تزعم وزارة التربية والتعليم بحكومة الانقلاب أنها تعمل على تطوير المنظومة التعليمية بمناهج جديدة تهدف للارتقاء بمستوى التحصيل الدراسى لدى التلاميذ، لكن على أرض الواقع تتصاعد شكاوى أولياء الأمور من كثافة المناهج وتعدد التقييمات والامتحانات حتى على تلاميذ الصف الأول الابتدائى، الذين لا تتجاوز أعمارهم السادسة .
وفى الوقت الذى يؤكد الخبراء أن التطوير الحقيقى يتطلب تخطيطًا علميًا للمناهج وطرق التدريس وليس فقط أنظمة وامتحانات وتقييم يطالب أولياء الأمور بمنظومة تعليمية تضمن حصول أبنائهم على تعليم جيد، بدلًا من الاكتفاء بالحصول على الشهادات دون امتلاك المهارات والابتكار، مشددين على ضرورة إعادة الانضباط إلى المدارس، وتحسين مستوى القراءة والكتابة لدى التلاميذ.
المهارات الأساسية
فى هذا السياق قالت قمر على، معلمة لغة عربية: إجراء الامتحانات لتلاميذ الصف الأول الابتدائى يمكن أن يكون مناسبًا خلال الفصل الدراسى الأول، باعتبارها وسيلة لتدريب الأطفال على نظام الامتحانات وتعويدهم عليه تدريجيًا، خاصة فى بداية انتقالهم إلى المرحلة الابتدائية.
وأوضحت قمر على فى تصريحات صحفية أن طبيعة المنهج فى الفصل الدراسى الأول تركز على المهارات الأساسية، مثل التعرف على الحروف وحركاتها، والتوصيل، والتدريب على المدود والفتح والكسر والضم، وهى مهارات تمثل قاعدة مهمة لتعلم القراءة والكتابة، مؤكدة أن تعويد الطفل على أداء الاختبارات خلال هذه المرحلة قد يساعده على فهم طبيعة الامتحان والتعامل معه دون ارتباك، ما دام ذلك يتم بصورة تتناسب مع عمره وقدراته.
وأشارت إلى أن الأمر يصبح أكثر صعوبة مع الانتقال إلى الفصل الدراسى الثانى، إذ تتعدد الموضوعات المطلوبة من التلاميذ، ولا تقتصر على مهارات القراءة والكتابة الأولية، بل تمتد إلى مجموعة من القواعد والمهارات اللغوية التى تحتاج إلى تدريب مستمر ووقت كاف حتى يتمكن الطفل من استيعابها.
وأضافت قمر على أن المقرر يتضمن موضوعات مثل حفظ المعانى، والجمع والمفرد والمضاد، واستخراج المدود بالألف والياء والواو وتحديد الحرف الممدود، إلى جانب التمييز بين اللام الشمسية واللام القمرية، والتعرف على الضمائر وأسماء الإشارة والتنوين، والتحويل بين المفرد والجمع، والتمييز بين الاسم والفعل، وتحليل الكلمات التى تحتوى على الشدة.
تنظيم المقررات
وشددت على أن تعدد هذه الموضوعات يتطلب منح الأطفال الوقت الكافى لفهمها والتدرب عليها، بدلًا من الانتقال سريعًا من مهارة إلى أخرى دون التأكد من إتقانها.
واقترحت قمر على توزيع عملية التعلم تدريجيًا لتدريب الأطفال على بعض المهارات الأساسية، بما يساعد على تخفيف كثافة المقرر فى الفصل الدراسى الثانى.
وقالت إن الهدف ليس تقليل مستوى التعليم أو إعفاء الطفل من التعلم، وإنما تنظيم المقررات بما يضمن استيعابها بصورة جيدة، خاصة أن تأسيس الطفل فى اللغة العربية يحتاج إلى التكرار والتدريب المستمر، وليس مجرد الانتهاء من الموضوعات المقررة خلال فترة زمنية محددة.
المرحلة العمرية
قال الخبير التربوى الدكتور مصطفى كامل، إن تطبيق نظام يتضمن اختبارات شهرية وامتحانات للفصلين الدراسيين على تلاميذ الصفوف الأولى، بما فيها الصف الأول الابتدائى، أثار حالة من الجدل بين أولياء الأمور والمعلمين، بسبب ما يضيفه من أعباء إلى العملية التعليمية.
وأوضح كامل فى تصريحات صحفية أن نظام التقييم بالنسبة لتلاميذ الصف الأول كان يعتمد على التقييمات، بينما يتضمن النظام الجديد اختبارات شهرية وامتحانات للفصلين الدراسيين، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى ملاءمة هذا التوسع فى الاختبارات لطبيعة المرحلة العمرية التى يبدأ فيها الطفل تعلم المهارات الأساسية.
وأشار إلى أن كثرة التقييمات، إلى جانب الواجبات اليومية والأسبوعية، قد تشكل تحديًا كبيرًا للأطفال الذين لا يزالون فى مرحلة اكتساب مهارات القراءة والكتابة، مؤكدًا أن تحميلهم متطلبات متكررة فى هذه السن يحتاج إلى مراجعة تربوية تضمن عدم تحول التقييم من وسيلة لمتابعة التعلم إلى عبء إضافى على التلميذ وأسرته .
وأكد كامل أن الأعباء لا تقتصر على الأطفال وحدهم، بل تمتد إلى أولياء الأمور الذين يتحملون مسئولية المتابعة اليومية ومساعدة أبنائهم على إنجاز الواجبات والاستعداد للاختبارات، وهو ما قد يستنزف وقت الأسرة وجهدها، على حساب الأنشطة الأخرى التى يحتاج إليها الطفل لنموه الاجتماعى والنفسى.
الأنشطة التعليمية
وطالب بإعادة النظر فى نظام الامتحانات والاختبارات الشهرية المطبق على الصفوف الأولى، بما يحقق التوازن بين متابعة المستوى الدراسى ومراعاة طبيعة الأطفال فى هذه المرحلة، مشيرًا إلى إمكانية الاعتماد على وسائل تقييم أكثر تنوعًا وملاءمة لأعمارهم.
وحذر من أن النظام الجديد قد يؤثر فى أداء المعلم داخل الفصل، إذ إن كثرة المتطلبات المرتبطة بالتقييمات والامتحانات قد تقلل الوقت المتاح لشرح الدروس وتنفيذ الأنشطة التعليمية المصاحبة، وهى عناصر أساسية فى بناء مهارات التلاميذ، خصوصًا فى السنوات الأولى.
وشدد كامل على أن تطوير التعليم لا ينبغى أن يقتصر على تغيير أنظمة الامتحانات أو زيادة أدوات قياس التحصيل، وإنما يتطلب تخطيطًا علميًا للمناهج وطرق التدريس والتقييم، بمشاركة الخبراء والمعلمين وأولياء الأمور والجهات المعنية.
ضغط مبكر
قالت داليا الحزاوى، مؤسسة ائتلاف أولياء أمور مصر، إن الصف الأول الابتدائى يمثل مرحلة مهمة فى تأسيس الطفل، إذ تتشكل خلالها المهارات التى سيعتمد عليها فى المراحل الدراسية التالية، محذرة من أن كثرة التقييمات والامتحانات الشهرية قد تضع الطفل تحت ضغط مبكر، وتجعله يشعر بأن الدراسة عبء بدلًا من أن تكون تجربة محببة تشجعه على التعلم.
وأوضحت داليا الحزاوى فى تصريحات صحفية أن التقييم فى حد ذاته ضرورة تربوية، لأنه يساعد على التعرف على مستوى التلميذ وتحديد نقاط القوة والضعف لديه، لكن المشكلة تكمن فى طريقة تطبيقه وحجم الأعباء المصاحبة له، مطالبة بضرورة تقنين التقييمات الأسبوعية، بحيث يكون هدفها الأساسى متابعة تقدم الطفل والكشف عن الصعوبات التى تواجهه والعمل على علاجها، لا زيادة الواجبات والمتطلبات المفروضة عليه.
وأشارت إلى أن الطفل يحتاج إلى وقت كافٍ للعب وممارسة الهوايات والأنشطة المختلفة التى تسهم فى تنمية مهاراته وبناء شخصيته، معتبرة أن هذه الجوانب لا تقل أهمية عن التحصيل الدراسى، خاصة فى السنوات الأولى من العمر.
وشددت داليا الحزاوى على ضرورة عدم العودة إلى نظام انتقال التلاميذ من صف إلى آخر دون التأكد من إتقانهم المهارات الأساسية، موضحة أن تخفيف الضغط لا يعنى التساهل فى مستوى التحصيل أو تجاهل أوجه القصور لدى التلاميذ.
وأكدت أن التقييم يمكن أن يتم بوسائل متنوعة، من بينها ملاحظة أداء الطفل داخل الفصل، ومتابعة مشاركته فى الأنشطة، وقياس قدرته على تطبيق ما تعلمه، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على الامتحانات والتقييمات المتكررة.
وطالبت داليا الحزاوى بتحقيق التوازن بين الاهتمام بالمستوى الدراسى ومراعاة احتياجات الطفل النفسية والعمرية، بما يضمن اكتسابه المهارات الأساسية دون أن يفقد حماسه للمدرسة أو يشعر بأن التعليم مصدر دائم للقلق والضغط.