بتعليمات من المنقلب السيسى . الأرز من التصدير إلى تقييد المساحات والحبس أو الغرامة للمخالفين

- ‎فيتقارير

يمثل الأرز الغذاء الرئيسي لشريحة واسعة من المصريين على رأسهم أهل الدلتا، وكانت مصر طوال تاريخها الممتد تزرع ما يكفي حاجتها وما يفيض يُخصص للتصدير الي ان وصل الامر الي معاقبة مزارعي الأرز بالحبس او الغرامة لمخالفة أوامر تحديد المساحات التي اقرتها 724 ألف فدان بدلا من 1.1 مليون فدان بحجة قلة الموارد المائية، بينما تستهلك المنتجعات وملاعب الجولف والمدن الصحراوية الجديدة كميات هائلة من الماء دون مردود اقتصادي.

وإذا كان القمح يروي قصة تبعية مزمنة، فإن الأرز يروي حكاية محيرة، يلتقي العجزان: عجز العملة الأجنبية الذي يمثله القمح، وعجز نهر النيل الذي تمثله حبات الأرز، وبينما حاربت الدولة لتدبير الدولار لشراء القمح، حاربت المُزارع لمنعه من ري الأرز.

لعقود طويلة، كان الأرز المصري قصة نجاح بامتياز. ففي مطلع الألفية، احتلت مصر المرتبة الأولى عالميًا في إنتاجية الفدان، محققة اكتفاءً ذاتيًا كاملاً وفائضًا كبيرًا، وفي ذروة نشاطه التصديري عام 2007، أكثر من مليون طن، مُحقّقة عائدات دولارية ضخمة، قبل أن تبدأ رحلة التراجع الدراماتيكي.

 

الحبس أو الغرامة للمخالفين

ومنذ  انقلاب السيسى ،وبتعليمات من المنقلب نفسه ،سادت ، سردية رسمية تصف الأرز بأنه مبدد للمياه، وتحت هذه الذريعة جرى تقليص مساحاته من نحو 1.1 مليون فدان إلى ما يقارب 724 ألف فدان فقط في بعض المواسم، مع توقيع عقوبات بالحبس ستة أشهر على المزارعين المخالفين، وغرامات تتراوح بين ستة وعشرة آلاف جنيه عن كل فدان، ناهيك عن حصر زراعة المحصول في عدد من المساحات التي تحدد سنويًا، بمقتضى المادة 28 و140 من قانون الموارد المائية والري.

هذه السردية تتجاهل وظيفة بيئية حيوية يشرحها أستاذ استصلاح الأراضي والموارد المائية، نادر نور الدين، فالأرز ليس مجرد محصول، بل هو "إكسير الحياة" بالنسبة لفلاحي الدلتا، حيث تغسل مياه زراعته التربة من متبقيات الأسمدة والمبيدات والأملاح، مانعة تغوّل مياه البحر المتوسط عليها فلا تملّحها. دلتا مصر، باعتبارها أوهن مناطق العالم لارتفاع مستوى سطح البحر إلى جانب التغير المناخي، فتقليص زراعة الأرز بها قد يوفر المياه في اللحظة الراهنة، ولكنه يغامر بخصوبة موطن 63% من الأراضي الزراعية بمصر.

تكتسب هذه المغامرة خطورتها القصوى في ظل المتغير الأخطر جنوبًا: سد النهضة الإثيوبي. ولم يعد الحديث عن السد نقاشًا سياسيًا ثانويًا، بل أصبح المحدد الرئيسي للميزانية المائية المصرية، في بلد يعد الأكثر جفافا. ومع اكتمال تخزين المياه خلف السدود الإثيوبية، انتقلت مفاتيح "الصنبور" فعليًا إلى الهضبة الإثيوبية، ما يضع مصر أمام كابوس يسميه نور الدين "السنوات العجاف"، تلك السنوات التي قد ينخفض فيها الفيضان الطبيعي، وتكون الأولويّة فيها لتخزين المياه في إثيوبيا لا لتمريرها إلى مصر.

تحت وطأة هذا التهديد الوجودي، وحالة الشح المائي الشديد التي تفرض عجزًا سنويًا يُغطى بإعادة تدوير مياه الصرف الزراعي، تحوّل قرار زراعة الأرزّ من خيار فلاح يبحث عن الربح وسلامة الأرض، إلى قرار سيادي صارم.

ندرة مصطنعة

 ويرى الباحث الاقتصادي محمد رمضان في حجة "الفقر المائي" جزءًا من الحقيقة فقط، فبينما تحدد مساحات زراعة الأرز بحجة شح المياه، موضحًا أننا أيضًا أمام حالة من "الندرة المصطنعة"، إذ يُعاد توزيع الموارد المائيّة بعيدًا عن تحقيق توازن محصولي يلبي احتياجات المواطن، لتذهب المياه في النهاية إلى مائدة المستهلك الأجنبي في صورة محاصيل تصديرية، كضريبة لنموذج الزراعة الموجهة للتصدير.

ويشير رمضان إلى أن أزمة "تصدير المياه"، عبر الموالح، لا تكمن فقط في استنزاف الموارد، بل في الجدوى الاقتصادية المنقوصة لهذا النموذج، فنحن نكتفي بدور المُزارع الذي يبيع المادة الخام، دون امتلاك صناعات غذائية قوية أو علامات تجارية قادرة على المنافسة.

وأضاف رمضان واصفًا هذا الوضع: أنت تحتل موقعًا ليس شديد التنافسية أو الجاذبية في سلسلة توريد البرتقال، بل انت مجرد تزرع محصولًا يستهلك مياهًا وتصدره، مثلًا ليس لديك براند عصير عالمي للبرتقال.