د.أشرف دوابة يكتب : الاقتصاد العالمي بين نارين.. ارتفاع النفط والفائدة

- ‎فيمقالات

يبدو الاقتصاد العالمي وكأنه يدور في حلقة مفرغة، فكلما ظن العالم أن موجة التضخم بدأت تنحسر، جاءت صدمة جديدة من أسعار الطاقة أو الحروب أو اضطراب سلاسل الإمداد، لتعيد الأسعار إلى الارتفاع، فتعود البنوك المركزية إلى سلاحها التقليدي: رفع أسعار الفائدة. وهكذا يصبح الاقتصاد بين نارين؛ تضخم يضغط على الناس، وفائدة مرتفعة تضغط على الاستثمار والإنتاج والديون.

وخلال الأيام الماضية عادت هذه المعضلة بقوة إلى المشهد الاقتصادي العالمي، بعدما تجاوز سعر خام برنت حاجز المئة دولار للبرميل في ظل اضطرابات الإمدادات والتوترات الجيوسياسية، بينما اتجهت بنوك مركزية كبرى إلى تشديد سياساتها النقدية. فقد رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في اجتماعه الأخير سعر الفائدة ربع نقطة ليصل حدها الأعلى إلى 4 في المئة، في أول رفع منذ أكثر من ثلاث سنوات.

ولا يعني ارتفاع أسعار النفط زيادة فاتورة الوقود وحدها، بل يمتد أثرها إلى النقل والشحن والكهرباء والأسمدة والغذاء ومختلف حلقات الإنتاج، وهو ما يجعل التضخم الناتج عنها أقرب إلى "تضخم التكلفة" منه إلى التضخم الناجم عن الإفراط في الطلب.

وهنا تبرز المفارقة، فالبنوك المركزية تعالج ارتفاع الأسعار برفع سعر الفائدة، بينما يؤدي رفعها بدوره إلى زيادة تكلفة التمويل على المنتج والمستثمر، ورفع أعباء خدمة الدين على الحكومات والشركات والأفراد. وقد تكون المحصلة إضعاف الاستثمار والنمو دون إزالة السبب الحقيقي للتضخم، خاصة حين يكون هذا السبب خارجياً ناتجاً عن الطاقة والحروب واضطراب الأسواق.

وتزداد الخطورة في الاقتصادات الناشئة والمثقلة بالديون؛ فهي لا تستورد الطاقة وحدها، بل تستورد كذلك أثر الفائدة العالمية. فارتفاع العائد في الاقتصادات الكبرى يزيد تكلفة الاقتراض وإعادة تمويل الديون، وقد يضغط على العملات المحلية، لتبدأ دائرة جديدة: طاقة أغلى، وواردات أعلى تكلفة، وضغوط على العملة، ثم تضخم يستدعي مزيداً من التشديد النقدي. ومن هنا يعود شبح "الركود التضخمي"، أي اجتماع ضعف النمو مع استمرار ارتفاع الأسعار.

وفي تركيا، أبقى البنك المركزي التركي في العاشر من أيلول/سبتمبر سعر السياسة النقدية عند 37 في المئة، محذراً من أن ارتفاع أسعار الطاقة بفعل التطورات الجيوسياسية يمثل خطراً صعودياً على التضخم. كما أشار وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك إلى أن معدل التضخم كان يمكن أن يكون أقل بما لا يقل عن سبع نقاط مئوية لولا تداعيات الحرب، موضحاً أن الأثر لا يقتصر على النفط والغاز، بل يمتد إلى مختلف السلع الأولية. وهذا يعني أن اقتصاداً يتحمل أصلاً سعر فائدة مرتفعاً يجد نفسه في مواجهة ضغوط تضخمية تأتي من الخارج، ولا يستطيع سعر الفائدة وحده أن يمنعها.

وفي مصر تبدو الصورة قريبة من ذلك، فقد أبقى البنك المركزي المصري في اجتماعه الأخير سعر الإيداع عند 19 في المئة والإقراض عند 20 في المئة، في الوقت الذي يظل فيه ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الإقليمية من المخاطر المؤثرة في مسار التضخم. ومع ارتفاع أعباء الدين والحاجة إلى تمويل الاستثمار والنمو، يصبح هامش الحركة أمام السياسة النقدية أكثر ضيقاً.

والقضية تتجاوز قرارات الاحتياطي الفيدرالي أو البنك المركزي التركي أو المصري، إلى سؤال أكثر جوهرية: لماذا أصبح الاقتصاد العالمي رهينة لسعر الفائدة؟

لقد جعل النظام الرأسمالي الحديث سعر الفائدة محوراً للسياسة النقدية؛ يرفعه حين يخشى التضخم، ويخفضه حين يخشى الركود، وفي الحالتين تظهر آثار سلبية. فالرفع يزيد تكلفة التمويل والدين ويضغط على الاستثمار، بينما قد يؤدي الخفض المفرط إلى التوسع الائتماني والاستهلاكي والمضاربة في الأصول، دون أن يقابله بالضرورة توسع مماثل في الاقتصاد الحقيقي.

ومن منظور الاقتصاد الإسلامي، فإن الإشكال أعمق من مجرد مستوى سعر الفائدة الذي هو في حقيقته ربا محرم؛ فهو يتعلق بطبيعة العلاقة بين النقد والنشاط الاقتصادي. فالفائدة تمنح صاحب النقد عائداً محدداً بصرف النظر عن النتيجة الفعلية للنشاط الممول، بينما يقوم التمويل التشاركي على ارتباط العائد بنتيجة النشاط ومخاطره. وفي المضاربة والمشاركة لا يكون لصاحب المال عائد مضمون مسبقاً، بل يأتي الربح من نشاط اقتصادي حقيقي، ويتحمل رأس المال نصيبه من المخاطر. وهنا يتحول التمويل من علاقة دائن ومدين إلى علاقة مشاركة في النشاط والإنتاج.

وتظهر أهمية هذا النموذج بصورة أكبر في أوقات الأزمات؛ فبدل أن يتحمل المدين وحده عبء الصدمة بينما يظل الدائن مطالباً بأصل الدين وعائده، تتوزع النتائج بين أطراف النشاط الاقتصادي. وبدل أن يصبح السؤال: ما تكلفة النقد؟ يصبح السؤال الأهم: ماذا سينتج هذا التمويل، وما القيمة المضافة التي سيخلقها؟

ولا يعني ذلك أن التمويل التشاركي يستطيع منع الحروب أو التحكم في أسعار النفط، ولكنه يقدم فلسفة مختلفة للاقتصاد: أن يكون المال خادماً للاقتصاد الحقيقي لا سيداً عليه، وأن يكون الربح ثمرة للإنتاج والمخاطرة، لا عائداً مضموناً لمجرد مرور الزمن.

لقد أعادت أزمة النفط والفائدة كشف هشاشة المعادلة التقليدية. والعالم لا يحتاج فقط إلى الجدل حول ربع نقطة صعوداً أو هبوطاً في سعر الفائدة، بل إلى مراجعة أعمق لنظام مالي توسع في الديون وفصل في كثير من الأحيان بين عائد النقد ونتيجة النشاط الحقيقي. وهنا يقدم الاقتصاد الإسلامي بديله: مشاركة ومخاطرة، وتمويل مرتبط بالإنتاج، وربح يعكس نشاطاً حقيقياً؛ حتى يعود المال إلى وظيفته الطبيعية أداةً للعمران لا مصدراً للاستغلال والأزمات.