“نحل وبرها” .. كامل الوزير الأول في قروض الفشل ومشروعات حماية العصابة

- ‎فيتقارير

كامل الوزير وسنوات الفشل.. قروض قطار الغلابة وسياسات الجباية المستمرة

في الأول من يوليو 2026، فوجئ ملايين الركاب بزيادة جديدة ومباغتة في أسعار تذاكر القطارات، لم يمضِ عليها سوى أقل من ثلاثة أشهر من زيادة مماثلة جرت في مارس من العام نفسه. وقد عكس هذا القرار غيابًا تامًا للشفافية واحترام المواطنين، لا سيما بعدما أكدت تقارير صحفية أن القرار نُفذ بصورة مفاجئة دون حتى إخطار مسؤولي التشغيل أو العاملين بشبابيك الحجز مسبقًا.

ولم تكن هذه الخطوة سوى الحلقة الخامسة في سلسلة زيادات الأسعار التي شهدتها السكك الحديدية منذ تولي كامل الوزير منصبه، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول الدوافع الاقتصادية الحقيقية وراء تقارب هذه الزيادات بصورة غير مسبوقة، خاصة في ظل عدم تسجيل أي زيادات جديدة في أسعار السولار أو المواد البترولية خلال تلك الفترات المتقاربة.

وعندما تولى الفريق كامل الوزير حقيبة وزارة النقل في مارس 2019، وُعد المصريون بثورة حقيقية في قطاع السكك الحديدية والبنية الأساسية، مع تأكيدات متكررة بأن تحسين الخدمة يقع على رأس الأولوية، وأن المواطن لن يتحمل أعباءً إضافية قبل أن يلمس نتائج هذا التطوير بنفسه.

غير أن الواقع العملي أسفر عن مسار مغاير تمامًا؛ إذ تحولت وزارة النقل تدريجيًا إلى واحدة من أكثر الوزارات اعتمادًا على سياسة الجباية المستمرة. وأصبحت زيادة أسعار تذاكر القطارات إجراءً متكررًا كلما واجهت الهيئة أزمة مالية، ليجد المواطن البسيط نفسه الطرف الوحيد المطالب دائمًا بسداد الفاتورة الباهظة.

قفزة تاريخية بنسبة 1150%

وتتجلى أبعاد الأزمة الحقيقية بوضوح تام عند تفحص ما آلت إليه قطارات الدرجة الثالثة، والمعروفة شعبيًا بـ "قطار الغلابة"، فعلى الخط الذي كان الوزير نفسه يستشهد به مرارًا لتبرير رفع الأسعار، وهو خط القاهرة–منوف، ارتفعت قيمة التذكرة من جنيهين فقط في عام 2020 إلى 25 جنيهًا في عام 2026، مسجلة نسبة زيادة فلكية بلغت نحو 1150% خلال ست سنوات فقط، وفي مسارات أخرى مثل خط القاهرة–طنطا، وصلت قيمة التذكرة إلى 35 جنيهًا.

وأمام هذه الأرقام المفزعة، يبرز التساؤل الملح: أي تطوير خدمي يمكن أن يبرر زيادة بهذا الحجم الضخم؟ وهل تضاعفت دخول الطبقات العمالية والمحدودة بنسبة 1150% لكي تصبح هذه القرارات منطقية ومقبولة مجتمعيًا؟

http://googleusercontent.com/image_collection/image_retrieval/6432844682839563530_0

 

تضخم القروض لا تكاليف التشغيل

 

ويتذرع المسؤولون في كل مرة بذات المبررات التقليدية: ارتفاع أسعار الوقود، وزيادة تكلفة قطع الغيار، وارتفاع تكاليف الصيانة، وزيادة أجور العاملين بصورة دورية.

غير أن مراجعة متأنية للقوائم المالية لهيئة السكك الحديدية تفضح الأزمة الحقيقية؛ إذ تكشف البيانات أن الهيئة تحقق في الواقع أرباحًا جيدة من بند إيرادات النشاط، بينما تتضاءل النسبة الفعلية التي تستحوذ عليها بنود الأجور والوقود من إجمالي موازنة الهيئات.

وتكمن المشكلة الجوهرية والعميقة في تضخم القروض وفوائدها المركبة، لقد اختارت الدولة تمويل مشروعات النقل الكبرى عبر الاقتراض الخارجي المكثف، لتتحول فوائد هذه الديون لاحقًا إلى عبء دائم ومستنزف، يجري سداده من جيوب المواطنين أصحاب الدخول المحدودة، بينما تظل شكاوى الركاب اليومية من الأعطال، وتأخر المواعيد، وتردي حالة بعض العربات قائمة دون حل جذري.

شهادة وتحليل

وسلطت منصة @egy_technocrats (حزب تكنوقراط مصر) والمنصة الاستقصائية @matsda2sh (متصدقش) الضوء على الكارثة المالية والإدارية التي يعاني منها القطاع، مستندة إلى بيانات رسمية وقرارات جمهورية منشورة في الجريدة الرسمية.

وفقاً لتحليلات متصدقش لقرارات الفترة بين عامي 2014 و2025، بلغت القيمة الإجمالية لاتفاقات قروض قطاع النقل نحو 18 مليار دولار أمريكي (ما يعادل تقريبًا 904.5 مليار جنيه مصري بسعر الصرف الحالي)، وذلك دون احتساب نسب الفوائد المتراكمة. وقد استحوذت القروض وحدها على 90.7% من إجمالي القيمة المالية لاتفاقات القطاع، بواقع 35 قرارًا جمهوريًا من إجمالي 54 قرارًا شملت المنح والتسهيلات الائتمانية.

واختارت الدولة بحسب "تكنوقراط" تمويل مشروعات النقل بالاقتراض المكثف، ثم أصبحت فوائد هذه القروض عبئًا دائمًا، بينما يُطلب من المواطن أن يسدد ثمن هذه السياسات من دخله المحدود، في الوقت الذي لا تزال فيه شكاوى الركاب من الأعطال، وتأخر المواعيد، وسوء بعض العربات قائمة حتى اليوم".

وأضافت أنه "لم يعد الأمر مقتصرًا على زيادة الأسعار، بل أصبح نمطًا متكررًا من الإدارة يقوم على اتخاذ القرارات بصورة مفاجئة، ثم مطالبة المواطنين بتقبلها باعتبارها أمرًا واقعًا، دون حوار أو شفافية أو محاسبة".

 

https://x.com/egy_technocrats/status/2074863465156481160

وكانت قائمة أبرز المشروعات المستحوذة على القروض:

الخط الأول للقطار الكهربائي السريع (العين السخنة – الإسكندرية – العلمين – مطروح): تصدر القائمة بإجمالي قروض بلغت 2.817 مليار دولار (عبر القرارين رقم 145 لسنة 2023 ورقم 219 لسنة 2024).

مشروع خطي مونوريل العاصمة الإدارية والسادس من أكتوبر: جاء في المركز الثاني بقيمة 2.256 مليار دولار، مقدمة من تحالف دولي بقيادة بنك "جيه بي مورجان" بضمان هيئة تمويل الصادرات البريطانية.

المرحلة الأولى من الخط الرابع لمترو القاهرة: بقيمة مالية بلغت 1.591 مليار دولار، بتمويل من وكالة اليابان للتعاون الدولي "جايكا".

تطوير وتجديد الخط الأول لمترو القاهرة: بقيمة 1.440 مليار دولار، قُسمت على ثلاثة قروض مقدمة من بنك الاستثمار الأوروبي (EIB)، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، والحكومة الفرنسية.

توريد 1350 عربة ركاب جديدة للسكك الحديدية: بقيمة 1.13 مليار دولار بموجب القرار رقم 597 لسنة 2022 مع بنك التصدير والاستيراد المجري.

اعتراضات مؤسسية وبرلمانية

لم تقتصر الأزمة على التوسع الجنوني في الاقتراض فحسب، بل رافقته عيوب هيكلية جسيمة في التنفيذ والإدارة، وثقتها التقارير الرقابية الرسمية:

وكشف تقرير الحساب الختامي للعام المالي 2024/2023  للجهاز المركزي للمحاسبات عن كوارث إدارية؛ من أبرزها القرار الجمهوري 387 لسنة 2016 الخاص بقرض تطوير نظم إشارات السكك الحديدية من نجع حمادي إلى الأقصر، حيث لم يُسحب منه سوى 46.7 مليون دولار فقط (بنسبة تنفيذ بلغت 40.6% حتى منتصف 2024)، وهو ما اعتبره الجهاز دليلاً على "عدم إعداد الدراسات الفنية المناسبة"، كما رصد الجهاز في تقاريره عدم الاستفادة نهائيًا من قرض تطوير الخط الأول للمترو الموقع مع بنك الاستثمار الأوروبي (القرار 76 لسنة 2019)، حيث اقتصر السحب على شرائح ضئيلة لا تتعدى 1%، مما أدى إلى تحمل الدولة غرامات وعمولات ارتباط دون تحقيق أي استفادة تنموية، وهو ما وصفه النائب أحمد البرلسي في البرلمان بـ "الكارثة".

https://x.com/matsda2sh/status/2074474945527054500

وعن انتقادات الجهات المقرضة الدولية، أشارت تقارير صادرة عن بنك التنمية الأفريقي والبنك الآسيوي للاستثمار إلى وجود عوائق إدارية وبطء شديد في إجراءات الموافقة الداخلية من قبل هيئة سكك حديد مصر، فضلاً عن تأخر ترسية العقود وتعديل المسارات بشكل أدى إلى إبطاء معدلات السحب وتعطيل الجداول الزمنية (مثل مشروع تطوير خط أبو قير الذي بلغت نسبة سحبه 28.07% فقط).

وانتقد "نواب" ببرلمان العسكر مثل مها عبد الناصر (عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي) و"النائب" أحمد الشرقاوي سياسات الحكومة الصارمة، مؤكدين أن المشكلة الحقيقية تكمن في سوء توقيت المشروعات وغياب الأولويات المجتمعية الصحيحة، متسائلين عن كيفية سداد هذه المليارات في ظل تراجع القيمة الشرائية للعملة المحلية.

تجربة والطبقات الأكثر احتياجاً

على مدار أكثر من سبع سنوات قضاها الفريق كامل الوزير في منصب وزير النقل، وتحديدًا خلال عقد كامل من حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، قفز رصيد الدين الخارجي المصري من 46.1 مليار دولار في يونيو 2014 إلى 163.9 مليار دولار في ديسمبر 2025، بينما تجاوزت قيمة أقساط القروض وفوائدها المسددة 200.1 مليار دولار.

 

إن تجربة إدارة قطاع النقل لم تسفر عن معجزة تنموية حقيقية للطبقات البسيطة، بل تحولت إلى نموذج فج لسياسة تحميل المواطنين تكلفة الأخطاء الهيكلية والديون الخارجية. وبدلاً من مراجعة أسباب الخسائر الحقيقية وإرساء قواعد الشفافية والمحاسبة السياسية، يواجه ركاب "قطار الغلابة" زيادات متلاحقة تقضي تدريجيًا على ما تبقى من قدرتهم الشرائية، لتظل وعود التطوير الكامل مؤجلة إلى أجل غير مسمى، بينما يدفع المواطن الفاتورة مقدمًا دون طائل.