السيسي يصّر على مواءمة أبوظبي .. أردوغان يرد على وكلاء الاحتلال: سنحافظ على اتفاق شرق المتوسط مهما كانت التحديات

- ‎فيتقارير

تتصاعد الخلافات السياسية والقانونية حول الاتفاق البحري التركي الليبي الموقّع عام 2019، عقب مصادقة البرلمان الليبي في شرق البلاد على الاتفاق في أكتوبر 2026، وسط اعتراضات أوروبية ويونانية وقبرصية و"إسرائيلية"، وموقف مصري موائم لاعتراضات أبوظبي  والمنامة والأوربيين، في مقابل، تمسك أنقرة بالاتفاق باعتباره إطاراً لحماية حقوقها ومصالحها البحرية، فيما تتباين القراءات بشأن انعكاساته على توازنات النفوذ ومشروعات الطاقة في شرق البحر المتوسط.

لن نتراجع عن حقوقنا في شرق المتوسط

ومن جانبه، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الاتفاقية البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا عام 2019 تحمل أهمية استراتيجية، وتضمن حقوق البلدين، معرباً عن تقديره لمصادقة البرلمان الليبي عليها بالإجماع.

وقال أردوغان إن ردود الفعل التي أعقبت التصديق على الاتفاق، ولا سيما الاعتراضات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي، لا تستند إلى أساس قانوني، داعياً الأطراف التي تحاول استبعاد تركيا من ترتيبات شرق المتوسط إلى احترام الإرادة المشتركة لتركيا وليبيا.

وشدد الرئيس التركي على أن أنقرة لا تسعى إلى تحقيق مكاسب على حساب أي طرف، وإنما إلى حماية حقوقها ومصالحها في مناطق صلاحيتها البحرية، مؤكداً أن تركيا ستواصل التمسك بالاتفاقية حتى لو تطلب ذلك دفع ثمن معين.

وأضاف أن إقرار الاتفاق يعكس موقف أنقرة الداعي إلى الحفاظ على وحدة ليبيا، معتبراً أن تحرك الليبيين بصورة مشتركة في الملفات المهمة يمثل تطوراً إيجابياً. وأكد استمرار الحوار مع جميع الأطراف الليبية، بهدف دعم السلام والأمن والاستقرار وتقليص الخلافات.

وفي تصريحات أعقبت اجتماع مجلس الوزراء، وصف أردوغان تركيا بأنها «واحة سلام» في محيطها الإقليمي، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الوحدة والتضامن ومواجهة الصراعات والأطماع التوسعية التي تهدد استقرار المنطقة.

مخاوف الكيان في شرق المتوسط

بحسب تحليل نشره "منتدى الشرق الأوسط"، فإن مصادقة البرلمان الليبي على الاتفاق تمنح أنقرة دفعة سياسية إضافية في النزاع البحري بشرق المتوسط، وتثير مخاوف لدى الكيان الإسرائيلي بشأن مصالحه البحرية ومشروعات الطاقة والتعاون الإقليمي.

ويرى التحليل أن الاتفاق يضيف تحديات إلى حسابات تل أبيب، خصوصاً في ظل تعاونها مع اليونان وقبرص ومصر في ملفات ترسيم الحدود البحرية والطاقة والبنية التحتية الممتدة تحت سطح البحر. كما يرجح أن يتجه الكيان إلى تعزيز التنسيق مع هذه الأطراف، سعياً إلى بلورة مواقف قانونية ودبلوماسية مشتركة بشأن المناطق المتنازع عليها.

ويعود الاتفاق البحري إلى 27 نوفمبر 2019، حين وقّعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية مذكرة تحدد مطالبات الطرفين بمناطق من الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط. وتعترض اليونان على الاتفاق، معتبرة أنه يتجاهل الحقوق البحرية لجزرها، بما فيها كريت وجزر دوديكانيز.

ويشير التحليل كذلك إلى أن التعاون الليبي التركي في قطاع الطاقة يضيف بُعداً جديداً إلى الخلاف، بعدما وقّعت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية وشركة النفط التركية «TPAO» مذكرة تفاهم في يونيو 2025 لإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في أربع مناطق بحرية. ولا تمنح هذه المذكرة تركيا تلقائياً حق التنقيب في جميع المناطق المتنازع عليها، لكنها تفتح المجال أمام مزيد من التعاون بين الجانبين.

بيان مشترك يعارض الاتفاق البحري

وأفادت «رويترز» بأن مصر والإمارات والبحرين انضمت إلى اليونان في بيان مشترك يعارض الاتفاق البحري التركي الليبي الموقّع عام 2019، محذرة من تداعياته على الأمن الإقليمي والقانون الدولي، وذلك عقب مصادقة البرلمان الليبي في شرق البلاد على الاتفاق.

ويعكس هذا الموقف اتساع دائرة الاعتراضات على الاتفاق، في ظل الخلاف بشأن ترسيم الحدود البحرية وحقوق الدول في استغلال موارد الطاقة بشرق المتوسط. وفي المقابل، رفض أردوغان الاعتراضات الأوروبية، معتبراً أنها تفتقر إلى أساس قانوني.

وفي قراءة نشرها الكاتب والصحفي قطب العربي عبر حسابه @kotbelaraby بتاريخ 23 أكتوبر، فإن الاعتراض الأوروبي يتجاوز دعم اليونان وقبرص، ويرتبط أيضاً بالتداعيات المحتملة للاتفاق على الترتيبات البحرية ومشروعات الطاقة الإقليمية.

ويشير التحليل إلى مشروعي خط أنابيب الغاز «إيست ميد» (EastMed)، الذي يستهدف نقل الغاز من شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية عبر اليونان وإيطاليا، ومشروع الربط الكهربائي «Great Sea Interconnector (GSI)»، الذي يستهدف ربط شبكات اليونان وقبرص مع امتداد مخطط إلى إسرائيل.

ويرى الكاتب أن أي تداخل محتمل بين مسارات هذه المشروعات والمناطق البحرية التي تطالب بها تركيا قد يجعل التفاهم مع أنقرة عاملاً مؤثراً في تنفيذها.

ويذهب التحليل إلى أن مصادقة البرلمان الليبي تعزز موقف تركيا التفاوضي، لكنها لا تنهي بالضرورة الخلافات القانونية المتعلقة بالحدود البحرية، ولا تمنع استمرار الاعتراضات من الدول التي ترى أن الاتفاق يمس حقوقها.

خلاف بشأن المصالح البحرية المصرية

أعلنت وزارة الخارجية المصرية رفضها للاتفاق، معتبرة أنه يمس الحقوق السيادية لمصر في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، وأن التصديق عليه من جانب البرلمان الليبي لا يترتب عليه أثر قانوني بالنسبة إلى مصر.

وفي المقابل، أثار الموقف المصري نقاشاً بشأن التصريحات السابقة لوزير الخارجية الأسبق سامح شكري، الذي نقلت عنه مواقف إعلامية في عام 2019 تفيد بأن الاتفاق التركي الليبي لا يمس المصالح المصرية المباشرة ولا يتداخل، من الناحية الفنية، مع الجرف القاري المصري.

وفي هذا السياق، كتب أسامة رشدي عبر حسابه @OsamaRushdi متسائلاً عن أسباب تغير الموقف المصري، ومعتبراً أن الاعتراض الحالي يحتاج إلى تفسير في ضوء التصريحات السابقة.

وقال رشدي إن اعتراض القاهرة في عام 2019 ارتبط، وفق قراءته، بالخلاف السياسي مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، وليس بالضرورة بوجود انتقاص من الحقوق البحرية المصرية، مضيفا أن مصادقة البرلمان الليبي على الاتفاق أعادت طرح السؤال بشأن الأساس القانوني والفني للاعتراض المصري.

كما أشار إلى تقديرات ودراسات سابقة رأى أنها تمنح مصر مساحة بحرية أكبر في بعض تصورات الترسيم التركية مقارنة بالطرح اليوناني. وتظل هذه النقطة جزءاً من الجدل السياسي والفني بشأن ترسيم الحدود، ولا يمكن حسمها بمجرد المقارنة بين التصريحات، بل تتطلب مراجعة الخرائط والإحداثيات والأسس القانونية لكل طرح.

 

هل يمنع الاتفاق التواصل البحري بين مصر وأوروبا؟

نشر الاكاديمي التركي الدكتور محمد جانبكي عبر حسابه @mehmetcanbekli3 قراءة مطولة دافع فيها عن الاتفاق، واعتبر أن بعض الروايات المتداولة بشأن تهديده التواصل البحري المصري الأوروبي تخلط بين المياه الإقليمية والمناطق الاقتصادية الخالصة.

وأوضح أن المياه الإقليمية تمتد، وفق القواعد العامة لقانون البحار، إلى 12 ميلاً بحرياً، بينما قد تمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة إلى 200 ميل بحري، مع اختلاف طبيعة الحقوق القانونية في كل منهما، فالدولة الساحلية تتمتع في منطقتها الاقتصادية الخالصة بحقوق سيادية محددة تتعلق بالموارد الطبيعية واستغلالها، وليس بسيادة كاملة مماثلة لسيادتها على مياهها الإقليمية.

وبناءً على ذلك، يرى جانبكي أن الاتفاق لا يعني تلقائياً منع السفن التجارية المصرية من التواصل مع أوروبا، ولا يتيح لتركيا فرض رسوم عبور على كل مشروع لنقل الطاقة يمر في المنطقة. لكنه يربط الخلاف أيضاً بمسألة الاعتراف بالمطالبات البحرية التركية، وبالآثار القانونية التي قد تترتب على تنفيذ مشروعات كابلات الكهرباء أو خطوط الأنابيب في مناطق متنازع عليها.

ويستشهد الكاتب بالخلاف حول مشروعات الربط الكهربائي بين إسرائيل وقبرص واليونان، معتبراً أن اعتراض أنقرة يرتبط، في جانب منه، برفض تنفيذ مشروعات بحرية تتجاهل مطالباتها في شرق المتوسط. وهذه القراءة تمثل موقف صاحب المنشور، بينما تظل الآثار القانونية لكل مشروع مرتبطة بمساره الفعلي، وطبيعة المنطقة البحرية، والقواعد الدولية المنطبقة عليه.

https://x.com/mehmetcanbekli3/status/2113630607603282044

الاتفاق بين الشرق والغرب ووحدة المؤسسات

وفي ليبيا، لا تقتصر أهمية المصادقة على الاتفاق على الجانب البحري، بل تمتد إلى دلالاتها السياسية الداخلية، في ظل الانقسام الذي شهدته البلاد خلال السنوات الماضية بين مؤسسات وسلطات في الشرق والغرب.

وفي تحليل قطب العربي فإن موافقة البرلمان في شرق ليبيا تمثل تحولاً في موقف إحدى المؤسسات التي عارضت الاتفاق أو تحفظت عليه خلال السنوات الماضية، وتفتح المجال أمام تقارب أوسع بين أنقرة وأطراف ليبية مختلفة.

لكن هذا المسار يتزامن مع استمرار الدعوات الإقليمية إلى احترام سيادة ليبيا ووحدة أراضيها، ورفض التدخلات الخارجية، وإنهاء وجود القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، وتوحيد المؤسسات الليبية.

وفي بيان مصري جزائري تونسي نقلته قناة القاهرة الإخبارية، شددت الدول الثلاث على أن الحل السياسي في ليبيا يجب أن ينبع من إرادة الشعب الليبي وتوافقه الوطني، داعية إلى الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها، وإنهاء الانقسام المؤسسي، واحترام مبادئ القانون الدولي في الاتفاقيات والتسويات المتعلقة بها.

كما أكد البيان رفض أشكال التدخل الخارجي في الشؤون الليبية، وضرورة انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب من البلاد.

تحركات سياسية  

وفي سياق التطورات الليبية، كتب خالد محمود عبر حسابه @khaledmahmoued1 أن البرلمان الليبي وحكومة الاستقرار الموالية له يتحركان، بحسب تقديره، في محاولة لاحتواء الرفض المصري للمصادقة على الاتفاق البحري بين تركيا وحكومة الوفاق السابقة.

وربط المنشور هذه التطورات بزيارة مفاجئة لصدام حفتر، نجل ونائب قائد الجيش الوطني الليبي، إلى القاهرة منذ مساء الأحد، في إشارة إلى تزامن الاتصالات السياسية مع الخلاف حول الاتفاق.

ولا تكفي هذه المعطيات وحدها للجزم بوجود صفقة سياسية محددة أو بتغير نهائي في موقف الأطراف الليبية والمصرية، لكنها تشير إلى تداخل ملف الاتفاق البحري مع العلاقات الثنائية والتفاهمات المتعلقة بمستقبل المؤسسات الليبية.

مرحلة جديدة من التفاوض

لم يعد الاتفاق البحري التركي الليبي مجرد خلاف حول خطوط مرسومة على خرائط شرق المتوسط، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع بشأن النفوذ الإقليمي وموارد الطاقة والتحالفات السياسية والقانون الدولي.

فأنقرة تعتبر الاتفاق وسيلة لحماية حقوقها البحرية وتعزيز حضورها الاستراتيجي، بينما تعترض اليونان وقبرص والكيان الإسرائيلي على تداعياته المحتملة، وتطرح القاهرة بدورها اعتراضات تتعلق بحقوقها السيادية ومصالحها البحرية.

وفي المقابل، يرى مؤيدو الاتفاق أن التقارب التركي الليبي قد يفتح المجال أمام إعادة التفاوض بشأن ترتيبات شرق المتوسط، بينما يحذر المعترضون من أن المضي في ترتيبات بحرية متنازع عليها قد يزيد التوترات الإقليمية.

وتبقى المصادقة البرلمانية تطوراً سياسياً مهماً، لكنها لا تعني تلقائياً انتهاء النزاعات القانونية أو حسم حقوق الأطراف الثالثة. ويظل المسار الأكثر ارتباطاً بتسوية الخلاف هو التفاوض الفني والقانوني بشأن الإحداثيات والمناطق المتداخلة، بما يوضح الحقوق والالتزامات لكل طرف ويحد من احتمالات التصعيد.