رفيق عبد السلام/ يكتب :تونس في ذكرى انقلاب سعيّد الخامسة

- ‎فيمقالات

تمر هذه الأيام الذكرى الخامسة لانقلاب قيس سعيّد المشؤوم على التجربة الديمقراطية الوليدة في تونس، والذي وقع يوم 25 يوليو/ تموز 2021، بعدما نشر العربات العسكرية في العاصمة أمام مقرّي مجلس نواب الشعب المنتخب في باردو والحكومة في القصبة، ونصّب نفسه حاكمًا مطلقًا بلا قيد أو حد.

 

بدأ سعيّد مساره الانقلابي بزعم إعمال الفصل الثمانين من الدستور فترة محدّدة من الزمن، ثم شرع في تسيير البلاد عبر المراسيم الاستثنائية، قبل أن يستكمل هذا بحل البرلمان وإلغاء الدستور، تحت عنوان: “الدستور أكله الحمار” (ويبدو أن الأمر كذلك فعلاً)، بعدما جمع جميع السلطات بين يديه، معتبراً أنها مجرّد وظائف تدور حول شخصه. ثم تمادى في تفكيك جل المؤسّسات السياسية والتعديلية التي بناها التونسيون بعناء شديد بعد الثورة، وساق معظم رموز المعارضة إلى السجون، بعدما وضع جهاز القضاء تحت تصرّفه، وأقام لهم محاكماتٍ صوريةً لا تتوفّر على الحد الأدنى من مقوّمات المصداقية والنزاهة.

 

منذ يوم الانقلاب، بدأت تونس تتدحرج في مسار انحدارٍ حرٍّ وسريع، وهي اليوم تمرّ بأزمة مركّبة يتداخل فيها الاقتصادي بالاجتماعي والنفسي والأمني. وليس أدلّ على هذه الحالة الدرامية من أن مجرّد الحصول على الماء والكهرباء والإنترنت بات نوعاً من الامتياز، حتى إن ما كان بديهيّاً بالنسبة إلى آبائنا وأمهاتنا غدا سلعةً نادرةً في العهد “الجديد”.

 

كل ما يوجد في تونس اليوم يذكّرك بأن البلد مأزوم ومريض، ويسير في الطريق الخطأ، فلا شيء يشتغل بصورة طبيعية، ولو بالحد الأدنى من طاقته المعهودة، من الصحة والتعليم والنقل إلى الإدارة والخدمات. وليس الحديث هنا عن العلاقات الخارجية، بعدما تحوّلت تونس إلى دولة منبوذة ومعزولة. وفعلاً، تقف تونس اليوم على حافَة انهيار كبير، إن لم تتعاضد جهود النخبة والشعب لإنقاذها من الهوّة السحيقة التي تردّت فيها. ولعل أخطر الجنايات التي ارتكبها الانقلاب، وما يزال يرتكبها، هي عملية التجويف المنهجي للمشهد العام، عبر نسف كل مقومات التنظيم السياسي والاجتماعي، من أحزاب ومنظمات وجمعيات وهيئات، لصالح نظام فوضوي اعتباطي.

 

نفّذ سعيّد انقلابه بزعم “إصلاح” ما أفسدته الأحزاب، وتجاوز عثرات النخبة السياسية، فإذا به يُعمل معاول الهدم في كل شيء، فلم يترك حجراً على حجر خلال خماسية حكمه المظلمة. صادر مكسب الحرية الذي تعزّز بعد الثورة وخلال عشرية التحول، وأضاف إلى هذا فشلاً تنمويّاً واقتصادياً ومالياً غير مسبوق، وضع البلاد على حافة الإفلاس، وكأن شعار المرحلة يقول: “لا حرّية ولا خبز”.

 

    تتدحرج تونس في مسار انحدارٍ حرٍّ وسريع، وهي اليوم تمرّ بأزمة مركّبة يتداخل فيها الاقتصادي بالاجتماعي والنفسي والأمني

 

يمثل سعيّد، في وجه من الوجوه، إحدى ارتدادات الثورة التونسية التي رفعت مفاهيم الشعب والسيادة، وأعلت معاني الحرية والكرامة والتحرير، كما أقحمت الجماهير بكل فورانها وتناقضاتها في قلب الحياة السياسية، بعد غيابٍ أو تغييبٍ طويلين. ولا غرابة أن تكون الثورة قد فتحت إمكان ديمقراطية "شعبية" ، بقدر ما هيأت الأرضية لصعود دكتاتورية فوضوية مغلفة بشعارات الشعب والسيادة.

 

وبلغة أخرى، يمثل قيس سعيّد إحدى ارتدادات ثورة غير مكتملة، لم تعالج مشكلة القلق الاجتماعي والغضب الشعبي الناتجين عن الشعور العام بالإحباط، وبأن الثورة لم تحقق الأهداف المرجوّة على صعيد الاقتصاد والتنمية والمعيشة. وكان هذا نتيجة عوامل مركّبة، يعود بعضها إلى تعقيدات المرحلة وقصور النخب، بينما يعود بعضُها الآخر إلى التحريض الإعلامي، وترذيل النظام الديمقراطي، والتدخلات الخارجية.

 

كان هناك ضجر اجتماعي منذ مرحلة ما قبل الثورة، وكان ذلك أحد أهم العوامل المحركة للانتفاضة/ الثورة، ثم ازداد هذا الشعور حدّة في مرحلة ما بعد الثورة، تناسباً مع ارتفاع الطموحات والانتظارات. كما أن السياق السياسي العام الذي تشكل بعد الثورة، وما طبعه من مظاهر التسيب والفوضى، ومن ذلك مهارشات السياسيين وصراعاتهم في مجلس نواب الشعب والفضاء العام والمنابر الإعلامية، غذّى الحنين إلى استقرار وانضباط مفقوديْن لدى جمهورٍ لم يتعوّد على هذه التقاليد. وقد قوبل ذلك كله بعرضٍ قدّمه شخص متوتر ومغامر، وكاره للديمقراطية والأحزاب والتوافقات، وكل ما له صلة بمرحلة ما بعد الثورة. ما حصل، أن هذه الأرضية السياسية والاجتماعية المحتقنة، التي اختلطت فيها مشاعر القلق بالغضب والإحباط، وجدت المحرض الأكبر، أو المهيّج الأكبر، الذي استثمر في صعوبات التحول.

 

    يظل نظام قيس سعيّد معرضاً للاهتزاز، من داخله أو من خارجه، في أي وقت

 

يمثل نظام الانقلاب حالة شعبوية خاصة، أقرب إلى الفوضوية. ويمكن القول إنه خليط غير منسجم من الثورة والثورة المضادّة، ومن رجل القانون والمتمرّد على القانون، ومن تقديس الشعب وتغييب الشعب، ومن الثناء على الحكم المحلي ومركزة السلطة بين يدي الحاكم المطلق في الوقت نفسه، ومن الحديث عن الطهر والنزاهة، مع ارتفاع منسوب الفساد في حقبته أكثر من أي وقت مضى.

 

يلتقي سعيّد مع الشعبوية في التغني بمقولات السيادة والشعب والأمة، وكراهية النخب والأحزاب، لكنه يختلف عنها من جهة أنه ليس مجرد صوت احتجاجي ضد تشوهات النظام الديمقراطي وانحرافاته، بل يحمل تصميمًا على نسفه من القواعد، من أجل ما أسماه تغيير وجهة التاريخ ومسار البشرية برمتها. وهو، إلى جانب ذلك، لا يتردد في استخدام الأدوات العنيفة للدولة للفتك بخصومه ومنافسيه، وسوقهم إلى السجون، بعد تنظيم محاكمات صورية، وتوظيف القضاء ضدهم. إنها شعبوية ثأرية ذات صبغة خاصة، نشأت وترعرعت في ظل هشاشة نظام ديمقراطي ناشئ لم يُستكمَل بناؤه، ولم يكتسب إجماعاً من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين.

 

لقد نجح سعيّد، عبر استخدام القوة الصلبة وإجراءاته الاستثنائية، في تقويض الحياة السياسية التونسية، ونسف كثير من مكونات الديمقراطية الوليدة. لكن الأسئلة المطروحة: هل نجح فعلًا في اقتلاع ميراث الثورة التونسية والرجوع بتونس إلى المربع الأول؟ وهل يمتلك نظامه مقومات الاستمرار طويلاً؟… إذا نظرنا إلى الثورة التونسية من زاوية أولى، بدت ثورة فاشلة ومغدوراً بها، ولا يختلف مصيرها عن بقية تجارب الربيع العربي. وليس أدلّ على هذا من أن الذين قادوا الثورة، أو تقدّموا الصفوف بعد سقوط نظام بن علي، هم اليوم بين سجين وطريد ومنكفئ على خاصة نفسه. أما إذا نظرنا إليها من زاوية أخرى، فإن ارتسامات الثورة تبدو حاضرة في النفوس، وماثلة في واقع التونسيين، رغم كل مظاهر الارتداد التي أعقبت انقلاب سعيّد. فما تزال النخب، رغم ما أصابها من إرهاق، تقاوم خط الارتداد في ما تبقى لها من مساحات عمل، في المكاتب والمقرات والساحات العامة، وحتى من داخل السجون نفسها. فقبل أسابيع قليلة فقط، صدر بيان عن 11 شخصية من كبار قادة المعارضة، من خلف قضبان الاعتقال، وفي مقدمتها راشد الغنوشي وأحمد نجيب الشابي، وغازي الشواشي، وجوهر بن مبارك، وغيرهم، يدعو إلى توحيد صف المعارضة، ويحث على تأجيل كل الخلافات الفكرية والسياسية إلى مرحلة استعادة الديمقراطية، بما يدل على أن المعارضة باتت موحدة فعلاً عبر قياداتها السجنية.

 

    ثورات الربيع العربي، التي بدأت من تونس، عائدة منها وإليها، عاجلاً أم آجلاً

 

كما أن سعيّد، ورغم منسوب القمع الذي يمارسه، فشل في إعادة الشعب إلى مربع الإذعان والخوف، فقد غدا الاحتجاج والتظاهر جزءاً من الحياة اليومية للتونسيين، كما لم يتوقفوا عن التعبير بالكتابة والتدوين والنكتة والتهكم، في مجالسهم الخاصة والعامة، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، رغم إشهار سيف المرسوم 54 في وجوههم، الأمر الذي أودى بمئات، إن لم نقل بآلاف، من الشباب والمدوّنين والإعلاميين إلى السجون. ولعل أهم المكاسب التي جاءت بها الثورة تفكيك حاجز الخوف، ونزع الهالة القدسية عن شخص الحاكم، وتسييس الفضاء العام، فقد أصبح النقد، والتعبير عن التضجر، والاحتجاج، والاعتصامات، والإضرابات جزءاً من روتين الحياة بعد الثورة، وهي حالة أرهقت الحكومات السابقة، وترهق الانقلاب اليوم بصورة أكبر.

 

نعم، تمكنت الثورة المضادّة من التمدّد وانتزاع مساحات غير قليلة، بقوة الخطاب الشعبوي، والمحاكمات السياسية، والاعتقالات، وضرب الأحزاب والهيئات، وإغلاق المقرّات. ومع هذا، بقيت الثورة، ورصيد العشرية الديمقراطية، يفعلان فعلهما في الأنفس، وفي الواقع السياسي والثقافي التونسي.

 

قد يكون سعيّد أقوى من خصومه بقوة القمع، لكنه لا يحكم عبر انتخابات حرة ونزيهة، ولا يستند إلى مقبولية شعبية، بل يحكم عبر المحاكمات والسجون، وفي الحد الأدنى عبر صمت الأجهزة الصلبة للدولة. والأهم من ذلك كله أنه لا يجد غطاءً جدّياً من الأحزاب والسياسيين، وهيئات المجتمع المدني، والإعلاميين، والمثقفين ولا يتوفر على حزب منظم ولا قاعدة شعبية منضبطة.

 

    نجح سعيّد، عبر استخدام القوة الصلبة وإجراءاته الاستثنائية، في تقويض الحياة السياسية التونسية، ونسف كثير من مكونات الديمقراطية الوليدة

 

نعم، كان هناك جمهور هلامي التف حول قيس سعيّد في بداية الانقلاب، بفعل إغراء الوعود والشعارات، لكنه جمهور بات ينكمش ويتراجع يوماً بعد يوم، خصوصاً مع اتساع الأزمات، وعجز السلطة عن توفير الحد الأدنى من مقوّمات الحياة، من ماء وكهرباء وخدمات عامة. لقد حافظت الثورة على رمزيتها العامة، سواء في وعي النخبة أو لدى الفئات الأوسع من الشعب، وتحولت إلى ما يشبه المرجعية العامة المؤطرة لوعي التونسيين ومخيالهم.

 

ما بقي من الثورة التونسية هو مجمل التطلعات والأشواق والأحلام، والأهم تلك الروح المتوثبة إلى الحرية والكرامة. وما يلفت الانتباه هنا أن الأجيال الجديدة، التي عايشت زلزال الثورة في بواكير عمرها، وترعرعت في أجواء الثورة وما بعدها، تشرّبت قيمة الحرية والشعور بالكرامة، ولم تعد تقبل الحجب والمنع والقمع، رغم وقوع هذا فعلاً، فالارتداد الذي حصل على مستوى الواقع لم يقابله ارتداد على صعيد المزاجين، الفردي والجماعي.

 

والواضح هنا أن ما يتهدد دكتاتورية قيس سعيّد الناشئة، أولًا، فشلها في تحقيق أيٍّ من وعودها بالرخاء، بل جر البلاد نحو دوامة من أزمات خانقة. وثانياً، روح الثورة بكل تناقضاتها وتوتراتها، التي ما زالت تسري في النفوس والواقع، رغم كل آليات التعويق والتدجين. ولذلك يظل هذا النظام معرضاً للاهتزاز، من داخله أو من خارجه، في أي وقت، ولعل هذا ما يسمح بالقول إن ثورات الربيع العربي، التي بدأت من تونس، عائدة منها وإليها، عاجلاً أم آجلاً.