في الذكرى السنوية لمظاهرات 30 يونيو 2013، التي وظّفها العسكر لانقلاب 3 يوليو يثيير الناشطون عملية جرد ومكاشفة شاملة للمسار المدار بأكثر من عقد من الزمان. حيث اتجهت منصات حقوقية وإعلامية إلى تفكيك الخطاب الرسمي السائد وإعادة قراءة الأرقام الدستورية والتاريخية لتصحيح ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ"الأساطير المؤسسة للنظام الحالي".
وتتسم التدوينات بتبني مواقف سياسية قاطعة تصنف 30 يونيو و3 يوليو ضمن خانة الانقلاب العسكري الكامل والانتكاسة الكبرى للمسار الديمقراطي، محملة القوى المشاركة فيه المسئولية التاريخية.
وتساءل المستشار وليد شرابي [@waleedsharaby] بلهجة استنكارية موجزًا أثر هذه الأحداث في قائمة أسئلة مصيرية يوجهها لمن يسميهم "أبناء سهرة 30 يونيو"، مطالبًا إياهم ببيان أثر خطيئتهم السياسية على ملفات استراتيجية حاسمة تشمل: تفاقم الديون الخارجية، وتراجع مكانة مصر الدولية والإقليمية، والانهيار المستمر للجنيه، والتنازل عن الحدود البرية والبحرية، والارتفاع الجنوني لأسعار الطاقة، والعجز أمام ملف سد النهضة، والمشاركة في حصار قطاع غزة، والتفريط في حقول غاز المتوسط، وتمدد النفوذ الإماراتي، والتدخلات التي أدت إلى مقتل مدنيين في دول الجوار كليبيا والسودان.
https://publish.twitter.com/?url=https://twitter.com/waleedsharaby/status/2071893589056004195
وقال حساب المجلس الثوري المصري [@ERC_egy] إنه لو فشلت هذه الأحداث التي وصفها بـ "النكسة"، لكانت مصر قد تجنبت مجازر إراقة الدماء، وبناء السجون والمعتقلات الجديدة، وتعليق المشانق للمعارضين، ولكانت حرية التعبير حقًا طبيعيًا مكفولاً للمواطنين، ولكان الرئيس الراحل محمد مرسي قد أنهى مدته الرئاسية القانونية في عام 2020 على أقصى تقدير، ليتسلم بعده السلطة رئيس جديد يختاره الشعب بكامل الحرية والشفافية، واصفًا الإدارة الحالية بالأداة الصهيونية التي لن تترك الحكم إلا بالدم.
ومن جانبه، طرح الصحفي عبدالرحمن مطر[@AbdElrahma41413] مقارنة حول تحول مصر من مشروع دولة واعدة إلى "شبه دولة" باعتراف لسان رئيس النظام نفسه، موجهاً التحدي للمدافعين عن الحراك بأن يأتوا بوعد واحد تحقق بعيدًا عن أساليب "كيد النسا"، أو تهمة واحدة وجهوها لمرسي كذبًا ولم يمارسها السيسي رأي العين، معتبرًا أن الشعب خسر إرادته لدرجة وصف أكبر رجال الأعمال في مصر لبلاده بأن ولي أمرها هو محمد بن زايد.
أما الأكاديمي الدكتور عصام عبد الشافي [@essamashafy] فيصف الذكرى بـ "أسوأ يوم في تاريخ مصر الحديث"، معتبرًا إياها ذكرى خيانة العسكر والمرتزقة الدائرين في فلكهم، وانقلاب الفاسدين على كرامة الشعب بالتواطؤ مع قوى صهيونية وإقليمية لتدمير حاضر ومستقبل البلاد، مختتمًا بتمني العدالة والقصاص للمقهورين.
https://x.com/essamashafy/status/2071992676887536042
وفي قراءة فرزت بين الحراك الشعبي والتدخل العسكري، يوضح الإعلامي محمد جمال هلال [@gamal_helal] أن يوم 30 يونيو في ذاته كان يمثل ذكرى جميلة لتنصيب أول رئيس مدني عام 2012 ويومًا لحرية التظاهر السلمي للمؤيدين والمعارضين في 2013، إلا أن ما وصفه بـ "الكابوس" تمثل في أحداث 3 يوليو التي أنهت المسار الانتخابي الحر ومنعت حرية التظاهر للجميع إلى اليوم.
https://publish.twitter.com/?url=https://twitter.com/gamal_helal/status/2071994884521615506
من جهة أخرى، يوجه حساب كابيتشينو [@mmdjll55541212] نقدًا لاذعًا وقاسيًا للنخب السياسية والثقافية والليبرالية التي تصدرت مشهد المعارضة في 2013، معتبرًا أنهم تحولوا إلى "عرائس متحركة" لتنفيذ مخطط العسكر، وأنهم سخروا ممن طالبهم بالصبر الديمقراطي لثلاث سنوات بدعوى عدم الفهم بالسياسة، لتكون النتيجة الراهنة هي اختفاؤهم وتهميشهم الكامل من المشهد.
https://x.com/mmdjll55541212/status/2072350035681955993
ويختتم حساب صدى مصر [@sadamisr25] المشهد بالإشارة إلى استمرار السلطة الحالية وحكومتها في محاولة تشريع مخرجات يوليو بنفس الحجج القديمة، على الرغم من وصول الدولار لعتبة الـ 50 جنيهًا، وبيع الأصول الاستراتيجية كتيران وصنافير ورأس الحكمة، وانتهاك الحدود الإقليمية، وتدهور مستوى معيشة الشعب لصالح طبقة رجال الأعمال التابعين للنظام، مؤكدًا أن مصر تراجعت بشكل حاد منذ لحظة الانقلاب وحتى الآن.
https://x.com/sadamisr25/status/2072399841641320838
الواقع المعيشي
ويرى الكثير من المعلقين أن الواقع الحالي أثبت عدم دقة المبررات الاقتصادية التي سِيقَت للإطاحة بالنظام آنذاك، بل إن الأزمات الحالية فاقت بكثير حدود ما كان قائمًا في عام 2013، حيث يوثق الحساب الاستثماري محمد حبيب[@BeboFinance2021] المفارقة الساخرة المتمثلة في تزامن الاحتفالات الرسمية بالذكرى مع قرار الحكومة رفع أسعار الكهرباء بنسبة 20% على الأنشطة التجارية الصغرى، موضحًا بالعملة المحلية والأرقام أن فاتورة محل بقالة بسيط سترتفع من 1000 جنيه إلى 1200 جنيه لنفس معدل الاستهلاك.
وينتقد حبيب تصريحات وزير الأوقاف أسامة الأزهري التي اعتبرت أزمات الكهرباء والجنيه والبنزين والخبز في 2013 مبررًا لبيان 3 يوليو، عاقدًا مقارنة تهكمية مفادها أنه لو استمر حكم مرسي لكان الجنيه انهار ووصل الدولار إلى 54 جنيهًا (وهو ما حدث بالفعل في الواقع الحالي)، ولكانت أسعار الكهرباء ارتفعت يوم الاحتفال بالقضاء على الفشل الاقتصادي. ويختتم رؤيته بتأكيده أن المواطن لا يحكم بالشعارات والخطب المنبرية، بل من خلال قدرته على مجابهة فواتير الكهرباء، والعيش، والبنزين، وقيمة الجنيه المعيشية في نهاية كل شهر.
في ذات السياق، يركز حساب «مصــري غلبان» [@msr3y1] على الجوانب الجيوسياسية والاقتصادية المرتبطة بالسيادة، منتقدًا عبر أسلوب السخرية اللاذعة التبريرات الإعلامية ومعددًا ما يعتبره إنجازات عكسية للمرحلة الحالية، مثل تفاقم أزمة سد النهضة الإثيوبي، والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير لصالح المملكة العربية السعودية، وتحول الممر المائي المصري إلى ممر دولي، واستيراد الغاز من إسرائيل بعد أن كانت مصر مصدرة له.
أما حساب أنس طه Anas Taha [@iAnanasMnBenha] فقد صاغ تدوينة مطولة قائمة على توظيف السخرية العكسية لتفنيد المخاوف القديمة، مستعرضًا قائمة طويلة من السيناريوهات التي كان يُحذر منها المعارضون في 2013 تحت مسمى "كان زمانه" (في إشارة لمرسي)، ليثبت أن تلك السيناريوهات تحققت بالكامل وبمعدلات أضخم تحت إدارة النظام الحالي؛ ومنها تبلور صفقة القرن، ومحاصرة غزة، والتفريط في غاز البحر المتوسط، والتفريط في السيادة المصرية لصالح أطراف إقليمية كالإمارات وقطر، ووصول الدولار إلى حاجز الـ 50 جنيهًا، وحبس الأصوات المعارضة، وتكبيل البلاد بديون طائلة تجاوزت القدرة على الإحصاء، وارتفاع الأسعار بمعدلات تصل إلى 1000% مما دفع بالعديد من المواطنين إلى الهجرة غير النظامية وقوارب الموت يأسًا من الواقع الاقتصادي.
تنفيد إدعاءات
وقامت منصة «صحيح مصر» [@SaheehMasr] بنشر تقرير استقصائي رادع لتفنيد التصريحات المضللة التي أدلى بها الإعلامي أحمد موسى عبر برنامجه "على مسؤوليتي" المذاع على قناة "صدى البلد" المملوكة لرجل الأعمال محمد أبو العينين. ركز تقرير المنصة على دحض نقطتين جوهريتين، ففندت المنصة ادعاء أحمد موسى بأن "محمد مرسي لم يكن رئيسًا شرعيًا"، مبرهنةً بالأدلة والوثائق القانونية أن لجنة الانتخابات الرئاسية (الجهة الرسمية المختصة) أعلنت فوزه في انتخابات عام 2012 بنسبة 51.73% بحصوله على أكثر من 13.2 مليون صوت مقابل 12.3 مليون صوت لأحمد شفيق وفق القرار رقم 35 لسنة 2012.
وذكرت المنصة ثانيا بالمراسم الرسمية لتبادل السلطة وأداء اليمين أمام الدستورية العليا، وتحية المشير حسين طنطاوي العسكرية له وتصريحه الشهير بامتلاك مصر لرئيس منتخب عبر تصويت حر مباشر، فضلاً عن تقرير مركز كارتر الدولي الذي وصف تلك الانتخابات بأنها أول انتخابات تنافسية حرة غير محسومة النتائج مسبقًا في تاريخ مصر الحديث. https://publish.twitter.com/?url=https://twitter.com/SaheehMasr/status/2072002266307891610
الملف التنموي والزراعي
وردت المنصة على الادعاء بأن جماعة الإخوان لم تقدم شيئًا للمواطن في الزراعة والبنية التحتية، كاشفةً بالاستناد إلى بيانات "الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء" أن عام الحكم (2012/2013) شهد استصلاح 22.9 ألف فدان، وزيادة المساحة المنزرعة الإجمالية بنحو 140 ألف فدان (بنسبة ارتفاع 1.6%). كما وثقت المنصة من أرشيف الصحف الرسمية (اليوم السابع، مايو 2013) افتتاح الرئيس مرسي رفقة وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي لمحاور وطرق استراتيجية كبرى نفذتها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، مثل محور الفريق سعد الشاذلي، وتوسعة طريق القاهرة-السويس، وطريق جوزيف تيتو، والقوس الجنوبي للطريق الدائري الإقليمي.
وفي إطار متصل بتفكيك المبررات السياسية، تناول الكاتب الصحفي قطب العربي [@kotbelaraby] في تدوينتين منفصلتين الجانب الشعبي والدستوري للأزمة؛ حيث جادل في التدوينة الأولى الفكرة الشائعة حول "خروج الملايين" في 30 يونيو، مذكرًا بـ الحسابات الرقمية الانتخابية: الكتلة التي لم تنتخب مرسي في الصناديق كانت تقدر بـ 12 مليون صوت مقابل 13 مليون صوت انتخبوه، وبالتالي فإن نزول ربع أو نصف أو حتى كامل كتلة الـ 12 مليون المعارضة للميادين سيشكل حشودًا هائلة وضخمة بصريًا، لكنها تظل حسابيًا وسياسيًا لا تمثل "غالبية الشعب" التي منحت صوتها لمرسي، مؤكدًا أن الصناديق الشفافة هي الحكم الديمقراطي وليس الأرقام المفبركة.
وفي تدوينته الثانية، فكك ما أسماه "أسطورة تعرض الهوية المصرية للخطر الداهم"، واصفًا إياها بـ "تلبيس إبليس"، وموضحًا أن هوية مصر الإسلامية والعربية محددة ومصونة دستوريًا منذ دستور 1923 ومرورًا بدستور ثورة يناير وتعديلاته، لا سيما في المادتين الأولى والثانية، معتبرًا أن المقومات الأساسية للمجتمع هي ما يتعرض الآن للتهديد الفعلي تحت شعارات "تجديد الخطاب الديني".
العسكر والشرخ في الذاكرة الوطنية
يبرز محور تسييس المؤسسة العسكرية وانخراطها في الصراع الأيديولوجي والسياسي كأحد أخطر التبعات التي يناقشها المغردون، لما له من أثر ممتد على السلم المجتمعي وصورة الجيش الوطنية.
حيث قدم المحلل السياسي محمود جمال [@mahmoud14gamal] رؤية تحليلية رصينة ومجردة حول التبعات الاستراتيجية للأحداث عبر تدوينتين متتاليتين؛ إذ يشير في الأولى إلى أن الجيوش تُبنى أساسًا لحماية الأوطان من التهديدات الخارجية، وهو الدور المقدس الذي يمنحها الشرعية والمكانة والاحترام في قلوب شعوبها. ويُحذر من أن انخراط المؤسسة العسكرية في الصراعات السياسية الداخلية يدخلها في معادلة بالغة التعقيد، لأن استخدام القوة العسكرية في مواجهة مكونات المجتمع يترك آثارًا غائرة وعميقة في طبيعة العلاقة بين المواطن والجيش، ويهز صورتها المعهودة في الذاكرة الوطنية الجماعية.
وفي تدوينته الثانية، يصيغ عبارات بالغة الدقة والخطورة، معتبرًا أنه عندما يوجه الجيش رصاصه بقرار قيادي إلى صدور أبناء الشعب الذين كُلف بحمايتهم أصلاً بسبب خلافات سياسية كان الأجدر به النأي بنفسه عنها، فإن ذلك يحدث شرخًا عميق الأثر في جدار الثقة بين الطرفين، وتُسجل تلك اللحظات التاريخية كـ "نقطة سوداء" يصعب محوها أو تجاوزها عبر السنين.