تتغير خريطة ملكية أصول الطاقة في مصر بصورة متسارعة، مع خروج عدد من الشركات الغربية الكبرى من بعض استثماراتها، ودخول مستثمرين جدد، بينهم شركات إماراتية وإسرائيلية، في وقت يواجه فيه قطاع الغاز المصري ضغوطًا متزايدة بفعل تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الاعتماد على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق.
ويثير هذا التحول تساؤلات تتجاوز حدود الصفقات التجارية، لتصل إلى مستقبل موقع مصر في خريطة الطاقة الإقليمية، وما إذا كانت القاهرة ستظل دولة منتجة ومصدرة للغاز، أم تتحول تدريجيًا إلى سوق مستهلكة تعتمد على الغاز المستورد، بينما تتحول بنيتها التحتية إلى مجرد منصة للعبور والتجارة الإقليمية.
«بي بي» تخرج.. والإمارات تدخل
سلطت منصة التحقق «صحيح مصر» الضوء، في تقرير حديث، على التحولات الجارية في ملكية أصول الطاقة المصرية، خصوصًا في أعقاب عمليات التخارج التي تنفذها شركة «بي بي» البريطانية، إحدى أقدم وأكبر الشركات الأجنبية العاملة في قطاع النفط والغاز المصري.
وبحسب التقرير، تجري شركة «إنرجين» مفاوضات حصرية للاستحواذ على ما تبقى من أصول «بي بي» في مصر، وذلك بعد موافقة الحكومة المصرية على صفقة نقل نحو 49% من حصص الشركة البريطانية في خمسة امتيازات إلى شركة «أركيوس إنرجي» الإماراتية، التابعة لمجموعة «أدنوك».
وتشمل الأصول محل الصفقة امتياز شمال دمياط، وحصة «بي بي» في امتياز شروق الذي يضم حقل ظهر، إلى جانب امتيازات أخرى في مراحل مختلفة من الاستكشاف والتطوير.
ولا تبدو الصفقة الإماراتية منفصلة عن التحول الأوسع في خريطة الاستثمارات بقطاع الطاقة المصري، إذ يتزامن دخول «أركيوس إنرجي» مع صفقات أخرى تمنح شركات إسرائيلية موطئ قدم داخل أصول الطاقة المصرية.
«إنرجين».. من الغاز الإسرائيلي إلى الأصول المصرية
تكتسب مفاوضات «إنرجين» أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الشركة ونشاطها الإقليمي، فهي مقيدة في بورصتي لندن وتل أبيب، ولديها حضور قوي في سوق الغاز الإسرائيلية.
وبحسب البيانات التي أوردها تقرير «صحيح مصر»، بلغ إنتاج «إنرجين» من الغاز في إسرائيل نحو 5.6 مليار متر مكعب خلال عام 2025، وهو ما يعادل قرابة 43% من استهلاك إسرائيل من الغاز.
ويعني دخول شركة بهذا الحجم إلى أصول مصرية أن التحولات في ملكية قطاع الطاقة لم تعد مرتبطة فقط بخروج شركات غربية ودخول مستثمرين جدد، وإنما باتت تشمل أيضًا شركات ذات ارتباط مباشر بسوق الطاقة الإسرائيلية.
وتزداد حساسية الأمر في ظل اعتماد مصر المتزايد على الغاز الإسرائيلي لتغطية جانب من احتياجاتها المحلية، بما يضع قطاع الطاقة أمام معادلة جديدة تتداخل فيها اعتبارات الإنتاج والاستيراد والاستثمار والأمن القومي.
صفقة "فاروس" تفتح الباب أمام إسرائيل
التحول لا يقتصر على «إنرجين»، إذ رصد تقرير «صحيح مصر» كذلك استحواذ شركة «ريشيو بتروليوم» الإسرائيلية على شركة «فاروس إنرجي» البريطانية العاملة في مصر.
وبموجب الصفقة، انتقلت حصة «فاروس» في امتيازي الفيوم وشمال بني سويف إلى الشركة الإسرائيلية، بما يشمل أصولًا إنتاجية قائمة بالفعل وأخرى مرشحة للتطوير.
وتكتسب الصفقة أهمية إضافية لأن انتقال حقوق وحصص الامتياز في أصول الطاقة المصرية إلى شركة إسرائيلية يحتاج إلى موافقات الجهات المصرية المختصة، وفي مقدمتها وزارة البترول.
ومن ثم، فإن موافقة القاهرة على انتقال هذه الأصول تفتح نقاشًا واسعًا حول حدود الوجود الإسرائيلي المقبول داخل قطاع شديد الحساسية، خصوصًا في ظل الظروف الإقليمية الراهنة وتزايد اعتماد مصر نفسها على الغاز الإسرائيلي.
تراجع الإنتاج.. وارتفاع الاعتماد على الخارج
المشكلة لا تكمن فقط في هوية المستثمرين الجدد، وإنما في توقيت إعادة توزيع ملكية الأصول. فوفق الأرقام التي أوردتها دراسة تحليلية لحزب العدل واستند إليها تقرير «صحيح مصر»، تراجع إنتاج الغاز الطبيعي في مصر من نحو 6 مليارات قدم مكعب يوميًا عام 2022 إلى أقل من 4 مليارات قدم مكعب يوميًا خلال 2025، في الوقت الذي استمر فيه الطلب المحلي في الارتفاع.
هذا التراجع دفع مصر إلى زيادة وارداتها من الغاز، والتحول إلى مستورد صافٍ للغاز بعد سنوات كانت خلالها القاهرة تراهن على اكتشافات ضخمة، وفي مقدمتها حقل ظهر، لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة.
وهنا تظهر المفارقة: ففي الوقت الذي تتراجع فيه قدرة مصر على إنتاج احتياجاتها من الغاز، يُعاد توزيع ملكية بعض الأصول المحلية على شركات إماراتية وإسرائيلية، بينما يتزايد اعتماد السوق المصرية على الغاز القادم من الخارج.
هل تتحول مصر من منتج إلى مستهلك صافي ؟
الدراسة التي أشار إليها التقرير تطرح سؤالًا استراتيجيًا مهمًا حول مستقبل موقع مصر في خريطة الغاز الإقليمية. فهل ستظل مصر مركزًا للإنتاج والتصدير، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية، أم تتحول تدريجيًا إلى سوق استهلاكية تعتمد على واردات الغاز، مع احتفاظها بدور لوجستي قائم على استقبال الغاز وإسالته وإعادة تصديره؟
السؤال ليس نظريًا، خصوصًا أن مصر تمتلك بنية تحتية متقدمة نسبيًا في مجال الغاز الطبيعي، ومصانع إسالة، وشبكات نقل، وموقعًا جغرافيًا قريبًا من الأسواق الأوروبية.
لكن قيمة هذه المزايا تتراجع إذا لم تتوافر قاعدة إنتاج محلية قادرة على توفير احتياجات السوق وتأمين الإمدادات بصورة مستقلة.
بدائل الاستثمار.. من «بي بي» إلى إسرائيل والإمارات
خروج شركة مثل «بي بي» من جزء من أصولها المصرية ليس في حد ذاته ظاهرة استثنائية؛ فشركات الطاقة العالمية تعيد باستمرار ترتيب محافظ استثماراتها وفقًا لتكلفة الإنتاج وحجم الاحتياطيات والعائد المتوقع وفرص النمو.
لكن الإشكالية الحقيقية تتعلق بطبيعة البدائل التي تحل محل الشركات الخارجة. فإذا كان خروج المستثمر الغربي سيؤدي إلى دخول شركات تمتلك خبرة وقدرات تمويلية وتكنولوجية وتوسع عمليات الاستكشاف والإنتاج، فقد يمثل ذلك فرصة للقطاع المصري.
أما إذا أصبح الاتجاه العام هو استبدال الشركات الغربية بمستثمرين إقليميين يمتلكون مصالح استراتيجية واسعة داخل المنطقة، وفي مقدمتهم شركات إماراتية وإسرائيلية، فإن المسألة تستحق مراجعة أوسع من مجرد تقييم مالي للصفقات.
وهنا يبرز سؤالان أساسيان: هل دخول هذه الشركات يتم باعتباره قرارات استثمارية وتجارية بحتة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما حجم تأثير ملكيتها المستقبلية على قرارات الإنتاج والتطوير وتأمين احتياجات السوق المصرية؟
أما فرضية وجود توجيه سياسي وراء هذه التحركات، فتحتاج إلى أدلة مستقلة وواضحة، ولا يمكن حسمها بمجرد تزامن الصفقات.
أمن الطاقة.. الخطر في تركز النفوذ
تزداد حساسية هذا الملف لأن الطاقة ليست قطاعًا اقتصاديًا عاديًا. فالغاز الطبيعي يرتبط مباشرة بالكهرباء والصناعة والأسمدة والبتروكيماويات والنقل، وبالتالي فإن امتلاك أصول الإنتاج أو التأثير في سلاسل الإمداد يمنح صاحبه وزنًا اقتصاديًا وسياسيًا يتجاوز قيمة الاستثمار نفسه.
ومن هذه الزاوية، فإن تركّز نسبة متزايدة من أصول الطاقة أو مصادر الإمداد في أيدي أطراف إقليمية محددة قد يمثل مصدر قلق استراتيجي، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع ضعف الإنتاج المحلي وارتفاع الاعتماد على الاستيراد.
وتزداد المخاوف مع اتساع الحضور الاقتصادي الإماراتي في مصر، بالتوازي مع اعتماد القاهرة المتزايد على الغاز الإسرائيلي، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن احتمالات تحول الاعتماد الاقتصادي إلى نفوذ سياسي في المستقبل.
الصين.. خيار لتنويع قاعدة المستثمرين
في المقابل، تبدو الحاجة إلى تنويع قاعدة المستثمرين أكثر إلحاحًا، بدل الارتهان لمجموعة محدودة من القوى والشركات ذات المصالح المتشابكة في المنطقة.
وفي هذا السياق، يمكن أن يمثل الانفتاح على الشركات الصينية أحد الخيارات المطروحة، خصوصًا في ظل القدرات الكبيرة التي تمتلكها الصين في مجالات الحفر والاستكشاف وتطوير حقول النفط والغاز، فضلًا عن قدرتها التمويلية والتنافسية في الأسواق الخارجية.
ولا يعني ذلك استبدال تبعية بأخرى، وإنما توسيع دائرة الشركاء بما يمنح مصر قدرة أكبر على التفاوض والمفاضلة، ويقلل من مخاطر تركز الأصول أو الإمدادات في يد عدد محدود من الأطراف.
الأولوية هنا يجب أن تكون للمصلحة المصرية، وليس لجنسية المستثمر، بحيث يتم اختيار الشريك وفقًا لقدراته الفنية والتكنولوجية والتزامه بزيادة الإنتاج وتطوير الاحتياطيات، وليس فقط وفقًا لحجم التمويل الذي يستطيع ضخه.
مصر تملك أوراقًا لم تستثمرها بعد
تمتلك مصر ميزة يصعب تجاهلها في سوق الغاز الإقليمي؛ فهي تقع جغرافيًا بالقرب من أسواق الاستهلاك الأوروبية، وتمتلك بنية تحتية مهمة في مجال الغاز الطبيعي، بما في ذلك منشآت إسالة وشبكات نقل.
وهذه المزايا يمكن أن تجعل مصر مركزًا حقيقيًا للطاقة إذا نجحت في استعادة قدرتها الإنتاجية، وجذب الاستثمارات إلى الاستكشاف والتنمية بدل الاكتفاء بإعادة تدوير ملكية الأصول القائمة.
لكن تحقيق ذلك يتطلب معالجة جذور أزمة الإنتاج، وليس التعامل معها من خلال زيادة الواردات أو بيع حصص جديدة من الأصول القائمة.
كما يتطلب وضع استراتيجية واضحة للطاقة تحدد موقع الشركات الأجنبية داخل القطاع، وتحافظ على قدرة الدولة على تأمين احتياجات السوق، وتمنع تحول البنية التحتية الحيوية إلى مصدر نفوذ خارجي.
من «استرضاء الغرب» إلى تنويع الشركاء
على مدى سنوات، راهنت القاهرة على جذب الشركات الغربية الكبرى إلى قطاع الطاقة، مستفيدة من خبراتها وتكنولوجياتها وقدراتها التمويلية. ومع تغير ظروف السوق العالمية وتراجع جاذبية بعض الحقول المصرية، بدأت بعض هذه الشركات في إعادة النظر في استثماراتها.
لكن الحل لا ينبغي أن يكون استبدال خروج الشركات الغربية بدخول شركات إسرائيلية أو إماراتية بصورة تجعل قطاعًا استراتيجيًا مثل الطاقة أكثر ارتباطًا بقوى إقليمية محددة.
والأكثر أهمية هو بناء قاعدة استثمارية متنوعة، تضم شركات من دول مختلفة، مع إعطاء الأولوية للاستكشاف وزيادة الإنتاج ونقل التكنولوجيا، وضمان ألا يتحول الاستثمار الأجنبي إلى أداة لخلق احتكارات أو نفوذ طويل الأجل داخل قطاع حيوي.
الطاقة ليست مجرد صفقة تجارية
المعادلة التي تواجه مصر اليوم أكثر تعقيدًا من مجرد بيع حصص وشراء أخرى. ففي الوقت الذي تتراجع فيه معدلات الإنتاج المحلي، تتزايد الحاجة إلى الغاز المستورد، وتتغير ملكية بعض أصول القطاع لصالح شركات إماراتية وإسرائيلية، بينما تحتفظ مصر ببنية تحتية يمكن أن تمنحها دورًا مهمًا في سوق الغاز الإقليمية.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: من يشتري أصول شركات الطاقة العاملة في مصر؟ بل: ما الاستراتيجية المصرية التي تحكم هذه التحولات؟
وهل يجري التعامل مع الطاقة باعتبارها قطاعًا استثماريًا يمكن إعادة توزيع ملكيته وفقًا لاعتبارات السوق وحدها، أم باعتبارها جزءًا من الأمن القومي المصري، يستوجب حساب تأثيرات الملكية والاستيراد والإنتاج والنفوذ الإقليمي على المدى الطويل؟
فالمخاطر لا تبدأ بالضرورة عندما تمتلك دولة أو شركة أجنبية حصة في حقل مصري، وإنما عندما يتراكم الاعتماد عليها إلى الحد الذي تصبح فيه قادرة على التأثير في قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها.
وفي ظل تراجع الإنتاج المحلي، فإن السماح بتزايد الاعتماد على الغاز الخارجي بالتوازي مع انتقال أصول مصرية إلى أطراف إقليمية ذات ثقل سياسي واقتصادي كبير، يستوجب مراجعة استراتيجية عاجلة.
مصر لا تحتاج فقط إلى مستثمرين جدد في قطاع الطاقة، بل تحتاج قبل ذلك إلى استراتيجية جديدة تعيد بناء قدرتها على الإنتاج، وتنويع شركائها، وحماية استقلال قرارها في واحد من أكثر القطاعات ارتباطًا بالأمن القومي.