تظل المجازر الدموية التي صاحبت فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة السلميين في 14 أغسطس عام 2013، شاهداً حياً على واحدة من أبشع الجرائم الحقوقية في التاريخ الحديث، وفي عمق هذه الآلة العسكرية، يبرز اسم اللواء مدحت الشناوي (المنشاوي)، مساعد وزير الداخلية لقطاع العمليات الخاصة وقائد قطاع الأمن المركزي الأسبق، كمهندس ميداني ومخطط مباشر لعمليات الإبادة والتنكيل.
رسم الشناوي لنفسه مساراً عسكرياً قام على مفارقة وجودية فجة؛ تباهٍ هستيري بكفاءة الآلة القمعية وترسانتها المسلحة لفرض الاستبداد، يقابله إنكار ساخر وبارد لإطلاق رصاصة واحدة في الميدان، ليجسد بذلك ملامح عقيدة "وزارة داخلية الانقلاب" القائمة على البطش المفرط في الواقع والتزييف المطلق في الإعلام.
صاحب نظرية الأرض المحروقة
لم يكن اللواء مدحت الشناوي مجرد منفذ بيروقراطي للأوامر الصادرة عن وزير داخلية الانقلاب محمد إبراهيم، أو وزير الدفاع آنذاك المنقلب عبد الفتاح السيسي، بل كان "الجزار الكبير" والمشرف الميداني الفعلي الذي قاد جحافل القوات الخاصة والأمن المركزي لاقتحام الميادين السلمية، بزعم تفويض قانوني عن النائب العام هشام بركات الذي استبعده السيسي مبكرا بعمليه تصفية سماها لاحقا باغتيال وقتل على صيتها العشرات.
وارتبط اسم الشناوي بنظرية "الأرض المحروقة"؛ حيث كشفت التقارير الميدانية والشهادات التوثيقية أنه أصدر أوامر مباشرة بحرق ميدان رابعة بالكامل، بما يشمل مسجد رابعة العدوية والمستشفى الميداني، والتنكيل التام بكل ما يتحرك داخل النطاق الجغرافي للاعتصام وهو ما حدث أيضا أمام جامعة القاهرة في فض اعتصام النهضة في 14 أغسطس من 2013.
وتجاوزت الانتهاكات حدود القتل المباشر إلى تصفية المصابين وحرق جثث الشهداء داخل المستشفى الميداني وفي الممرات لتعمية الدلائل الجنائية.
وتشير شهادات القوى الثورية والحقوقية إلى قيام الجرافات العسكرية -بإشرافه المباشر- بحمل جثث متفحمة وممزقة بشكل مقزز على شاحنات "قلابات" عملاقة ونقلها لدفنها في حفر ومقابر جماعية سرية داخل أراضٍ تابعة لقوات الحرس الجمهوري، في محاولة ممنهجة لإخفاء الحجم الحقيقي للمذبحة البشرية وتصفير الأرقام الرسمية للضحايا.
السلاح والصواريخ الكرتونية
في تتبع للمسار الإعلامي الذي واكب التحضير للمجزرة، ظهر الشناوي في مقابلات تلفزيونية عكست حجم البروباجندا المزيفة التي أدارها النظام لتبرير الإبادة. ففي حوار شهير جمع مدير العمليات الخاصة مع المذيعة لميس الحديدي قبيل الفض، جرت محاولة لتسويق رواية تسليح الاعتصام بأسلحة ثقيلة؛ حيث سألته الحديدي بشكل موجه: "إنتوا جاهزين لا قدر الله لو فيه أي اشتباكات، وإنت عارف إنهم عندهم صواريخ أرض أرض، وأرض جو والحاجات العجيبة دي؟"، ليجيب الشناوي بنبرة طمأنة استعلائية مصدقاً على هذه الترهات ومشيراً إلى أن الوزارة على علم بكل ترسانة الإخوان المزعومة وأن القوات قادرة على سحقها وأن "الشوية الباقيين مستنيينهم هناك".
هذه الكوميديا السوداء والتضخيم العسكري لـ"صواريخ أرض أرض وجو جو" تبخرت تماماً فور انتهاء المجزرة؛ إذ لم تسفر الكشوفات الأمنية الرسمية عقب دك الميدان وحرقه عن العثور على أي من هذه الأسلحة الاستراتيجية العجيبة، مما أثبت أن فزاعة التسليح الكرتونية كانت غطاءً أمنياً محلياً ودولياً لتمرير تصفية المعتصمين العزل.
وقاحة الإنكار: "ولم تطلق الشرطة رصاصة واحدة"
عقب ارتكاب المذبحة، سقط قناع الاستعراض العسكري ليحل محله الإنكار الفج، أقسم اللواء مدحت الشناوي في تصريحات وتدوينات موثقة "بالله العظيم أن الداخلية لم تطلق رصاصة واحدة في فض اعتصام رابعة"، وهي المقولة التي أثارت موجة غضب عارم وسخرية لاذعة من الأوساط الشعبية والثورية، التي تساءلت تهكماً إن كان آلاف الضحايا قد قضوا نحبهم من "الخضة" أو سجلت الوفيات كحالات انتحار جماعي.
وفي هذا السياق، كشفت الوثائق المسربة والخطابات الداخلية الصادرة عن الإدارة العامة للعمليات الخاصة، والموجهة من الشناوي إلى وزير داخلية الانقلاب محمد إبراهيم، عن نفي قاطع وصارم وصادر بشكل رسمي لأي أرقام حقوقية أو دولية متداولة حول أعداد الضحايا، واصفاً إياها بأنها "عارية تماماً من الصحة"؛ في حين أكدت مؤسسات بحثية ومؤرخون (من بينهم الدكتور وصفي عاشور أبو زيد عبر منصات رصد) أن الدلائل والمؤشرات الميدانية والشهادات تثبت أن عدد الضحايا الحقيقيين في رابعة والنهضة لا يقل عن 10 آلاف مصاب وقتيل، أُسقطت أسماؤهم من الدفاتر الرسمية بتعليمات مباشرة من القيادة الأمنية.
المذبحة كـ "إنجاز" تكتيكي والترقية السياسية
لم يكتفِ الشناوي بالإنكار، بل تحول في مقابلات لاحقة (أشهرها مع برنامج "الحياة اليوم" على قناة الحياة) إلى إبداء الفخر المطلق بالمجزرة، معتبراً أن عملية فض اعتصام رابعة والنهضة بمثابة "إنجاز حقيقي وشخصي له"، مبرراً ذلك بأن أعداد الوفيات التي سجلتها وزارة الصحة سقطت وفقاً "للتقديرات الأمنية" الموضوعة مسبقاً للعملية، وهو اعتراف صريح وضمني بأن السلطة وضعت سقفاً دموياً للضحايا واعتبرت الوصول إليه نجاحاً تكتيكياً جديراً بالاحتفاء، مما يعكس عقولاً أمنية ترى في المجازر وسيلة وحيدة لتطهير المجتمع وقمع المعارضين.
تقديراً لهذا الدور الدموي، سارع رئيس المؤقت المعين من العسكر، عدلي منصور، في نوفمبر 2013 إلى إصدار قرار رسمي بترقية اللواء مدحت الشناوي مكافأة له على قيادة عملية الفض.
وفي تصريحات له عبر برنامج "صباح دريم"، واصل الشناوي أداء دور الحامي للعهد الجديد، زاعماً أن مرسي كان يضغط على الداخلية لاعتقال 70 شخصية إعلامية وأن وزير الداخلية رفض، مبرراً نقل محاكمة مرسي إلى معهد أمناء الشرطة بطرة بـأنه الإجراء الأكثر تأميناً ضد الشارع الثوري الذي كان الشناوي نفسه يتولى قمع حراكه، مهدداً في تصريحات لاحقة مطلع عام 2016 بأن "من يفكر في النزول لميدان التحرير في ذكرى 25 يناير فلن يصل إليه وهناك خطة محكمة لفرمه".
الفضائح الأخلاقية والإطاحة المبكرة
رغم التباهي والترقيات، لم تسلم جبهة "قتلة الأطفال والعزل" من التآكل الداخلي؛ حيث كشف الخبير الأمني العميد طارق الجوهري في أغسطس 2014 عن فضيحة أخلاقية وجنسية مدوية هزت قطاع العمليات الخاصة، تمثلت في رصد 14 مقطعاً جنسياً مسجلاً للعقيد "حسن موسى" (قائد قطاع المحور للعمليات الخاصة) مع زوجات عدد من الضباط والجنود العاملين تحت إمرته، والذين كان يتم إرسالهم عمداً إلى مأموريات وفرق تدريبية طويلة لإخلاء الساحة له، وصلت هذه المقاطع والتحقيقات السرية إلى مكتب اللواء مدحت الشناوي الذي فرض تعتيماً تكتيمياً صارماً على الفضيحة للحفاظ على معنويات قواته، وسط تعليقات ثورية لاذعة تؤكد أن "من استحل دماء الأبرياء وحرق جثث المصابين، نزع الله الشرف والكرامة من بيته ومنظومته".
وكعادة النظم الانقلابية في الاستغناء عن الأدوات الخشنة بعد استنفاد أغراضها وتحولها إلى عبء حقوقي دولي، صدر قرار مفاجئ في 28 يوليو 2016 بالإطاحة باللواء مدحت الشناوي من منصبه كقائد للأمن المركزي وتعيين اللواء هشام عباس بدلاً منه، ليُنحى الشناوي تماماً إلى هامش السلطة بعيداً عن الأضواء والمسؤولية التنفيذية بعد أن أدى الدور القذر المطلوب منه في تثبيت أركان حكم المنقلب السيسي.
وصنفت منظمات دولية، وفي مقدمتها "هيومن رايتس ووتش" والمجلس الثوري المصري، اللواء مدحت الشناوي كأحد أبرز مجرمي الحرب والمطلوبين للعدالة الدولية الذين لا تسقط جرائمهم بالتقادم (والذي شبهته منصات ثورية بـ "آرييل شارون" النسخة المصرية شكلاً وفعلاً في ارتكاب مجازر رابعة، وكرداسة، ومسجد الفتح)، ليبقى اسمه محفوراً في ذاكرة الدم المصرية كعنوان صارخ للبطش والتزييف الأمني.
روابط ومنصات توثيق جرائم سفاحي رابعة (كما وردت في الأرشيف الميداني):
رابط توثيق فيديو "إنجاز فض رابعة" وشهادات الإبادة للعمليات الخاصة على يوتيوب:
https://www.youtube.com/watch?v=ENMkOOxhW0M
رابط المادة المصورة لقطاع العمليات الخاصة وفضائح التزييف الأمني عبر فيسبوك:
https://www.facebook.com/WATN.BELA.E5WAN/videos/752319378112397/
رابط البيان المرئي للمجلس الثوري المصري والملاحقة الحقوقية الدولية للجنرال الشناوي:
https://www.facebook.com/ercegypt1/videos/1364229070652006