تشهد الساحة السياسية المصرية حالة من الجدل المتجدد مع استدعاء،، المنقلب، عبد الفتاح السيسي للرمزية العسكرية والزي العسكري في محطات حرجة من حكمه، وهو سلوك يربطه مراقبون بمحاولات التغطية على أزمات هيكلية طاحنة.
يأتي هذا الاستدعاء في وقت تواجه فيه البلاد انهياراً اقتصادياً غير مسبوق، وملاحقات قضائية دولية تمس أجهزة الدولة، بالتوازي مع انتقادات واسعة لدور القوات المسلحة في المشهدين السياسي والاقتصادي وتورطها في مواجهات دامية مع المدنيين منذ عام 2013.
وارتبط ظهور السيسي بالزي العسكري بمحطات مفصلية تهدف إلى عسكرة الإنجازات أو إرسال رسائل سياسية للداخل والخارج ففي بداية (2014) وترشحه ل"انتخابات" رئاسية استُخدم الزي العسكري لإعلان ذلك، ما اعتبره معارضون تكريساً للحكم العسكري الواجهة.
وفي افتتاح تفريعة قناة السويس (2015) ظهر السيسي بالزي العسكري لنسب مشروع "قناة السويس الجديدة" (الذي واجه انتقادات اقتصادية حادة حول جدواه وكه ترعة تخدم الصهاينة إن فكروا احتلال سيناء مجددا، وهو بالأساس فنكوش نفذته الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ليعزز شرعية النظام.
ويُنظر إلى استعراض القوات أو اللجوء للرمزية العسكرية في الأوقات الراهنة كحائط صد أخير وحماية للمشهد القائم وسط تصاعد الغضب الشعبي والضغوط المالية.
ويرى الكاتب الصحفي شوقي عقل أن هذا التحول يحمل دلالات عميقة قائلاً: "خلع السيسي بدلته المدنية وارتداؤه الرداء العسكري، ليس مصادفة، كلما زادت مؤشرات الغضب الشعبي، زادت الجرعة العسكرية في خطاب النظام، وهو نوع من توسيع الفجوة بين القوات المسلحة والشعب لصالح النظام الحاكم، ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يفصح فيها الرئيس عن السبب الحقيقي لإنشاء العاصمة الإدارية وبنى الأوكتاجون: أن يكونا بعيدين عن التحرير والقاهرة المثقلة بالكادحين والجوعى! النظام الحاكم قرر أن يقدم للفقراء الدبابة والرصاص بدلاً من الخبز والستر."
كواليس "الأوكتاجون" وتحصينات العاصمة الجديدة
أثار الخطاب الأخير وتدشين مراكز القيادة الجديدة في العاصمة الإدارية (الأوكتاجون) موجة من التحليلات حول جغرافيا الحكم الجديدة وعزلتها عن الشارع المزدحم:
وغرد حساب المدني @M0831218 مستشرفاً فشل استراتيجية التحصين الجغرافي: "على فرض ان حصل ثورة ضد النظام الحالي والثوار قدروا يسيطروا على المدن الكبرى ومباني المحافظات ومؤسسات الإدارة المحلية والكباري والطرق والمحاور الرئيسية، فانت هيبقى سهل حصارك في العاصمة الإدارية والأوكتاجون، خليك بقى أنت محبوس ومعزول هناك وهما يديروا البلد بنفسهم، ولو نزلت الجيش يصطدم بالشعب محدش هينفذلك أوامر بضرب أخواته وأهله، يعني سيناريو فاشل لأقصى درجة وضد طبيعة الشعب المصري، ومضمون اللي السيسي عمله انه يعتبر عزل نفسه بنفسه، وغضب الشعب ساعتها هيكون أقوى من تحصيناته وقت الجد."
وعلّق الناشط عمرو عبد الهادي @amrelhady4000 على ملامح الخوف التي بدت في الخطاب: "كل اللي يشوف خطاب السيسي يعرف ان نهايته قربت رغم بعده عن العاصمة واختباؤه تحت الأرض وسيطرته وأولاده على مؤسسات الدولة، لكن الخوف مسيطر عليه هاجس تجربة ثورة يناير مجنناه مش مخلياه عارف ينام…".
ومن جانبه، انتقد الحساب بيبوفييتس @VEGTR7 مضامين الخطاب بحدة واصفاً إياه بالشفافية الصادمة: "الراجل قال لكم بكل صراحة ووضوح وشفافية: أنتم (الشعب) أعدائي وليس عدو في الخارج، اللي اتعمل في ٢٠١١ مش هيحصل تاني بأي شكل حتى لو هديت البلد زي ما قال قديماً، ميهمنيش تعليم ولا صحة ولا دفاع ولا اقتصاد، وظيفتي حماية النخبة الحاكمة ".
وكما حذر الناشط أنس حبيب @AnasHabib98 من أن تغيير الجغرافيا لن يمنع الحراك مستشهداً بالنماذج الإقليمية: "أنت هتطلع من القاهرة فكده الناس مش هتوصلكم يعني؟ أجدع من بشار أنت؟ مفكرها هتبقى زي مظاهرات ٢٠١١ أصلًا؟ الشعب إيده كتعة وقلبه ضعيف، مثلًا عشان نعرف نشيل ونستعمل نفس اللي بتستعملوه من أدوات قوة وأنتم سلطة مجرمة؟ ما مثال ثورة سوريا وغيره من الثورات المشابهة حاضر أهو بكل تفاصيله وشوفنا مين اللي انتصر في الآخر."
واقع اقتصاد مديون
وتعيش مصر اختناقاً مالياً حاداً جراء سياسات الاقتراض الموسع لتمويل مشاريع غير إنتاجية، وتوضح المؤشرات الرسمية حجم الأزمة:
واستقر الدين الخارجي عند مستويات حرجة تتأرجح حول 163.9 مليار دولار، ورغم التدفقات النقدية الاستثنائية من صفقات (مثل رأس الحكمة ودعم صندوق النقد)، فإن عبء خدمة الدين (الأقساط والفوائد) يلتهم الجزء الأكبر من السيولة الأجنبية.
أما الدين الداخلي فقفز إلى مستويات قياسية وتجاوز ما قيمته 344 مليار دولار (ما يعادل أكثر من 14.9 تريليون جنيه مصري)، وهو ما يمثل عبئاً هائلاً على الموازنة العامة للدولة.
وتُوجّه نحو 85% إلى 90% من الاحتياجات التمويلية للدولة لمجرد سداد فوائد وأقساط الديون القديمة، مما أدى إلى تراجع الإنفاق على الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، وتسبب في قفزات تضخمية متتالية أنهكت المواطن.
وعبرت الناشطة مديحة زكريا@MadihaZ94829 عن غضب الشارع جراء هذه السياسات: "أسوأ حاكم في تاريخ مصر اللي فرض على الناس الفقر و الجوع و المعاناة و الضغوط و الضرائب و الجبايات و الرسوم و الغرامات و دمر قيمة الجنيه، و في نفس الوقت رفع أسعار كل حاجة في حياه الناس أضعاف مضاعفة، كل يوم الصبح يقوم يعمل للناس مصيبة جديدة".
الفضائح الدولية
وتواجه إدارة السيسي وعصابة الانقلاب ملفات قضائية دولية أثبتت تورط أجهزتها في قضايا فساد واختراقات أمنية وهي مسؤولية واضحة للعسكر ومن ذلك
قضية السيناتور الأمريكي "بوب منينديز"
والتي شكلت صدمة للدبلوماسية والأجهزة الأمنية المصرية، بعد أن أدان القضاء الأمريكي رسمياً السيناتور السابق ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ
وحُكم على منينديز بالسجن 11 عاماً، وعلى زوجته نادين بالسجن 4.5 سنوات، وعلى رجل الأعمال المصري-الأمريكي وائل حنا بالسجن 8 سنوات، كما أخفت أسماء عباس كامل وزير المخابرات السابق وسامح شكري واللذين عزلهما السيسي بعد انكشافهما أمريكيا على الأقل مطلع 2025.
والإدانة لمنينديز ومن يعمل معه وائل حنا في شركة تصدير لحوم معتمدة من الجيش المصري بعنوان "الشركة الإسلامية" بالعمل كـ "عميل أجنبي غير مرخص لصالح الحكومة المصرية"، وتلقي رشاوي شملت سبائك ذهبية ومئات الآلاف من الدولارات نقداً.
والمقابل كان تمرير مساعدات عسكرية أمريكية مجمدة بقيمة 300 مليون دولار، وتسريب معلومات استخباراتية حساسة لمسؤولين مصريين، ومنح شركة (IS EG Halal) احتكاراً كاملاً لشهادات اللحوم الحلال، مما أضر بالسوق ورفع الأسعار لتمويل الرشاوي.
فضيحة عملية "سيرلي" في فرنسا
ووفقاً للوثائق الاستخباراتية الفرنسية المسربة التي نشرها موقع "ديسكلوز" (Disclose) الاستقصائي حول عملية "سيرلي"، فإن عدد الغارات الجوية التي نفذها الجيش المصري بناءً على الإحداثيات الفرنسية أدت إلى مقتل وجرح المئات من المدنيين.
وتحديداً، أشارت الوثائق المسربة إلى أن الطيران المصري (العسكري) تورط في 19 قصفاً تدميرياً على الأقل ضد مدنيين في الفترة ما بين 2016 و2018 فقط، حيث كان القصف يستهدف شاحنات وسيارات صغيرة يرتادها مهربون مدنيون عزل (سجائر وبضائع)، مما أسفر عن سقوط مئات الضحايا (بين قتيل وجريح) طوال سنوات العملية.
"…وصفتها تقارير ضباط فرنسيين بأنها عمليات 'إعدام خارج القانون لمدنيين' وصل ضحاياها إلى المئات بين قتيل وجريح، وليست عمليات لمكافحة الإرهاب…"
رابعاً: شرف الزي العسكري والتغول الاقتصادي
الجيش فاعل سياسي واقتصادي رئيسي
وأدى إقحام الجيش في الصراع الداخلي منذ يوليو 2013 إلى (أحداث رابعة والنهضة والحرس الجمهوري والمنصة ورمسيس وعشرات الميادين) إلى صدام مباشر مع قطاع واسع من الشعب، مما أضر بالعقيدة القتالية وتاريخ الزي العسكري الذي يُفترض فيه الحياد والوطنية إلا أن السيسي بزيه العسكري ورط الجيش في دماء الآلاف من الشعب .
وتمدد الجيش عبر شركاته في قطاعات المقاولات، الطرق، الأغذية، والبنية التحتية، متمتعاً بإعفاءات ضريبية وغياب لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، هذا التغول أدى إلى إقصاء القطاع الخاص، وتطفيش الاستثمارات الأجنبية، ووصول الدولة إلى حافة الإفلاس المالي الحالي.
ونشر الأكاديمي د. عصام عبد الشافي @essamashafy مقارنة رمزية قائلاً: "ثلاث صور تختصر القصة؛ الأولى: قائد انقلاب تشيلي مزهواً، الثانية: قائد انقلاب تشيلي هالكاً، الثالثة: قائد انقلاب مصر مزهواً، الرابعة: ………………. قريباً".
بينما استدعى شريف منصور @Mansour74Sh رؤية المفكر الراحل جمال حمدان لتفسير المشهد الحالي: "ترجمة وتفسير كلام الجنرال يلخّصه العبقري الراحل جمال حمدان رحمه الله في كتابه شخصية مصر: كانت مصر مجتمعاً مدنياً يحكمه العسكريون كأمر عادى في الداخل، وبالتالي كانت وظيفة الجيش الحكم أكثر من الحرب، ووظيفة الشعب التبعية أكثر من الحكم. وفى ظل هذا الوضع الشاذ المقلوب كثيراً ما كان الحكم الغاصب يحل مشكلة الأخطار الخارجية والغزو بالحل السياسي، وأخطار الحكم الداخلية بالحل العسكري، أي أنه كان يمارس الحل السياسي مع الأعداء والغزاة في الخارج، والحل العسكري مع الشعب في الداخل؛ فكانت دولة الطغيان كالقاعدة العامة: استسلامية أمام الغزاة بوليسية على الشعب".
نحن اليوم أمام سلطة تحتمي بالغطاء العسكري والتحصينات الجغرافية بعيداً عن الكثافات الشعبية للتغطية على إخفاقاتها الاقتصادية والمالية، وبين ملاحقات دولية تفضح أساليب إدارتها للأمن والعلاقات الخارجية، مما يضع مصر أمام واحدة من أعقد أزماتها السياسية والاقتصادية في تاريخها الحديث وسط ترقب واسع لمآلات هذا الانسداد السياسي.