يبدو أن توجيه حكومات العسكر المليارات إلى المشاريع الخرسانية حرم مصر من استغلال مقدراتها الفعلية، حيث عادت قضية وادي تير بجنوب سيناء إلى الواجهة مع تجدد مشاهد السيول وامتلاء البحيرات الجبلية، وعودة المطالبة بإنشاء سد وادي وتير واستغلال مياهه في الزراعة والتنمية، لكن تكرار المطالبات يفتح سؤالاً يتجاوز الدعوة إلى إنشاء سد جديد: هل يجري التعامل مع السيول باعتبارها مورداً يمكن بناء تنمية مستدامة عليه، أم أن المشروعات تظل رهينة مواسم أمطار متقلبة وتكاليف إنشاء وتشغيل وصيانة قد لا تتناسب مع حجم المياه المتاحة؟.
وقبل 7 سنوات طويلة، ظل وادي وتير في نويبع أحد أبرز الممرات الطبيعية التي تستقبل سيول جنوب سيناء. وفي عام 2015، كشفت السيول عن قوتها العاتية، وأدت إلى إغلاق طريق نويبع – وادي وتير، لتتجدد الأسئلة بشأن كيفية التعامل مع المياه التي تتدفق بكميات كبيرة خلال فترات قصيرة، ثم تنقطع مع انتهاء الموسم المطير.
وفي عام 2018، برزت مشروعات السدود ومنشآت الحماية والحصاد المائي، ومن بينها سد وادي زلجة، وفي أكتوبر 2019، تجددت المطالبات باستثمار مياه السيول في تعمير سيناء، بالتزامن مع تداول أرقام عن كميات المياه التي احتجزتها منشآت الحماية.
وتتسع القضية لتشمل مشروعات صرف مياه الأمطار وبلاعات المحافظات الساحلية، ومدى إمكانية تحويلها من مجرد وسيلة لتصريف المياه إلى جزء من منظومة تجميعها وإعادة استخدامها، بدلاً من الاكتفاء بالتخلص منها.
2015.. السيول تكشف الخطر
كانت سيول عام 2015 من المحطات التي أعادت تسليط الضوء على وادي وتير، بعدما تسببت في إغلاق طريق نويبع – وادي وتير بجنوب سيناء، وفي 13 سبتمبر من ذلك العام، نشر حساب (@newsinai24) خبراً عن استمرار إغلاق الطريق بسبب السيول، في مؤشر على ارتباط الوادي بأمن الطرق وحركة التنقل والاتصال بين المناطق.
https://x.com/newsinai24/status/643121437918789632
وتكشف الواقعة عن الوجه الآخر للسيول؛ فهي مياه يمكن أن تمثل مورداً مهماً إذا جرى حصادها، لكنها تتحول إلى قوة جارفة عندما تتدفق بصورة مفاجئة، بما يجعل منشآت الحماية ضرورة مرتبطة بالسلامة العامة قبل الحديث عن العائد الزراعي والاقتصادي.
2018.. منشآت الحماية
في عام 2018، برزت مشروعات إنشاء السدود والبحيرات الصناعية في جنوب سيناء، ومن بينها سد وادي زلجة، أحد الأودية الرئيسية المتصلة بمنظومة وادي وتير في نويبع.
ونشر حساب مشاريع مصر (@EgyProjects) إعلاناً عن انتهاء إنشاء السد، موضحاً أنه يمثل أحد أكبر سدود المحافظة من حيث السعة التخزينية، بطاقة استيعابية معلنة تبلغ ثلاثة ملايين متر مكعب، وبهدف حماية طريق طابا – نويبع – النقب ومدينة نويبع من مخاطر السيول.
https://x.com/EgyProjects/status/1051439853165039622
ويعني ذلك أن مشروعات الحماية والحصاد المائي لم تكن مجرد مطالبات، بل دخلت بالفعل مرحلة التنفيذ، غير أن وجود السدود والبحيرات لا يعني بالضرورة تحقق منظومة تنموية متكاملة، إذ تظل هناك أسئلة بشأن حجم المياه التي يمكن الاحتفاظ بها، ومعدلات تسربها إلى الخزان الجوفي، ومدى إمكانية توظيفها في أنشطة زراعية مستمرة.
2019.. أرقام الحصاد
مع تجدد سقوط الأمطار والسيول في أكتوبر 2019، عادت منشآت الحماية في وادي وتير إلى دائرة الاهتمام، وظهرت تقديرات بشأن كميات المياه التي تمكنت السدود والبحيرات من احتجازها.
ففي 18 أكتوبر 2019، نشر حامد عز الدين (@hamedezzeldin) أن الإدارة المركزية للمياه الجوفية لسيناء والصحراء الشرقية تتابع الأمطار والسيول وحالة منشآت الحماية بجنوب سيناء في حوض وادي وتير، مشيراً إلى أن المنشآت كانت بحالة جيدة، وأن كمية حصاد الأمطار المقدرة حتى ذلك الوقت بلغت نحو 2.697 مليون متر مكعب في المواقع التي أمكن الوصول إليها.
وفي 27 أكتوبر من العام نفسه، تداول حساب آخر معلومات عن نجاح سدود وبحيرات جنوب سيناء في حجز خمسة ملايين متر مكعب من مياه الأمطار أمام منشآت الحماية في وادي وتير.
https://x.com/siniflower1000/status/1188521849342308352
وتشير هذه التقديرات إلى قدرة منشآت الحماية على حصاد جانب من مياه السيول، لكنها تطرح تساؤلات حول مصير المياه المحجوزة ومدى الاستفادة منها في الزراعة وتغذية الخزانات الجوفية، وما إذا كانت تتحول إلى مخزون يمكن الاعتماد عليه أم تظل الاستفادة منها موسمية ومحدودة.
وفي السياق نفسه، أعاد ناشطون المطالبة بإنشاء سد وادي وتير واستثمار المياه في تنمية سيناء، وهي المطالبة التي عادت للظهور بعد سبع سنوات.
2026.. عودة المطالبة
في 31 أكتوبر 2026، أعاد حساب @aserasorat طرح القضية تحت عنوان: «لقد حان الوقت للمطالبة بإنشاء سد وادي وتير في نويبع واستثمار مياهه في تعمير سيناء».
واستندت المطالبة إلى مشاهد السيول التي تداولها النشطاء، وما أظهرته من تدفقات مائية كبيرة تنحدر من الجبال، مع طرح فكرة تحويل هذه المياه من خطر موسمي إلى مورد للتنمية.
ويرى الحساب أن وادي وتير، باعتباره أحد أكبر مسارات تصريف مياه السيول والأمطار في جنوب سيناء، يمكن أن يتحول إلى محرك للتنمية المستدامة، من خلال تحويل المياه إلى مخزون استراتيجي يغذي الخزان الجوفي السطحي والعميق.
كما ربط بين حصاد المياه والنهضة الزراعية حول نويبع، مقترحاً زراعة النخيل والزيتون والنباتات الطبية والعطرية والأشجار المقاومة للجفاف، إلى جانب حماية الطرق الحيوية وتوفير فرص عمل لأهالي سيناء.
وجاء في نص ما كتب: «تعمير سيناء يبدأ من حسن إدارة مواردها المائية الطبيعية؛ وتنفيذ مثل هذه المشروعات الاستراتيجية يمثل ركيزة أساسية لمستقبل المنطقة وأمنها الغذائي».
https://x.com/mahmoudkeisha22/status/2115131974256046227
وتعكس عودة المطالبة استمرار النقاش حول حجم الاستثمارات المطلوبة ومدى ملاءمة إنشاء سد إضافي لطبيعة الأمطار في المنطقة، خصوصاً في ظل وجود منشآت حصاد قائمة تستدعي تقييم أدائها واحتياجاتها قبل طرح مشروعات جديدة.
2026.. حصاد السيول
في 28 أكتوبر 2026، نشر حساب هاني إبراهيم (@HanyIbrahim17) تقديرات أولية لوزارة الموارد المائية والري، أشارت إلى حجز نحو 12.4 مليون متر مكعب من مياه السيول بمنشآت الحماية والحصاد المائي بمحافظات جنوب سيناء والبحر الأحمر وشمال سيناء.
وأوضح أن الأودية الممتدة من دهب إلى طابا شهدت جريان مياه السيول، ومن بينها الأودية التي تصب في وادي وتير.
https://x.com/HanyIbrahim17/status/2116538026134265937
وفي 31 أكتوبر، نشر الحساب نفسه صورة للقمر الاصطناعي أشار فيها إلى حصاد الأمطار في ثلاثة سدود بوادي وتير عقب الأمطار التي تعرضت لها المنطقة.
لكن الرقم الإجمالي للمياه المحجوزة لا يكفي وحده للحكم على الجدوى الاقتصادية والتنموية، إذ تظل هناك حاجة إلى معرفة نصيب وادي وتير من هذه الكميات، ومعدلات الفاقد والتسرب والتبخر، وحجم المياه التي يمكن استخدامها فعلياً بعد انتهاء موسم الأمطار.
البحيرات الجبلية.. استدامة صعبة
أثار الحديث عن حصاد مياه السيول تساؤلات بشأن إمكانية التوسع في إنشاء البحيرات الجبلية والسدود في سيناء والبحر الأحمر، وصولاً إلى تكوين بحيرات كبيرة يمكن أن تستمر فيها المياه على مدار العام.
وفي نقاش مع الباحث في شأن النيل هاني إبراهيم، طرح حساب ويللو (@walidgomaa) سؤالاً عن إمكانية التوسع في مشروعات تخزين المياه حتى تصبح هناك بحيرات كبيرة مستدامة في المناطق الجبلية.
ورد هاني إبراهيم بأن هناك خططاً للتوسع، لكنه أوضح أن استدامة البحيرات بالمعنى الكامل أمر صعب، لأن الأمر مرتبط بأمطار موسمية متقلبة، تتفاوت من سنوات أعلى مطراً إلى سنوات أقل، وأخرى تكاد الأمطار فيها تنعدم، فضلاً عن محدودية معدلات سقوط الأمطار أساساً.
وأشار إلى أن المياه المحصودة تُستخدم حالياً في الزراعة المحدودة، والضخ إلى الخزان الجوفي، واستخدامات أخرى.
ويضع هذا التوضيح قيداً أساسياً أمام التصورات التي تتعامل مع السيول باعتبارها مصدراً دائماً للمياه؛ فالمياه التي تتجمع في موسم مطير لا تعني بالضرورة وجود مورد متجدد بالكمية نفسها في العام التالي، كما أن إنشاء بحيرة جبلية لا يضمن بقاءها ممتلئة أو صلاحيتها لتوفير احتياجات زراعية مستمرة.
ومن ثم فإن أي مشروع جديد يحتاج إلى دراسة هيدرولوجية واقتصادية طويلة الأجل، تتضمن متوسطات الأمطار وتباينها، ومعدلات الجريان والتسرب والتبخر، وتكاليف الإنشاء والصيانة، والعائد المتوقع من المياه التي يمكن استغلالها بالفعل.
وادي فيران.. 50 بحيرة
وفي إطار التوسع في حصاد مياه الأمطار، برز الحديث عن بروتوكول لإنشاء 50 بحيرة جبلية بجنوب سيناء لحصاد مياه الأمطار في وادي فيران، بالتعاون مع الشبكة الإسلامية لتنمية المياه وهولندا، بالتزامن مع موجة السيول التي شهدتها سيناء ومحافظة البحر الأحمر.
ويمثل هذا الطرح امتداداً لفكرة الاعتماد على منشآت موزعة في الأودية والمناطق الجبلية، بدلاً من الاقتصار على سد كبير واحد، بحيث تتوزع عمليات تجميع المياه وتخفيف سرعة السيول والاستفادة من المياه المتسربة إلى باطن الأرض.
لكن الإعلان عن بروتوكول أو خطة لإنشاء البحيرات لا يعني اكتمال تنفيذها أو تحقق نتائجها، وتبقى أهميتها مرتبطة بمدى التنفيذ الفعلي وملاءمة المواقع وقدرتها على خدمة التجمعات المحلية.
أمريبطة.. حصاد وحماية
ومن المشاهد التي أعادت الاهتمام بوادي وتير، امتلاء بحيرة أمريبطة الشهيرة بقلب الوادي في مدينة نويبع عقب السيول الأخيرة.
ويمتد حوض وادي وتير على مساحة تتجاوز 3500 كيلومتر مربع، من هضبة التيه وسط سيناء إلى خليج العقبة عند نويبع، وتتكون البحيرة في مجرى الوادي، وتحديداً في المناطق والمصائد التي أعدتها وزارة الموارد المائية والري لحصاد مياه الأمطار.
وتُقدر سعتها التخزينية بنحو 130 ألف متر مكعب من المياه العذبة، (1% من حجم مياه السيول) فيما ارتبط الوادي تاريخياً باسم وادي العين، لوجود عيون مياه طبيعية قديمة، من بينها عين الفرطاقة.
ولا تقتصر أهمية البحيرة على المشهد الطبيعي عقب سقوط الأمطار، بل تشمل تهدئة سرعة السيول والحد من مخاطرها على الطرق، وإتاحة الفرصة لتسرب المياه إلى باطن الأرض وتغذية الخزان الجوفي، بما يدعم احتياجات التجمعات البدوية ويساعد في أنشطة الرعي والزراعات الجبلية.
وتكشف هذه التجربة عن إمكانية تحقيق استفادة محلية من مياه السيول دون اشتراط إقامة بحيرة ضخمة دائمة، مع ضرورة تقييم كميات المياه المتاحة ومعدلات تجددها واستمرارية الاستفادة منها.
صرف الأمطار.. أين تذهب المياه؟
لا تنفصل قضية وادي وتير عن مشكلة أوسع تتعلق بإدارة مياه الأمطار في مصر، خاصة في المحافظات الساحلية التي تتعرض لموجات أمطار موسمية، وتنفذ بها شبكات صرف وبلاعات لتصريف المياه المتجمعة في الشوارع والمناطق السكنية.
ففي الوقت الذي تتجه فيه الدعوات إلى حصاد مياه السيول في سيناء والبحر الأحمر، يظل السؤال مطروحاً حول مدى الاستفادة من مياه الأمطار التي تتجمع في المدن الساحلية، وإمكانية تطوير شبكات التصريف بحيث لا يكون هدفها الوحيد التخلص من المياه، وإنما توجيه الكميات القابلة للتجميع والمعالجة أو الاستخدام إلى أغراض مناسبة.
وتتطلب هذه الفكرة الفصل بين مياه الأمطار والسيول من ناحية، ومياه الصرف الصحي من ناحية أخرى، لأن إعادة الاستخدام تحتاج إلى شبكات وتجهيزات مناسبة، ودراسات لجودة المياه، وآليات للتخزين والمعالجة عند الحاجة، قبل توظيفها في الزراعة أو الاستخدامات الأخرى.
كما أن الإعلان عن مشروع أو إنشاء منشأة لا يعني تلقائياً أن المياه أصبحت مورداً مستداماً، ما لم تتوافر بيانات واضحة عن حجم المياه التي تجمعها، ومعدلات استخدامها، وتكاليف تشغيلها وصيانتها.
السدود.. سؤال الجدوى
تضع تجربة وادي وتير مجموعة من الأسئلة المرتبطة بجدوى المشروعات وتكاملها. فهل الأولوية لإنشاء سد جديد، أم لتطوير المنشآت القائمة وتعظيم كفاءتها؟ وهل يمكن تحويل المياه المحصودة إلى نشاط زراعي اقتصادي دون استنزاف الخزان الجوفي؟ وما حجم المساحات التي يمكن ريها فعلياً في ظل تقلب معدلات الأمطار؟
كما أن التوسع في إنشاء السدود والبحيرات الجبلية يجب أن يرتبط بتحديد الاحتياجات الفعلية للتجمعات السكانية والأنشطة الزراعية، لا بمجرد تكرار مشاهد امتلاء البحيرات عقب موجة سيول استثنائية.
فالمطالبة بإنشاء سد وادي وتير التي عادت في 2026، بعد مطالبات 2019 ومشروعات الحماية التي سبقتها، تعيد فتح ملف يحتاج إلى كشف حساب واضح لما نُفذ بالفعل، وما لا يزال في مرحلة التخطيط، وما تحقق من عائد مائي وتنموي على الأرض.
والأمر نفسه ينطبق على مشروعات حصاد الأمطار وشبكات الصرف في المحافظات الساحلية؛ إذ إن معيار نجاحها لا ينبغي أن يكون عدد السدود أو البحيرات أو البلاعات التي أُنشئت، وإنما قدرتها الفعلية على تقليل المخاطر وحفظ المياه وإعادة استخدامها، وتحقيق عائد يتناسب مع تكلفة إنشائها وتشغيلها.
وفي ظل الطبيعة الموسمية وغير المنتظمة للأمطار، يصبح التحدي الحقيقي بناء منظومة مرنة لإدارة المياه، تجمع بين الحماية والحصاد والتخزين والتغذية الجوفية والاستخدام الرشيد، بدلاً من التعويل على مشروع ضخم منفرد أو وعود تنموية لا تستند إلى حسابات مائية واقتصادية معلنة.