عادت جزيرة الوراق إلى واجهة الأحداث خلال يومي 14 و15 سبتمبر 2026، مع تجدد الاشتباكات بين قوات الأمن وعدد من الأهالي في محيط معدية القللي، على خلفية القيود المفروضة على حركة المرور ومنع إدخال مواد البناء إلى الجزيرة.
وبحسب رواية شاهد من السكان، للمنصة، بدأت الواقعة بمشادة بين عدد من الشباب وأفراد الشرطة بسبب الحواجز التي ضيقت مسار الوصول إلى المعدية، قبل أن تتطور إلى استخدام الهراوات ثم تبادل الرشق بالحجارة، وأسفرت، وفق المصدر نفسه، عن إصابات بينها حالة إصابة بشرخ في الجمجمة، فضلًا عن احتجاز ما بين 3 و4 شباب بحسب تقديره.
وتأتي المواجهة الأخيرة بعد سلسلة من الوقائع المتكررة خلال عام 2026؛ إذ شهدت الجزيرة اشتباكات في أبريل، ثم مواجهات جديدة في أغسطس استمرت يومين متتاليين، فضلًا عن احتجاجات يونيو التي قالت "مدى مصر" إنها شهدت إصابة طفلين بطلقات خرطوش، وفق شهادة شاهد عيان. ويشير تسلسل الوقائع المنشور إلى أن أزمة معدية القللي ومواد البناء أصبحت نقطة الاحتكاك الرئيسية المتكررة بين الأهالي وقوات الأمن.
19 تاجرًا وملف مواد البناء.. محور الصدام المستمر
ورصد مراقبون التصعيد، بمنع إدخال مواد البناء إلى الجزيرة أحد أهم أسباب التوتر ومحاكمة 19 تاجرا يوردون مواد البناء للجزيرة!. تقول روايات الأهالي إن القيود المفروضة على الطوب والأسمنت ومواد البناء دفعت بعض السكان إلى محاولة إدخال كميات للاستخدام الشخصي أو التجارة، وهو ما يتسبب في مواجهات متكررة عند المعديات. وكانت «مدى مصر» قد وثقت في فبراير 2026 واقعة استمرت نحو خمس ساعات، بدأت بعد منع خمسة من سكان الجزيرة من نقل طوب بناء إلى الجزيرة، قبل أن تتطور إلى اعتداءات وتراشق بالحجارة.
الأهالي يؤكدون ارتفاع أسعار مواد البناء داخل الجزيرة بسبب صعوبة إدخالها، فيما ذكرت "متصدقش" أن سعر ألف طوبة قد يصل إلى 6500–7000 جنيه، وطن الأسمنت إلى نحو 7500–8000 جنيه. وهذه الأرقام، مثل غيرها من تقديرات السوق المحلية، تحتاج إلى مقارنة مستقلة بأسعار السوق الرسمية في الفترة نفسها قبل استخدامها باعتبارها متوسطات سعرية مؤكدة.
"باقون".. 300 فدان في قلب الأزمة
التصعيد الأخير جاء في توقيت حساس، بعد تحرك تفاوضي بين ممثلين عن الأهالي وأجهزة أمنية. ووفق "مدى مصر"، عقدت حركة "باقون في جزيرة الوراق" لقاءات مع الجهات المعنية، وتمسك الأهالي خلال اجتماعاتهم بمبدأ "بيت مكان بيت"، أي الحصول على بدائل سكنية داخل الجزيرة تعادل قيمة مساكنهم الحالية بدلًا من الاكتفاء بشقق سكنية يحددها مشروع التطوير.
وتشير تقارير منشورة في سبتمبر إلى أن النقاش شمل تخصيص نحو 300 فدان داخل الكتلة السكنية القائمة للأهالي الراغبين في البقاء، مع البدء في مشتاريع حكومية هذه المنطقة بالتوازي مع بقية مشروع الجزيرة. وذكرت منصات أن ممثلي الأهالي قدموا تصورًا يتضمن نحو 4059 قطعة سكنية على مساحة 300 فدان، بينما أفادت بأن الجهات المعنية أبدت استعدادًا لمناقشة مبدأ "بيت مقابل بيت" للمرة الأولى منذ سنوات، دون أن يعني ذلك صدور موافقة حكومية نهائية أو اتفاق ملزم.
ويكشف ذلك عن فجوة جوهرية بين الطرفين: الحكومة تمضي في مشروع واسع يستهدف إعادة تشكيل استخدامات الأراضي في الجزيرة، بينما يركز جزء أساسي من مطالب الأهالي على البقاء داخل الجزيرة والحصول على أرض أو مسكن بديل فيها. وفي 18 أغسطس، تجمع أكثر من 300 شخص لتقديم مطالب للأهالي إلى جهاز مدينة الوراق الجديدة، وفي مقدمتها تخصيص قطعة أرض داخل الجزيرة ضمن مشروع الحكومة المعلن أنه "تطوير".
الاستحواذ تجاوز 79% وفق آخر بيانات رسمية منشورة
ووفق بيان حكومي نُشر في فبراير 2025، أعلن جهاز تنمية مدينة الوراق الجديدة أنه حصل على نحو 1024 فدانًا من أصل حوالي 1295 فدانًا تمثل المساحة المستهدفة بالتطوير، أي أكثر من 79% من المساحة محل المشروع. كما أعلنت الحكومة في الاجتماع نفسه أن المرحلة العاجلة من المشروع تشمل 94 برجًا سكنيًا وتجاريًا بإجمالي 4092 وحدة، وأن 50 برجًا بإجمالي 2184 وحدة كانت قيد التنفيذ وقتها.
وبحساب الفرق بين الرقمين الرسميين، كان المتبقي في ذلك التوقيت نحو 271 فدانًا من أصل مساحة التطوير المستهدفة، أي قرابة 21%. وهذه الأرقام مهمة لفهم طبيعة الصراع الحالي؛ فالمفاوضات تجري في وقت أصبحت فيه غالبية المساحة المستهدفة حكوميا، وفق البيانات الحكومية، قد دخلت بالفعل في نطاق حيازة جهاز المدينة.
وفي المقابل، تختلف بعض التقديرات المنشورة حول المساحة الكلية للجزيرة بحسب تعريف مساحة الجزيرة وما إذا كان الحساب يخص كامل المساحة الجغرافية أم نطاق المشروع الحكومي. ولذلك فإن نسبة 79% الواردة هنا هي نسبة رسمية إلى المساحة المستهدفة بالتطوير البالغة نحو 1295 فدانًا، وليست بالضرورة نسبة ملكية الدولة من كل متر مربع جغرافي للجزيرة وفق كل التعريفات المتداولة.
1.71 كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية تغيرت طبيعتها
التحول لا يتعلق بالسكن فقط، بل يمتد إلى الوظيفة الزراعية التاريخية للجزيرة. ووفق تحليل "صحيح مصر" للصور الفضائية وبيانات خرائط Google Earth وبرنامج QGIS ومؤشر الغطاء النباتي NDVI، بلغت المساحات التي رصدها الموقع باعتبارها أراضي زراعية تم تبويرها نحو 1.71 كيلومتر مربع، أي قرابة 407 أفدنة.
وبالنسبة إلى مساحة الجزيرة التي اعتمدها التقرير والبالغة 5.44 كيلومتر مربع أو نحو 1295.5 فدان، تمثل هذه المساحة حوالي 31.4% من إجمالي الجزيرة. أما إذا قورنت بالرقعة الزراعية المقدرة سابقًا بنحو 3.76 كيلومتر مربع، فإنها تعادل حوالي 45.5% من المساحة الزراعية الأصلية المقدرة. ويؤكد التقرير أن الرقم يمثل حدًا أدنى لأنه لم يشمل بعض الحيازات الزراعية الصغيرة والمتناثرة داخل الكتلة العمرانية.
ويحدد التحليل أكبر رقعة جرى رصد تراجعها في غرب الجزيرة بنحو 1.07 كيلومتر مربع، أي حوالي 255 فدانًا، إلى جانب ثلاث رقع أخرى بمساحات تقدر بنحو 0.38 و0.06 و0.05 كيلومتر مربع، ليصل مجموع هذه الرقع الأربع إلى 1.56 كيلومتر مربع. ومع إضافة مساحة الأراضي المرتبطة بإنشاء الأبراج السكنية، يصل إجمالي التغير الذي رصده التقرير إلى نحو 1.71 كيلومتر مربع.
من جزيرة زراعية إلى مشروع عمراني واسع
تكتسب هذه الأرقام أهمية لأن تصريحات رسمية سابقة نسبت إلى وزير الإسكان عاصم الجزار تقدير الكتلة المبنية في الجزيرة بنحو 400 فدان، بينما كان الجزء المتبقي في ذلك التقدير أراضي زراعية. وبناءً على ذلك، قدرت الرقعة الزراعية الأصلية بنحو 895 فدانًا أو 3.76 كيلومتر مربع، بما يقارب 70% من مساحة الجزيرة وفق هذا الأساس الحسابي.
وفي المخطط الحكومي، تظهر مناطق مخصصة لمشروعات عمرانية وسياحية وتجارية، فيما أشار تحليل «صحيح مصر» إلى مشروع «أبراج مارينا حورس» على مساحة تقارب 230 فدانًا، مع تخصيص أجزاء من المنطقة لفنادق ومراكز أعمال وتجارية وأبراج سكنية. وبذلك يصبح الخلاف حول الوراق مرتبطًا ليس فقط بمكان إقامة السكان، وإنما أيضًا بتغيير استخدامات الأرض من الزراعة والسكن التقليدي إلى الاستخدامات العمرانية والاستثمارية المخططة.
9 سنوات بين الإخلاء والتفاوض
تعود جذور الأزمة الحالية إلى عام 2017، عندما بدأت المواجهات المرتبطة بخطط تطوير الجزيرة وإخلاء السكان. ومنذ ذلك الوقت تكررت الاحتجاجات والاشتباكات والقيود على إدخال مواد البناء، بينما واصلت الدولة تنفيذ مشروع «مدينة الوراق الجديدة».
وفي أغسطس 2026، بدأت مرحلة تفاوض جديدة بعد احتجاجات واعتصام للأهالي طالب بالسماح بإدخال مواد البناء وتحسين الخدمات الأساسية. وقالت «مدى مصر» إن التفاوض أسفر وقتها عن تعليق الاعتصام مؤقتًا انتظارًا للرد على المطالب، التي شملت إزالة الحواجز عند المعديات، تحسين الإنارة والخدمات الصحية، وعودة خدمات الصرف الصحي، إلى جانب فتح نقاش حول شروط بقاء السكان في الجزيرة. لكن تجدد الاشتباكات في سبتمبر، بعد فترة قصيرة من هذه الاتصالات، أعاد الملف إلى نقطة التوتر.
وتساءلت صفحة الموقف المصري ".. هل دا إنهاء أمني جديد لفسحة التفاوض وحلحلة الأزمة اللي هي أصلا جت بناءً على عرض ومبادرة من الأمن؟.. دا شيء مش مفهوم خالص، منين بتبادر الجهات الأمنية بإيجاد حل للأزمة، ومنين بتحاول تقضي عليها، رجعتوا في كلامكم مثلا؟ ولا الأمن ما زال متمسك بمبدئه "نرخي شوية ونشد شوية" المستمر منذ 9 سنوات بلا جدية؟.. ولا هو الداخلية كالعادة مش عارفة تسيطر على أفرادها وإحساسهم بإنهم فوق القانون وفوق حقوق الناس، ولهم اليد العليا في تكديرهم؟ ودا ببساطة لأننا مسمعناش عن أي توضيح رسمي للي حصل لحد الآن!".
ورجحت أن "اللي بيحصل مع أهالي الوراق دا بجانب إنه بيغيب عنه أي منطق، فهو غريب جدا على منطق دولة، وكأن الدولة بتتعامل مع المواطنين بشكل مزاجي مثلا؟ لكن الاحتمال الآخر والأصعب هو أنه محاولة لامتصاص غضب الناس لحين إنشاء نزلة الكوبري تمهيدا للاستيلاء الجبري على الممتلكات وتهجيرها قسريا!".
https://x.com/AlmasryAlmawkef/status/2099876901464441161
المشهد الحالي بالأرقام
بحسب آخر الأرقام الرسمية المنشورة التي أمكن التحقق منها، تبلغ المساحة المستهدفة بالتطوير نحو 1295 فدانًا، حصل جهاز مدينة الوراق الجديدة على نحو 1024 فدانًا منها، أي أكثر من 79%، فيما تشير حسابات الفرق إلى نحو 271 فدانًا متبقية ضمن نطاق التطوير وفق أرقام فبراير 2025. ويضم المخطط العاجل المعلن 94 برجًا بإجمالي 4092 وحدة، وكان 50 برجًا منها قيد التنفيذ وقت الإعلان الرسمي.
وفي المقابل، يطرح ممثلو الأهالي تخصيص نحو 300 فدان داخل الجزيرة للبقاء وإعادة البناء وفق مبدأ "بيت مقابل بيت"، بينما تشير رواية "زاوية ثالثة" إلى تصور هندسي لنحو 4059 قطعة سكنية على هذه المساحة.
أما على مستوى الأرض الزراعية، فيشير تحليل «صحيح مصر» إلى تبوير ما يقارب 1.71 كيلومتر مربع، أو 407 أفدنة، بما يعادل نحو 31.4% من مساحة الجزيرة وفق مساحة 5.44 كيلومتر مربع، ونحو 45.5% من الرقعة الزراعية المقدرة أصلًا بنحو 3.76 كيلومتر مربع.
https://x.com/SaheehMasr/status/2085377156662648932
وبذلك تقف الوراق حاليًا عند تقاطع ثلاثة مسارات متزامنة: مشروع تطوير عمراني واسع قطعت الدولة فيه شوطًا كبيرًا وفق أرقامها الرسمية، مجتمع محلي يتمسك بالبقاء داخل الجزيرة وبصيغة «بيت مقابل بيت»، وأزمة أمنية متكررة عند المعديات ترتبط خصوصًا بحركة مواد البناء. ولا يزال الجانب الحاسم في المرحلة الحالية هو ما إذا كانت الاتصالات الأخيرة ستنتج اتفاقًا رسميًا مكتوبًا بشأن الأراضي والسكن والبناء والخدمات، أم ستستمر دورة الاحتجاجات والاشتباكات التي تكررت خلال الأشهر الماضية.
الشرطة تعتدي على أهالي جزيرة الوراق بالحجارة