجن، وإنما أيضًا بخروجه من الإمارات وعودته إلى مساحة أوسع من الحرية والأمان.
وبالنسبة إلى أسرته، فإن هذه اللحظة تنهي جزءًا من حالة الانتظار والخوف التي استمرت لأكثر من 20 شهرًا، لكنها لا تمحو الأسئلة المتعلقة بما جرى خلال تلك الفترة.
فالحرية حق أصيل، والإفراج عن شخص بعد سنوات من الاحتجاز لا ينبغي أن يحول دون معرفة الأساس القانوني لاحتجازه، أو ظروف محاكمته، أو ما إذا كانت حقوقه الأساسية في الدفاع والتواصل مع أسرته قد كُفلت طوال فترة احتجازه.
كما أن صدور العفو لا يلغي الحاجة إلى توضيح ملابسات القضية، خصوصًا إذا كانت هناك ادعاءات بشأن الإخفاء القسري أو حرمان المحتجز من حقوقه القانونية.
مسؤولية حكومة الانقلاب الغائبة
وتعيد قضية عبد الرحمن يوسف أيضًا طرح سؤال أكبر بشأن تعامل حكومة الانقلاب مع مواطنيها المعارضين الموجودين خارج البلاد.
فبعيدًا عن الموقف السياسي من عبد الرحمن يوسف أو من آرائه، يبقى السؤال المتعلق بمسؤولية الدولة عن حماية حقوق مواطنيها عندما يتعرضون للاحتجاز أو المحاكمة خارج الحدود.
وفي هذه الحالة، ظل الغموض يحيط بمصير مواطن مصري لأشهر طويلة، بينما لم يظهر، بحسب ما هو معلن، تحرك دبلوماسي مصري واضح ومعلن للرأي العام يفسر موقف القاهرة أو ما قامت به لحماية حقوقه القانونية.
وإذا كانت الدولة تختلف سياسيًا مع أحد مواطنيها، فإن ذلك لا ينبغي أن يحول دون ضمان حقه في الحماية القانونية والقنصلية، أو أن يجعل احتجازه في دولة أخرى أمرًا يمكن التعامل معه باعتباره شأنًا بعيدًا عن مسؤوليتها.
نهاية الاعتقال.. وبداية الأسئلة
مغادرة عبد الرحمن يوسف للإمارات تمثل نهاية سعيدة لجزء من القضية، والأهم أنها أنهت احتجازه وأعادته إلى حريته.
لكن النهاية الإنسانية السعيدة لا تعني أن كل الأسئلة القانونية والسياسية قد اختفت.
فما جرى منذ توقيفه في لبنان وحتى خروجه من الإمارات يستحق إجابات واضحة: على أي أساس قانوني جرى نقله؟ وأين احتُجز طوال تلك الفترة؟ وما تفاصيل المحاكمة التي انتهت بالحكم عليه بالسجن 10 سنوات؟ وهل أتيح له الدفاع عن نفسه بصورة كاملة؟ وما ظروف صدور العفو الرئاسي؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة الإفراج عنه، بل تؤكد أن الحرية لا ينبغي أن تكون منحة مؤقتة، وأن حق الإنسان في معرفة ما جرى له لا يسقط بمجرد فتح باب السجن.
مبروك للشاعر والمعارض عبد الرحمن يوسف خروجه من محنته، ونتمنى أن تكون مغادرته الإمارات بداية عودة حقيقية إلى حياته الطبيعية، ونهاية لسنوات من الخوف والغموض.
والأهم أن تتحول هذه النهاية إلى بداية لمسار آخر، تتوقف فيه ملاحقة المعارضين المصريين بسبب آرائهم، وتُغلق ملفات الاتهامات التي لا تستند إلى محاكمات عادلة، ويصبح احترام القانون وحقوق المواطنة قاعدة لا استثناء.