تشهد ذاكرة العمل النقابي في مصر مقارنات دائمة تعكس مرارة الاستقطاب الحاد الذي أعقب أحداث صيف 2013؛ إذ يكشف رصد وقائع تعامل نقابة الصحفيين المصرية مع ملفات ضحاياها عن تباينٍ صارخ أملته المواقف السياسية والمتماهية مع الانقلاب، وتحولت معه دماء الصحفيين الميدانيين إلى مادة لـ"التسييس"، حيث يُحتفى ببعضهم كأيقونات خالدة تُزين جدران النقابة، بينما يُطوى ملف الآخرين تحت ساتر الحجج اللائحية والبيروقراطية.
وتُبرز المقارنة بين قضيتي الصحفيين الحسيني أبو ضيف وأحمد عاصم السنوسي ذروة التناقض في الموقف النقابي والقانوني:
واستشهد المصور الشاب بجريدة "الحرية والعدالة" في 8 يوليو 2013 أثناء تغطيته أحداث دار الحرس الجمهوري، تميزت قضيته بوجود دليل مادي قاطع وعابر للقارات، حيث سجلت كاميرته في ثوانيها الأخيرة وجه الضابط أو القناص العسكري الذي يطلق النار باتجاهه مباشرة برصاصة في الجبهة.
ورغم تسليم والده الدكتور عاصم سمير السنوسي الكاميرا بلقطاتها الدامغة لجهات حقوقية وإعلامية، بحسب (BBC) إلا أن اللجنة القانونية في النقابة تراجعت عن اتخاذ خطوات ملاحقة جادة أو تقديم المقطع كبلاغ رسمي للمطالبة بالقصاص كما فعلت في قضايا أخرى مماثلة.
في خضم الغضب العارم الذي ساد بين شباب المصورين والصحفيين، نُظّمت وقفة تأبينية على سلالم النقابة في 9 يوليو 2013 (اليوم التالي للمجزرة). وفي التغطية الموثقة للحدث، صرّح خالد البلشي (عضو مجلس النقابة ورئيس لجنة الحريات آنذاك) النقيب الحالي لوسائل الإعلام قائلاً:
"أنا لا أدين أي طرف في مقتل أحمد عاصم، وأنتظر نتيجة التحقيق التي ستصدرها اللجنة القانونية."!
https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=09072013&id=5e939881-1613-4f0e-bfbe-9cc28516655f
ورغم إعلان النقابة المبدئي منح عاصم العضوية الشرفية، صرّحت والدته لاحقاً في لقاء متلفز وموثق بأن النقابة لم تتحرك فعلياً ولم تدافع عن دم نجلها، ويمكن مشاهدة تصريحاتها كاملة :
https://www.youtube.com/watch?v=5ObYGQEBRMs&feature=youtu.be
التوظيف السياسي الممتد
واستشهد صحفي جريدة "الفجر" الحسيني أبو ضيف في ديسمبر 2012 خلال محاولة الانقلاب العنيقة الأولى على الرئيس محمد مرسي وسميت "اشتباكات قصر الاتحادية" برصاصة خرطوش أطلقها شخص محترف أصابته في مقتل، وسط ظروف ميدانية معقدة غاب عنها التوثيق البصري المباشر لهوية الفاعل الأصلي وقتل حينها 9 من أبناء الإخوان المسلمين وشهيد آخر فضلت أسرته ألا يذكر اسمه.
وتحول دم أبو ضيف إلى محرك رئيسي للمعارضة السياسية (جبهة الإنقاذ) وأجهزة الدولة العميقة للإطاحة بحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، وكما يذكر الكاتب الصحفي وائل قنديل في مقاله المنشور بديسمبر 2016 بمناسبة مرور 4 سنوات على الحادثة، فإن القضية عولجت كـ"اتهام سياسي جماعي" لتيار الإخوان دون جهد حقيقي للوصول للقناص الفعلي الذي ضغط على الزناد، متجاهلين سقوط 9 شباب آخرين من تيار الإخوان في اليوم ذاته
وتبنت النقابة قضية أبو ضيف قانونياً كطرف مدني، وصُرف لأسرته المعاش الكامل والدعم الاستثنائي، ورُسمت صورته بـ"الجرافيتي" على مدخل النقابة، وظل دمه يُستحضر نقابياً وسياسياً بالرغم من أن محكمة جنايات القاهرة (في أبريل 2015) ومحكمة النقض (في أكتوبر 2016) قضتا ببراءة محمد مرسي وقيادات الإخوان نهائياً وباتاً من تهم القتل العمد والتحريض عليه في أحداث الاتحادية، ومحاكمتهم فقط بتهم "استعراض القوة والاحتجاز"، وكان الحسيني أبو ضيف يعبر عن آرائه الثورية ضد مختلف الأطراف عبر مدونته الشخصية فضلا عن حرية عمله التي لا تتناسب مع زعمه رئيس تحرير (الفُجر) عادل حمودة من أن ما كتبه أبو ضيف عن شقيق زوجة الرئيس مرسي كان سببا في قتله وكيف يكون ذلك ولم يتعرف أحد على القاتل، أو يتعرض لما كتبه أبو ضيف يرحمه الله، فضلا عن عشرات المقالات والبرامج الموجهة للانتقاص من الرئيس كما باسم يوسف كمثال.
تصنيفات الدماء في بلاط صاحبة الجلالة
عكست منصات التواصل الاجتماعي هذا التمييز بوضوح، حيث كتب الصحفي سلامة عبد الحميد تدوينات لاذعة ترصد تبدل المعايير؛ متسائلاً عقب مقتل عدد من الصحفيين برصاص الأمن في أغسطس 2013: "يا ترى صورة تامر عبد الرؤوف هتترسم على نقابة الصحفيين زي الحسيني أبو ضيف ومحمد محمود؟ وصور صحفيين رابعة كمان؟ ولا خيار وفاقوس؟" وأضاف متسائلا بألم في موضع آخر: "دم الحسيني أبو ضيف أغلى من دم مينا دانيال وعماد عفت… عشان اللي قتلوه الإخوان، ولو إن التهمة مش ثابتة عليهم"!
المتبنّون نقابياً والمعترف بهم رسمياً
تضم هذه الفئة الصحفيين الذين نعتهم النقابة فوراً وقدمت لهم كل سبل الدعم المادي والمعنوي الممكنة، مستندة في ذلك إلى ملاءمتهم للظروف السياسية السائدة أو عملهم في مؤسسات تابعة للدولة وصحف ورقية مرخصة ذات ثقل:
أحمد عبد الجواد (جريدة الأخبار): الذي استشهد أثناء تغطية فض اعتصام رابعة العدوية في أغسطس 2013. ونظراً لكونه معيناً رسمياً في مؤسسة قومية تابعة للدولة، سارعت النقابة إلى نعيه رسمياً وتوفير الرعاية القانونية والمالية الكاملة لأسرته دون إبطاء.
تامر عبد الرؤوف (مدير مكتب الأهرام بالبحيرة): استشهد برصاص قوات الأمن عند نقطة تفتيش في دمنهور بعد فرض حظر التجوال في أغسطس 2013، سارعت النقابة بنعيه بقوة وإدانة الحادثة بشكل لافت للنظر، نظراً لموقعه المرموق في كبرى المؤسسات الصحفية القومية بمصر (الأهرام).
ميادة أشرف (جريدة الدستور): ورغم كونها شابة متدربة غير مقيدة بجداول النقابة الرسمية، إلا أن عملها في صحيفة ورقية مرخصة ومقبولة سياسياً مثل "الدستور"، والضغط الشبابي الواسع، أجبر مجلس النقابة على اتخاذ قرار استثنائي وغير مسبوق باختراق اللائحة وصرف معاش شهري دائم لعائلتها يعادل معاش الأعضاء العاملين، بالإضافة إلى تبني ملاحقة قتلتها قضائياً في القضية المعروفة بـ "لجان العمليات النوعية"، ووضع رسم لصورتها على النقابة دون اعتراض من المجلس.
واستشهدت في مارس 2014 أثناء تغطيتها للاشتباكات في منطقة عين شمس، ورغم أن النقابة والجهات الأمنية سارعتا باتهام مجموعات رافضة للانقلاب بقتلها وصرف معاش استثنائي لأسرتها وتوجيه القضية نحو "خلايا العمليات النوعية"، إلا أن المفاجأة الصادمة جاءت من والد ميادة أشرف نفسه؛ والذي فجّر الحقيقة باتهامه المباشر لوزير الداخلية آنذاك محمد إبراهيم وضباطه بقتل ابنته، بعد أن علم وتأكد ميدانياً أن المتظاهرين لم يطلقوا النار، وأن الرصاصة الغادرة انطلقت بدقة واحترافية من أسلحة وضباط الشرطة "المصرية" المتواجدين في موقع الحدث.
المتجاهلون والمهمشون نقابياً
تشمل هذه الفئة الضحايا الذين سقطوا في الميدان وهم يرتدون السترة الواقية ذاتها ويواجهون نفس الرصاص، إلا أن النقابة تملصت من واجبها تجاههم تحت غطاء "النصوص اللائحية البيروقراطية" أو نتيجة لحساسية انتماءاتهم السياسية وتصنيف المؤسسات التي يعملون بها:
حبيبة عبد العزيز (صحفية بجلف نيوز الإماراتية): استشهدت برصاصة في الصدر أثناء فض اعتصام رابعة العدوية. رفضت النقابة بشكل قاطع نعيها رسمياً تحت تبرير جاف ومجرد بأنها لا تملك عضوية النقابة المصرية، وأن صحيفتها الإماراتية غير مسجلة محلياً في الهيئة العامة للاستعلامات كصحيفة مصرية.
مصعب الشامي (مصور شبكة رصد الإخبارية): استشهد كذلك برصاصة في الصدر أثناء تغطيتها الميدانية لفض اعتصام رابعة، واجه ملفه تجافياً تاماً من النقابة التي رفضت نعي مصعب أو تقديم أي مساعدة مادية أو معنوية لأسرته، متذرعة بأن شبكة "رصد" هي موقع إلكتروني غير مرخص من المجلس الأعلى للصحافة آنذاك، وبأنه ليس عضواً مقيداً بجداولها.
مصطفى الدوح (مصور شبكة نبض رابعة): قُتل أثناء التغطيات الميدانية للاحتقان السياسي اللاحق لعام 2013، وتجاهلت النقابة وجوده بالكامل مستخدمة ذات الأسباب التنظيمية والسياسية المتعلقة بجهة عمله غير المعترف بها نقابياً.
أسماء صقر: الصحفية الشابة التي سقطت ضحية في خضم مذابح ميدان رابعة، والتي قوبل ملفها بتجاهل مطبق وتهميش متعمد من النقابة ولم تحظَ بالتكريم أو الرعاية القانونية والإنسانية اللائقة بتضحيتها لمجرد انتمائها لوسيلة إعلامية صُنفت ضد التوجهات السياسية السائدة في مصر آنذاك.
الفجوة النقابية والمواقف الإنسانية
يمتد عجز اللوائح البيروقراطية وتأثير الحسابات السياسية ليلقي بظلاله على ملفات أخرى كشفت عن ازدواجية واضحة في إدارة المشهد الإنساني والمهني:
وكان لافتا أن تدين نقابة الصحفيين المصرية بانتظام وبأشد العبارات الجرائم الوحشية التي يرتكبها جيش الاحتلال ضد الصحفيين في غزة (مثل نعيها للشهداء الستة في أغسطس 2025). ومع ذلك، فإن هذا التضامن العروبي القوي يواجه محلياً بمرارة وتساؤلات حول جدية دفاعها عن "صحفيي المواطن" والمستقلين في مصر الذين يمارسون ذات العمل ويستشهدون في مواجهات داخلية، لكنهم يُحرمون من النعي لمجرد افتقارهم لبطاقة العضوية الورقية.
وتطغى المواءمة السياسية على حساب الحقيقة المهنية وتأتي تصريحات البعض المؤدلج بـ "عدم إدانة أي طرف" في اللحظة التي كانت فيها لقطات كاميرا أحمد عاصم تدين القناص بشكل لا يدع مجالاً للشك، يكشف كيف شلَّ الاستقطاب السياسي والذعر من السلطة العسكرية الصاعدة حركة قيادات النقابة؛ فحتى الصحفيون المحسوبون على معسكر اليسار والدفاع عن الحريات وجدوا أنفسهم يتبنون لغة ديبلوماسية "رمادية" لتجنب إدانة القوات المسلحة.
وإحالة القضية إلى "انتظار تحقيق اللجنة القانونية" جُوبه بانتقادات لاذعة من زملاء الشهيد الذين اعتبروه تملصاً وامتصاصاً للغضب وتواطؤاً ناعماً، حيث أثبتت الأيام أن النقابة لم تقدم بلاغاً رسمياً ولم تلاحق الفاعل الموثق بالصوت والصورة، بل تركت والد الشهيد عاصم السنوسي يبحث عن جهات حقوقية خارجية لتوثيق الجريمة.
وتظهر الازدواجية عندما نقارن هذا الموقف الرمادي والبارد مع الاندفاع النقابي الفوري لاتهام فصيل سياسي بعينه (الإخوان) في مقتل على سبيل المثال الحسيني أبو ضيف دون انتظار لجان تحقيق أو تقارير قضائية، مما عزز قناعة الشارع الصحفي بأن النقابة تعاملت مع الدماء بمبدأ "حسابات الربح والخسارة السياسية".