تزامنت خلال الأيام الأخيرة في مصر مجموعة من المشاهد والتصريحات التي أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا حول طبيعة العلاقة بين السلطة والإعلام والأحزاب الموالية، وكيف تُقدَّم صور التأييد الشعبي للمنقلب السفاح عبدالفتاح السيسي أمام الجمهور، خصوصًا مع تصاعد حضور خطاب "الحب الشعبي" في الفعاليات السياسية والإعلامية.
البداية جاءت من واقعة مدرسة برقطا بمحافظة القليوبية، التي أثارت جدلًا واسعًا حول أوضاع المدارس واحتياجاتها، قبل أن يتحرك حزب «مستقبل وطن» للمساهمة في أعمال تطوير المدرسة وتوفير بعض احتياجاتها. وفي 12 سبتمبر 2026، وجّه الإعلامي عمرو أديب، خلال برنامجه «الحكاية» على قناة «MBC مصر»، رسالة شكر إلى النائب أحمد عبدالجواد، نائب رئيس حزب "مستقبل وطن" وأمينه العام، على تحرك الحزب في ملف المدارس.
تفسير "مستقبل وطن" لتجديد مدرسة برقطا، (وهي بالأساس مهمة الدولة ووزارة تعليم حكومة السيسي) تحدثت عنه تقارير لاحقة عن استمرار الحزب في تنفيذ أنشطة خدمية في القليوبية، بينها تطوير مدرسة، وقافلة طبية، وتوفير مستلزمات لمستشفى جامعي، إلى جانب دفع المصروفات الدراسية لأبناء أسر غير قادرة، وفق تصريحات أحمد عبدالجواد.
في 17 سبتمبر، انتقل خطاب عبدالجواد من الحديث عن الخدمات المحلية إلى رسالة سياسية مباشرة موجهة إلى السيسي وخلال حديثه في إحدى فعاليات الحزب بالقليوبية، قال عبدالجواد إن وجود قيادات مستقبل وطن في المحافظات لا يقتصر على تقديم الخدمات، بل يمثل، بحسب تعبيره، "رسالة حقيقية إلى عبد الفتاح السيسي"، مضيفًا أن الشعب المصري "يحب …عبد الفتاح السيسي".
كما قال إن قيادات الحزب التقت خلال جولاتها "آلاف الأسر"، وإن هؤلاء عبروا عن حبهم له، معتبرًا أن هذه الفئات تقف إلى جانب السيسي وتحافظ على البلد.
وهنا برزت المفارقة التي التقطها عدد من المعلقين: فبينما بدأ المشهد من أزمة خدمية تتعلق بمدرسة، انتهى برسالة سياسية عن شعبية السيسي، ومن ثم أصبح السؤال المطروح لدى منتقدي النظام: هل تُقدَّم الخدمات العامة باعتبارها حقًا للمواطن، أم تتحول في بعض المناسبات إلى منصة لإنتاج صور ورسائل سياسية عن الولاء؟
الحشد الرسمي وصورة "التأييد الشعبي"
جاء ذلك بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر يومي الأول والثاني من سبتمبر 2026. وكان أطفال وشباب قد شاركوا في استقبال الرئيس الصيني بمطار القاهرة وهم يحملون أعلام مصر والصين، كما "احتشد عدد من المواطنين المصريين والصينيين" للتعبير عن مشاعر الود والترحيب بالرئيس الصيني. وفي اليوم التالي جرت مراسم استقبال رسمية بقصر الاتحادية، تضمنت حرس الشرف وإطلاق 21 طلقة وعزف السلامين الوطنيين.
لكن الصور المتداولة من مشاهد الاستقبال أثارت، بحسب منتقدين على منصات التواصل، نقاشًا مختلفًا يتعلق بحضور صور السيسي والقمصان التي تحمل صورته ضمن الحشد المصاحب للزيارة، وبمدى دلالة هذه المشاهد على وجود تأييد شعبي عفوي.
ولا توفر البيانات الرسمية المنشورة بشأن الزيارة، في حد ذاتها، دليلًا على كيفية تنظيم الأشخاص الذين ظهروا في الصور أو على دوافع مشاركتهم، ولذلك تبقى الاستنتاجات المتعلقة بكون الحشد تلقائيًا أو منظمًا مسألة تحتاج إلى أدلة مستقلة تتجاوز الصور وحدها.
«نوتة موسيقية».. قراءة منتقدي النظام للمشهد
الكاتب والناشط خالد محمود، عبر حسابه على منصة «إكس» @khaledmahmoued1، قدم قراءة تنتقد ما يراه نمطًا متكررًا في الإعلام الموالي للسلطة.
وكتب في إحدى تغريداته: «عندما يظهر بعض مقدمى البرامج التلفزيونية للعزف على نغمة النظام أو الفوضى، بعدما تم توزيع النوتة الموسيقية الموحدة عليهم…»
وربط محمود بين هذا الخطاب وبين استدعاء أحداث ما بعد يناير 2011، معتبرًا أن الخوف من الفوضى أصبح، من وجهة نظره، أداة لإقناع الجمهور بضرورة استمرار الوضع السياسي القائم.
وفي منشور آخر كتب: «هذا المشهد ليس مجرد خطاب سياسي، بل عرض ولاء مسرحي»، منتقدًا ما وصفه بتحول السياسة إلى «طقوس حب وطني».
https://x.com/khaledmahmoued1/status/2100935421563666558
قمصان السيسي
توسعت التعليقات على مواقع التواصل في تفسير ظهور فتيات وشبان يرتدون قمصانًا تحمل صورة السيسي خلال الفعاليات المرتبطة بزيارة الرئيس الصيني.
ورأى مراقبون أن تقديم هذه الصور بوصفها دليلًا مباشرًا على شعبية السيسي يحتاج إلى التمييز بين وجود أفراد يحملون صور السيسي أو يرتدون قمصانًا تحمل صورته، وبين اعتبار ذلك قياسًا للرأي العام المصري بأكمله.
وفي هذا السياق قارن حساب @AlAzzawiGanim88 بين مشاهد الحشد الحالية وممارسات دعائية عرفها العراق في عهد صدام حسين. وكتب الحساب: "السيسي يذكرني بيوم الزحف الكبير بزمن صدام.. لمن جابو تشيرتات مطبوعة عليها صور صدام حسين..ياعيني مو جاي نشوف المصريين بالعراق يسبون بي ويخافون من خيالهم بسبب ضيقة معيشتهم بمصر.. الشعب يحبه 😂هذني سوالف مال بعثية صارن قديما".
أما صبحي عبر @MSubhi25087551 فكتب تعليقًا يركز على فكرة استخدام الصور المطبوعة باعتبارها وسيلة لإظهار الولاء، قائلًا إن الحكومات لا تستطيع الاطمئنان إلى رضا الشعوب "بصورة تطبعها الحكومة على حسابها". وكتب @CLs0mlhCWyS3reJ "كل رئيس لديه حمير تستعبده وهذا دليل واضح .. السيسي لا محبين له".
وقال أحمد النعيمي @storm_iq1 "الدكتاتور يحب يوهم ويعطي شرعيه لنفسه انه شعبه يحبه بطرق رخيصه جدا بدل ما يحل المشاكل الحقيقيه التي يعاني منها بلده فعلا .. نفس الوضع عندنا .. لو يتوقفون عن السرقات لمدة 6 اشهر ويصبون جل اهتمامهم للبلد وبعدها عادي ترجع تمشي سرقاتهم والله يحصلون اضعافا مضاعفه من تأييد شعبي ومكاسب مادية".
وعلق أحد مؤيدي السيسي، كمال نصر @KamalNa41744752 قائلا: ".. مع احترامي وحبي الشديد لشخص … عبد الفتاح السيسي 🇪🇬.. حزب مستقبل وطن يتقربون من السلطة ومن شخصك .. لا اظهار الفساد بكل بجاحه واقحة .. مفيش حد بيحب البلد بجد كلها مصالح لتضخيم ثروتهم والتربح تحت مسمي حزب سياسي بالظبط نفس نموذج الحزب الوطني اللي خرب البلد من فساد ونهب أموال البلد".
وعن الثمن وراء الصور والهتافات، يشير حساب @Watanwal_M متعجبا، كيف أن ".. الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء!. مضيفا "من يحب وطنه ويلقي قصيدة حبا فيه فهذا جزاؤه في دولة الديكتاتورية!.. ٢٠٠ جنيه يا فاجر؟ حتى لا تستطيع شراء نصف كيلو لحم وانت تسرق ملايين من قوت هؤلاء؟.. لو ألقت قصيدة في حب السيسي وحب الشرطة فمكافأتها كانت أكثر بكثير!".
https://x.com/Watanwal_M/status/2099206978207727926