تتصاعد الانتهاكات بحق الاسرى الفلسطينيين في سجون دولة الاحتلال، حيث يستخدم الوزير المتطرف بن غفير اذلال الاسرى كأداة انتخابية بالإمعان في قهرهم وتصويرهم وبث صورهم على الشاشات بكثير من التشفي لكسب أصوات الناخبين المتطرفين في الانتخابات المقبلة.
وكانت هيئة شئون الأسرى والمحررين الفلسطينية قد دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى اتخاذ موقف إزاء قرار سلطات الاحتلال تجديد منع زيارات المعتقلين الفلسطينيين في السجون، معتبرة أن الإجراء يكرس عزلهم عن العالم الخارجي.
وذكر بيان لرئيس الهيئة رائد أبو الحمص، أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وقّع مجددا على قرار يقضي باستمرار منع زيارات المعتقلين، بما يشمل ذويهم، إلى جانب استمرار منع المؤسسات الحقوقية والإنسانية من الوصول إليهم، مضيفا إن "قرار بن غفير، يأتي في إطار سياسة التفرد بالمعتقلين وعزلهم عن العالم الخارجي"، مطالبا اللجنة الدولية للصليب الأحمر وكافة المؤسسات الحقوقية والإنسانية بإصدار موقف يدين هذه الإجراءات.
كما دعا أبو الحمص، اللجنة إلى إصدار تقرير "واضح" بشأن أوضاع المعتقلين، واتخاذ خطوات عملية لمواجهة ما وصفه بـ"استخفاف سلطات الاحتلال بالمجتمع الدولي"، وحث المؤسسات الدولية على أداء واجبها الإنساني والأخلاقي وعدم القبول بسياسة فرض الأمر الواقع، مشيرا إلى أن السلطات الإسرائيلية تواصل، منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة منع زيارات عائلات المعتقلين واللجنة الدولية للصليب الأحمر، رغم المطالبات الحقوقية بإنهاء هذه الإجراءات، باعتبارها تخالف أحكام القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
تمديد قرار منع الزيارة
وأعلن بن غفير الخميس أنه مدد قرار منع الزيارات للفلسطينيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية. ويقبع في سجون إسرائيل نحو 9 آلاف و500 أسير فلسطيني، بينهم أطفال ونساء، يعانون تجويعا وتعذيبا وإهمالا طبيا، ما أدى إلى استشهاد العشرات منهم، وفقا لتقارير حقوقية فلسطينية وإسرائيلية. في الوقت الذي لا يزال لهيب الحرب يطال كل شي في غزة فتحت حكومة الاحتلال الإسرائيلي جبهة أخرى، سلاحها الكاميرا وهدفها جسد الأسير الفلسطيني.
ولم يعد التنكيل بالأسرى مجرد ممارسات معزولة خلف الجدران الأسمنتية، تعمل على رصدها المؤسسات الحقوقية بل تحول إلى مادة استعراضية تبثها القنوات الإسرائيلية، مما يثير التساؤلات حول الغايات العميقة وراء هذا الضخ الإعلامي التحريضي مع قرب اعتماد قوانين إعدام الأسرى، ومحاكمات مقاتلي نخبة كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس.
ويبرز هنا تساؤل هل نحن أمام دعاية انتخابية لليمين المتطرف تعيد توحيد قاعدته عبر الانتقام؟ أم أمام مشروع أعمق لإعادة إنتاج معنى 7 أكتوبر في الوعي الإسرائيلي، عبر تحويل يوم "الإذلال القومي" إلى حكاية استعادة السيطرة بالقوة عبر إذلال الأسير الفلسطيني بوصفه رمزا وطنيا؟
ويبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي نحو 10 آلاف أسير غالبيتهم من الضفة الغربية والقدس، ويُصنَّف أسرى غزة كمقاتلين غير شرعيين، ولا يوجد رقم دقيق حول أسرى غزة لأن الاحتلال يحتجز الغزيين عبر مسارين مختلفين.
منظومة السجون الإسرائيلية مراكز احتجاز يديرها الجيش
وبحسب أحدث إحصاءات مؤسسات الأسرى الفلسطينية حتى مطلع فبراير 2026، فإن إسرائيل تُدرج 1249 أسيرا تحت تصنيف المقاتلين غير الشرعيين؛ وهو التصنيف الذي يضم الغالبية العظمى لأسرى غزة، مع الإشارة إلى أنه قد يشمل أيضا معتقلين عربا من لبنان وسوريا.
ومع ذلك فالرقم المعلن يبقى غير دقيق لوجود أسرى فلسطينيين من غزة يصنفون فلسطينيا تحت بند المفقودين، الذين ترفض إسرائيل الإعلان عن أي بيانات عنهم إن كانوا في سجونها أم أُعدموا ميدانيا من قبل جنود الاحتلال.
وأكدت منظمة هموكيد الإسرائيلية، التي تتابع قضايا الأسرى الفلسطينيين في تقرير لها مطلع أكتوبر الأول الماضي 2025، بأن مئات من سكان غزة اختفوا بعد أن كانوا في قبضة الجيش، وتذكر أنها خلال شهرين فقط اضطرت لتقديم 54 التماس إحضار محتجز وفي حالات ردّ فيها الجيش بأنه لا توجد إشارة للاعتقال رغم وجود شهود، إضافة إلى مئات حالات أخرى تعذر استكمالها قضائيا لأسباب إجرائية
وتشير أحدث معطيات نادي الأسير الفلسطيني إلى أن عدد شهداء الحركة الأسيرة داخل السجون وأماكن الاحتجاز الإسرائيلية منذ بدء حرب غزة في 7 أكتوبر 2023 بلغ 88 شهيدا حتى 15 فبراير 2026، من بينهم 52 شهيدا من أسرى غزة.
وتربط تقارير حقوقية أممية الظاهرة بنمط متكرر من التعذيب الشديد وسوء المعاملة، والحرمان من الرعاية الطبية والإجهاد، والتجويع المفرط، ورفض أو تعطيل تنفيذ أوامر قضائية تتعلق بالعلاج أو شروط الاحتجاز. واعتبرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان في تقرير نُشر في سبتمبر الماضي هذه العوامل جزءا من إساءة ممنهجة تستوجب وقفها فورا.
كما لفتت تقارير حقوقية إلى أن مسار الاحتجاز العسكري منذ أكتوبر 2023 اتسم أيضا بـغياب الشفافية والإخفاء القسري ووقوع وفيات في مرافق مثل سديه تيمان ومراكز أخرى، بما يعقّد التحقق من العدد الفعلي وأسباب الوفاة لكل حالة، ويحوّل شهداء الأسرى إلى عنوان مكثف لمعركة أوسع على الحقيقة والمحاسبة خلال الحرب.
الإعدام والمحاكمات
يدفع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بقوة لإقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، رغم مطالب داخلية بعدم إقرار القانون بصيغته الحالية لأنه يضر بصورة إسرائيل في الساحة الدولية. وينشر الوزير المتطرف تصريحات كثيرة عن إعدام الأسرى وطرق تنفيذ الإعدام مرفقا ذلك بمشاهد للقمع التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون أثناء وجوده مع وحدات القمع التابعة لمصلحة السجون، التي تقع تحت سلطته مباشرة.
وتُظهر كثير من المشاهد قيام هذه الوحدات بضرب الأسرى وتقييدهم وإذلالهم، وإجبارهم على الركوع على ركبهم تحت قدمي بن غفير مهددا إياهم بقرب تنفيذ حكم الإعدام. ولا يأتي إصرار بن غفير على قانون الإعدام كعزف شاذ منفرد، بل هي حالة إجماع عامة إسرائيلية فقد شارك في تقديم قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين عدد من أعضاء الكنيست من مختلف الأحزاب، وقد مر القانون بالقراءة التمهيدية في 11 نوفمبر 2025، بأغلبية 39 عضوا (من أصل 120)، مقابل 16 صوتوا ضده، وفق هيئة البث الإسرائيلية الرسمية. كما تم إقرار قانون محاكمة نخبة القسام بالقراءة التمهيدية في 13 يناير الماضي 2026 وستتم محاكمتهم أمام محاكم خاصة مع بث الجلسات بشكل علني على الإنترنت.
واعتبر مراقبون حينها أن القانون يُمثل أخطر تحوّل قضائي منذ قيام دولة الاحتلال، لأنه يُؤسس لمنظومة استثنائية تدمج بين المنطق الأمني والعقيدة السياسية، وتحول القضاء إلى ذراع من أذرع الحرب النفسية والانتقامية الثأرية ضد الفلسطينيين.
وسيسمح القانون للمحكمة بالخروج عن قواعد الإجراءات والأدلة المعتادة بسبب عدم مقدرة الشرطة والادعاء الإسرائيلي على تقديم أدلة تدين الأسرى بالمشاركة في السابع من أكتوبر، كما ينص القانون صراحة على أن المحكمة ستكون مخولة بفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين بعد السابع من أكتوبر.
واعتبر المختص في الشئون الإسرائيلية نائل عبد الهادي في حديثه للجزيرة نت، أن الجمع بين الإعدام والمحاكمات الخاصة لا يقتصر على تشديد العقوبة؛ بل يعيد رسم الأسير كمادة سيادية "من ملف أمني إلى ملف هوية قومية يهودية يختبر عبره اليمين قدرته على فرض تعريفه للردع والعدالة على الساحة السياسية".
ويأتي ذلك في ظل عام انتخابي مصيري، ويترافق مع نشر صور المداهمات والإذلال داخل السجون، ليصبح الهدف مزدوجا: تبرير التشدد قانونيا، وبناء قبول شعبي لإجراءات تُدفع تدريجيا لتصبح طبيعة ومقبولة.
التنافس الانتخابي
وبات التطرف ضد الفلسطينيين في إسرائيل بعد السابع من أكتوبر هو العملة الأكثر رواجا خصوصا بين المعارضة والائتلاف.
كما يدرك ائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتحديدا قطبا اليمين المتطرف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وبن غفير فضلا عن أعضاء كثر من حزب الليكود، أن رصيدهم الجماهيري يتغذى على صور النصر السهل فوق أجساد الأسرى الفلسطينيين العزل.
يسوق بن غفير التنكيل بالأسرى والضغط لإعدامهم كمنجز ملموس يقدمه لجمهوره أمام فشله في ملفات الأمن الداخلي الإسرائيلي وعلى رأسها العنف والجريمة المنظمة، مما أجبر حتى أعضاء الليكود على التنافس ليثبتوا أنهم أشد تطرفا ضد الفلسطينيين، وأكثر حزما.
ويأتي دعم قانون إعدام الأسرى من قبل جهات أمنية على رأسها جهازا الموساد والشاباك بعد أن كانوا يعارضون هذه الخطوة مما يعكس مدى الحالة التنافسية على جسد الأسير الفلسطيني، في حلبة صراع البقاء السياسي لنتنياهو وشركائه. كما أجبرت المعارضة بقيادة يائير لبيد وبيني غانتس وغيرهم على التماهي مع هذا الملف الساخن، الذي بات مرتبطا بالذاكرة الجمعية الإسرائيلية؛ فمعارضة هذه الإجراءات تعني الضعف أمام "الإرهاب" في عرف الشارع الإسرائيلي.
ويشير المختص عبد الهادي إلى أن عرض مشاهد إذلال الأسرى كإنجاز، يمنح صاحبها رصيدا شعبويا سريعا، يفوق أثر أي نقاش اقتصادي أو اجتماعي داخلي فبن غفير بات يدور حول 7-10 مقاعد في استطلاعات الرأي المختلفة، مع تراجع حظوظ شريكه سموتريتش إلى دون العتبة الانتخابية".
استعادة الهيبة
بات الأسير الفلسطيني رمزا مناسبا لعملية إعادة ترميم الهيبة القومية، خصوصا مع ارتباط السابع من أكتوبر بتحطيم الهيبة الإسرائيلية وبالذات درة تاجها من جنود وضباط بصدمة وجودية للاوعي الإسرائيلي، فانهيار صورة الجيش الذي لا يقهر من جهة واهتزاز عقيدة الردع، وانكشاف فشل طبقات أجهزة الأمن المختلفة. وما يقوم به بن غفير في سجونه، وجيش الاحتلال في مراكز الاعتقال، من انتهاكات واختفاء قسري، ليس مجرد عقوبة بل ولا انتقاما لحظيا، وإنما هو رسالة عنوانها: نحن نستعيد هيبتنا.
وكلما خفّت روح الانتقام بين الإسرائيليين بفعل الإرهاق وطول الحرب والخسائر وتعدد الجبهات، يجري ضخ مشاهد القسوة ضد الفلسطيني عموما والأسرى خصوصا، لإعادة شحن حالة الانتقام الجمعية.
كما تُوجّه هذه المشاهد الجمهور الإسرائيلي إلى عدم البحث عن المسئولية عن حالة الإذلال الوطني في العقل الجمعي الإسرائيلي بسبب السابع من أكتوبر، وهذا يفسر لماذا ترتبط هذه المشاهد غالبا بزيارات رسمية وبحضور إعلامي.
مصير الأسرى
بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 ضمن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أُغلقت كل الصفقات القريبة لإطلاق الأسرى الفلسطينيين وبات مصيرهم رهينا بالإجراءات الإسرائيلية خصوصا أسرى غزة، الذين بات مصيرهم يتجه الى المجهول في ظل حالة الإجماع الداخلي على قانوني الإعدام والمحاكمات الخاصة قانون نخبة القسام.
وباتت ظروف الأسرى الحالية من قمع وتجويع وإذلال، وإعدام ميداني، واغتصاب، وإخفاء قسري، أمرا واقعا، لا تراجع عنه، في ظل حالة الإجماع الداخلي الإسرائيلي من جهة وروح الانتقام، التي تسيطر على الكل الإسرائيلي. ووضع النظام القضائي الإسرائيلي الإجراءات القانونية التي كانت تُحيل الأسرى الفلسطينيين سابقا إلى محاكم عسكرية، وتكفل لهم تمثيلا قانونيا بمحامين فلسطينيين، خلف ظهره.
فقد رفضت المحكمة العليا الاسرائيلية عشرات الالتماسات المقدمة من محامين، ومؤسسات حقوقية إسرائيلية، خصوصا ما له علاقة بتحسين ظروف حياة الأسرى الفلسطينيين أو الكشف عن مصير المختفين قسريا أو حتى التخفيف من التعذيب. وحذرت مؤسسات حقوقية من أن الأوضاع الراهنة في السجون الإسرائيلية قد تدفع الأسرى لتنفيذ هجمات ضد السجانين الإسرائيليين بعد تحول السجن لمراكز إعدام صامت.