يبدو أن محافظة الجيزة، التي ارتبط اسمها عبر التاريخ بأهراماتها العريقة، إحدى عجائب الدنيا السبع، قد تحولت في زمن عبد الفتاح السيسي، وعلى يد سلسلة من المحافظين الفاسدين، إلى ما يشبه ثلاثة أهرامات جديدة؛ لكنها هذه المرة أهرامات القمامة والعشوائية والفساد.
وتعاني شوارع الجيزة من فوضى عارمة في الإشغالات بمختلف المناطق، في ظل فساد المحليات وفشلها في تطبيق القوانين بحزم على المخالفين، سواء من أصحاب المحال أو الباعة الجائلين أو مواقف السيارات والتكاتك، مع غياب شبه تام لدور مسؤولي الأحياء، ما خلق أزمة حقيقية في فرض النظام والانضباط.
وفي ظل ما يصفه الأهالي بـ«دولة السائقين»، تحولت مناطق فيصل والهرم إلى أكثر المناطق ازدحاماً في مصر، نتيجة تقطيع خطوط السير، تحت سمع وبصر المحافظ ورؤساء أحياء الهرم والعمرانية والطالبية، مقابل ما يؤكد السكان أنه إتاوات شهرية يحصل عليها المسؤولون من السائقين وأصحاب المطاعم والمحال، وخاصة سلاسل محلات الكشرى الشهيرة بالمحافظة ، لترك الشوارع محتلة بلا رقيب.
ومع الاكتفاء بتلك الإتاوات، كان الحل – بحسب الأهالي – الهروب من قلب العشوائية، حيث قرر المحافظ عادل النجار نقل مقر المحافظة من شارع الهرم إلى مبنى فاخر بمنطقة المهندسين، بتكلفة إيجار تُقدّر بالملايين ، تُهدر من أموال أهالي الجيزة، وسط مخاوف من أن يكون ذلك تمهيداً لبيع مبنى المحافظة الأثري لأحد الأثرياء الخليجيين، بينما ينعم المحافظ ودوائره بالهدوء بعيداً عن الفوضى التي تركها خلفه.
وبجانب الإشغالات، تتفاقم أزمة القمامة المنتشرة في الشوارع، مهددة بانتشار الأمراض والأوبئة، ومضاعِفة لمعاناة المواطنين اليومية.
ويؤكد الأهالي أن هذه المشكلات تعكس ضعف الكفاءة الإدارية، وتعقيد الإجراءات، وقلة الموارد، إلى جانب تفشي الفساد وسوء التخطيط، وصعوبة استخراج التراخيص، والعجز عن حل مشكلات النظافة والطرق والإنارة.
إشغال الشوارع.. فوضى بلا رقيب
قال سيد يوسف (48 عاماً)، من سكان منطقة القومية بالجيزة، إن المنطقة تعاني من غياب دور الحي، ما تسبب في فوضى عارمة، حيث يحتل أصحاب المحال الشوارع دون مراعاة لمرور المواطنين، ما يضطرهم للسير وسط التكاتك والسيارات، معرضين حياتهم للخطر، في ظل غياب تام للمسؤولين.
وأوضح يوسف أن الشوارع تفتقر لأي نظام، وأن الأهالي باتوا يتعايشون قسراً مع العشوائية، مشيراً إلى أن سيارات الميكروباص تسير بسرعة جنونية، ومعظمها بلا لوحات معدنية، ويقودها صبية صغار، ما يشكل خطراً على الأطفال.
وأضاف: «رغم كل ذلك، لا توجد بدائل للمواصلات سوى هذه الميكروباصات، فنضطر لاستخدامها للذهاب إلى أعمالنا ومدارس أبنائنا».
وطالب يوسف مسؤولي الحي بتكثيف المتابعة والرقابة، خاصة مع تزايد أعداد الوافدين من السودان، ما فاقم من حدة الزحام، مؤكداً أن عودة الانضباط لن تتحقق دون وجود فعلي للمسؤولين في الشارع.
القمامة تحاصر الأهالي
من جانبه، قال محمد عبدالله، من سكان شارع الوحدة بمنطقة إمبابة، إن الأهالي يعانون من انتشار القمامة بشكل دائم، خاصة على قضبان السكة الحديد، وسط غياب كامل لمسؤولي الحي.
وأوضح عبدالله أن المنطقة تعج بالمخلفات والنباشين، ما يعيق حركة السير، في ظل فوضى المحال التي تفترش الطرق، ما يدفع الأهالي – خاصة السيدات والفتيات – لاستخدام التوك توك خوفاً على حياتهن.
وأشار إلى أن التوك توك يمثل أزمة إضافية، إذ يقوده صبية صغار، يتعاطى بعضهم المخدرات، ويستخدمون مكبرات الصوت بشكل مزعج، ما يؤدي إلى مشاجرات متكررة مع السكان.
وكشف عبدالله أن بعض موظفي الحي يتقاضون نحو 200 جنيه شهرياً من أصحاب المقاهي والكافيهات مقابل التغاضي عن المخالفات، مطالباً برصف وتطوير الشوارع المتهالكة، خاصة أسفل الطريق الدائري بالقومية، حيث توجد محطة مترو، محذراً من خطورة طلعة الدائري المتهالكة التي قد تتسبب في حوادث جسيمة.
التوك توك.. فوضى وأسعار مبالغ فيها
وقال مدحت عبدالرحمن، من منطقة أرض اللواء بحي بولاق الدكرور، إن معاناته اليومية تبدأ من مزلقان أرض اللواء، حيث يتسابق سائقو التوك توك لنقل الركاب بأسعار مبالغ فيها.
وأوضح أنه يدفع ما لا يقل عن 25 جنيهاً في مشاوير قصيرة، ما يزيد الأعباء على السكان، فضلاً عن الضوضاء المستمرة ومكبرات الصوت والمشاجرات الدائمة بين السائقين أنفسهم أو مع الركاب.
وأضاف أن المنطقة تعاني من تهالك الخدمات، خاصة مع الضغط السكاني الناتج عن توافد لاجئين من دول مجاورة، ما أدى إلى ضعف المياه وانقطاعها أحياناً ليوم أو يومين، إلى جانب تهور سائقي التوك توك والموتوسيكلات، ما يهدد سلامة الأطفال المتجهين إلى مدارسهم سيراً على الأقدام.
وأشار إلى أن الباعة الجائلين وأصحاب المحال يحتلون الشوارع، وحينما تأتي حملات الإشغالات يعودون مؤقتاً إلى محالهم، ثم يعاودون المخالفات فور انتهاء الحملات.
أعمدة وسلاسل حديدية.. الشارع ملك خاص
وأكد محمد سيد، من سكان أرض اللواء، أن الأهالي اضطروا إلى وضع أعمدة حديدية أمام العمارات لمنع الآخرين من ركن سياراتهم، رغم أن الشوارع ملكية عامة، ما أدى إلى تضييقها وزيادة الازدحام.
بدوره، قال علي إبراهيم، من سكان بشتيل، إن السلاسل الحديدية انتشرت أمام المنازل والمحال، وكأن الشارع أصبح حكراً على من يملك شقة، إيجاراً أو تمليكاً.
حراس العمارات.. شراكة في المخالفة
وأعرب إبراهيم عن أسفه لتورط حراس العمارات في تشجيع هذه الظاهرة، مقابل مبالغ شهرية تصل إلى 450 جنيهاً نظير ركن السيارات وتنظيفها صباحاً.
وأكد أن هذه الممارسات تمثل مخالفات صريحة، إذ تحرم المواطنين من حقهم في استخدام الطريق العام، وتخلق مشاحنات يومية، في ظل تجاهل مسؤولي الأحياء، مطالباً بحلول جذرية تعيد للشارع هيبته، وتقضي على ظاهرة السلاسل الحديدية التي تشوه المظهر الحضاري للمناطق السكنية.
