ابن سلمان وقع في فخ استشارات وتبخر عشرات المليارات.. “بي بي سي” ودوريات غربية: انكشاف مشاريع “رؤية 2030”

- ‎فيعربي ودولي

رصدت تقارير صادرة عن مؤسسات إعلامية رصينة، مثل هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) ووكالات مثل (Bloomberg) و(Wall Street Journal)، التراجع الحاد والتأجيل والتعليق الإجباري لأبرز المشاريع العملاقة في السعودية ومنها نيوم بعد اصطدامها بحواجز التكلفة الفلكية، والواقع الجغرافي، والفشل في جذب الاستثمارات الأجنبية، وسط انتقادات لبيئة استبدادية تفتقر إلى الشفافية والمحاسبة والأمان القانوني، مما يجعل المشهد الإجمالي يبدو كأنه "استنزاف واهتزاز اقتصادي" غير مسبوق في تاريخ المملكة المعاصر.

 

فشل هندسي وواقعي لمشاريع افتراضية

يرسم التقرير التحليلي لشبكة بي بي سي (BBC) صورة قاتمة للمشاريع التي كانت تملأ الشاشات والمنصات الرقمية كرموز للمستقبل، حيث بدأت هذه الأفكار تتقلص أو تُلغى بالكامل بمجرد ملامستها لأرض الواقع. ويأتي على رأس هذه القائمة مشروع "ذا لاين" (The Line)، المدينة الخطية العمودية الممتدة لـ 161 كيلومتراً بارتفاع يفوق ناطحات السحاب التقليدية في صحراء الشمال الغربي؛ إذ تشير المعطيات الحالية إلى أن هذا البناء الضخم بات يتحول إلى شيء عادي وتراجع بشكل حاد، حيث تشير تسريبات الصحافة الغربية إلى أن أعمال البناء الفعلية توقفت منذ سبتمبر 2025 ولم يتم إنجاز سوى 2.4 كيلومتر فقط من المشروع بحلول عام 2026، مع إرجاء استكمال الهيكل بالكامل لما بعد عام 2030 ليوجه صندوق الاستثمارات العامة إنفاقه نحو مشاريع بنية تحتية تقليدية كالموانئ.

ولم يكن مشروع منتجع "تروجينا" الجبلي الشتوي بأفضل حال؛ فرغم تساقط الثلوج موسمياً هناك، إلا أن الفكرة القائمة على إنشاء منتجع يعمل على مدار العام دفعت بالمنطقة إلى مربع من الاصطناع المكلف الذي ثبت عدم قابليته للحياة الاقتصادية، مما تسبب في إلغاء استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029 ونقلها إلى كازاخستان بعد تعطل بناء البحيرة الصناعية وقرية التزلج.

وفي سياق متصل، كشفت التقارير الغربية عن إلغاء مشروع "المكعب" بالكامل، وهو الهيكل الخيالي الذي كان يفترض أن يتسع لمبنى إمباير ستيت عشرين مرة بكلفة تقديرية بلغت 50 مليار دولار.

وحتى الجواهر الرياضية مثل جولة "LIV Golf" التي التهمت 5 مليارات دولار من السيولة النقدية، باتت تُصنف كمشروع فاشل وباهظ التكلفة لم يحقق السمعة السياسية أو العوائد المالية المرجوة، وبقي الاقتصاد السعودي تبعاً لذلك أسيراً لعوائد النفط والإنفاق الحكومي دون قدرة على بناء قطاع خاص حقيقي ومستدام.

 

السطو المقنع 50 مليار دولار

يتوقف المراقبون طويلاً أمام التكلفة الفلكية التي ابتلعتها الشركات والمكاتب الاستشارية الغربية، وهو ما عبَّر عنه الباحث والناشط السياسي نولان غراي في تغريدة لاقت تفاعلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية الدولية، حيث وصف الأمر متهكماً:

"من المدهش كيف تمكنت مجموعة من استشاريي التخطيط والهندسة من تنفيذ عملية سطو بقيمة 50 مليار دولار بحق العائلة المالكة السعودية".

https://x.com/mnolangray/status/2058828558458630514

 

وعلق الفنان والناشط عمرو واكد @amrwaked على هذا المشهد الاستنزافي معتبراً أن تبخر 50 مليار دولار في الهواء ككلفة للاستشارات الهندسية والإدارية هو النتيجة الطبيعية والحتمية لانفراد حاكم واحد بالقرار دون رقابة أو محاسبة؛ حيث تحولت أنظمة ريع النفط إلى بيئة طفيلية ترعى النفاق وتجذب الشركات الغربية التي تبيع الأوهام والمخططات الافتراضية (PowerPoint) من أجل الفوز بالعقود المليارية المربحة دون طرح أي أسئلة محرجة حول الجدوى الواقعية والتنفيذية، وهو نمط ممتد تاريخياً يقوم على استنزاف الثروات وتأجيج الاستبداد.

 

تقارير بلومبرج

وتشير تقارير (Bloomberg) الموثقة تحت عنوان "The $500 Billion Glamour Project" إلى أن مئات الشركات العالمية وفي مقدمتها ثلاثي الاستشارات الإدارية الكبرى: ماكينزي (McKinsey)، وبوسطن كونسلتينج جروب (BCG)، وبين آند كومباني (Bain)، إلى جانب مكاتب العمارة مثل مكتب مورفوسيس (Morphosis) الأمريكي، قد تقاضت ملايين الدولارات شهرياً لإنتاج تصاميم ثلاثية الأبعاد وأفكار خيالية لإرضاء جنون العظمة والطموح الشخصي لولي العهد، دون تقديم دراسات حقيقية لقابلية التطبيق، مما جعل المليارات تتبخر كرواتب ومستحقات لخبراء أجانب غادروا البلاد فور انتهاء عقودهم تاركين وراءهم أوراقاً ومقاطع دعائية على الإنترنت فقط.

 

نزيف العقود الملغاة وصدمة الأرقام الحقيقية

تتكشف أبعاد الكارثة المالية والتشغيلية في نيوم بشكل أدق عبر الأرقام الصادمة التي نشرتها منصة الرصد والتحليل الاقتصادي "قبل وبعد" @be4after عبر سلسلة تدوينات استقصائية موثقة؛ حيث أظهرت الخسائر الضخمة المترتبة على فسخ العقود العشوائي مع الشركات العالمية.

https://x.com/be4after/status/2058828558458630514

وتورد المنصة الأرقام التفصيلية المأخوذة من الكواليس الاقتصادية على النحو التالي:

أنهت إدارة نيوم في 21 مايو 2026 العقد الموقع مع شركة "Webuild" الإيطالية لبناء سكة حديد بطول 57 كم للربط بين أوكساجون وذا لاين بعد إنجاز 20% فقط من الأعمال دون أي نتائج ملموسة، لتبلغ خسارة المشروع مليار ونصف المليار يورو (حيث قبضت الشركة 500 مليون ومستحقات الفسخ تقارب مليار يورو).

كما جاء إلغاء عقد القطار بعد شهرين فقط من إنهاء عقد آخر مع ذات الشركة الإيطالية في تروجينا (لبناء سدود وهياكل) بعد إنجاز 30% فقط، مع مستحقات متبقية وشروط جزائية بلغت 2.8 مليار يورو، مما يعني أن شركة واحدة تقاضت نحو 5 مليارات دولار دون إنجاز مشروع واحد مكتمل.

وقاربت التكلفة الإجمالية للعقود الملغاة في نيوم حاجز 8.5 مليار دولار، في حين أن المبالغ المنفقة فعلياً تجاوزت 50 مليار دولار وسط توقف شبه كامل لأعمال البناء الكبرى وانخفاض وظائف المشروع بنسبة 75% خلال عام 2025.

 

عقلية "نعم سيدي" ومشاريع وهمية

تضع الخبيرة الاقتصادية ومؤلفة كتاب "Saudi, Inc"، إلين آر. والد، هذا الفشل ضمن سياق تاريخي بنيوي مألوف في المملكة، مؤكدة أن الأمر يتكرر بحذافيره مع "ذا لاين"؛ حيث يتم الإعلان عن مشاريع هائلة وبراقة لجذب الانتباه وصرف الأنظار عن الاستبداد، ثم يكتشف الجميع بعد إهدار المليارات أنه سيتم تقليصها بشكل حاد أو التخلي عنها، وهو ما حدث سابقاً في عهد الملك عبد الله مع برنامج "المدن الاقتصادية" ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية شمال جدة التي تكلفت 100 مليار دولار ولم تحقق أهدافها في خفض البطالة أو جذب الاستثمارات الأجنبية.

وتعزو "والد" هذا الخلل البنيوي إلى غياب الواقعية وفشل المسئولين، وتفشي ما تسميه "عقلية نعم سيدي" (Yes-man culture)، حيث يتسابق المستشارون والمحيطون بالملك أو ولي العهد لإخباره بما يحب أن يسمعه فقط لضمان تدفق العقود الضخمة والمحافظة على النفوذ، متجاهلين التحذيرات التقنية والاقتصادية. وهو التحليل الذي يتقاطع مع تدقيق داخلي سري كشفت عنه صحيفة "وول ستريت جورنال"، يُظهر أن التكلفة الحقيقية لنيوم إذا ما استمرت الخطط الخيالية ستقفز إلى 8.8 تريليون دولار (بدلاً من 500 مليار المعلنة)، وأن موعد الانتهاء الفعلي والمنطقي لن يكون بحلول 2030 بل سيندفع إلى عام 2080، مما يعكس الفجوة الكارثية بين وعود الرؤية والواقع المرتبك على الأرض.

يخلص التقرير الاستقصائي المبني على قراءات وتقارير غربية إلى أن "رؤية السعودية 2030" تواجه لحظة انكشاف وهيكلية صعبة أمام الأسواق والمستثمرين الدوليين. فبعد سنوات من الدعاية المكثفة حول "اقتصاد ما بعد النفط"، تبيّن أن المليارات أُهدرت على مشاريع افتراضية لم تُنجز (مثل تقليص "ذا لاين" وتوقف بعض عقود "نيوم")، ليتجاوز الإنفاق الاستشاري الممنوح للشركات الأجنبية حجم الأصول الحقيقية المستدامة. ويرى التقرير أن غياب الشفافية والمحاسبة، والاعتماد على القرارات الفردية والمخططات الخيالية، جعل الرؤية تبدو كأنها واجهة دعائية على الإنترنت، بينما يتحمل الاقتصاد الوطني كلفة هذه المغامرات الاستشارية غير المحسوبة.