بين بطء التسليم لسنوات وسرعة سحب الأراضي .. “الأهلي صبور” يفتح ملف قطاع الاستثمار العقاري المأزوم

- ‎فيتقارير

أثارت شكوى رسمية وموثقة تقدم بها أحد مالكي الوحدات السكنية في مشروع "الأهلي صبور" موجة عارمة من الجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي والأوساط الاستثمارية، بعدما فجّر المالك مفاجأة صادمة تتعلق بتأخر استلام وحدته السكنية لمدة تجاوزت الـ 5 سنوات كاملة، على الرغم من التزامه الصارم بسداد كافة الأقساط والمستحقات المالية طبقاً للجداول الزمنية المبرمة وقت التعاقد.

وكشف المتضرر أنه أبرم عقد الشراء في مارس 2018 م، على أن يكون موعد التسليم النهائي والدقيق بحلول نهاية عام 2022 م. ودعم الشاغل شكواه بنشر صور حية وحديثة للمبنى وموقع المشروع، تظهر بوضوح استمرار الأعمال الإنشائية البدائية وعدم اكتمال الهياكل الخرسانية أو أعمال التشطيبات بالشكل الذي يتيح التسميح بالتسليم في الحقبة الحالية، وهو ما دفعه للتساؤل عن الأسباب الحقيقية وراء هذا التقاعس المزمن.

وأشار العميل إلى أنه عند محاولة استيضاح الأمر من مسؤولي شركة "الأهلي صبور"، تلقى ردوداً شفهية تفيد بأن موعد الاستلام الجديد قد يمتد إلى نهاية عام 2027 م، مما فاقم الخسائر المالية الناجمة عن تجميد الأموال وتعطيل خطط السكن والاستثمار البديلة، في ظل حالة من التعتيم وغياب قنوات التواصل الفعالة مع الإدارة العليا للشركة.

أزمات مماثلة

واعتبر المراقبون أن التوازن التشريعي يقتضي ألا يُضار المشتري النهائي جراء نزاع بين المطور وجهاز المدينة، ولذا يتيح القانون عدة مسارات للمتضررين لمواجهة قرارات السحب أو تأخر التسليم.

ورفعت دعاوى قضائية أمام محاكم القضاء الإداري للمطالبة بـ "وقف تنفيذ وإلغاء قرارات سحب الأراضي" وإلغاء التخصيص، مستندين إلى عدم توفير المبرر الموضوعي وتضرر مراكز قانونية مستقرة للعملاء.

وتم تفعيل بند التظلمات القانونية داخل المواعيد والمهل المقررة قانوناً (غالباً خلال 60 يوماً من تاريخ صدور القرار أو العلم به) أمام اللجان المختصة بهيئة المجتمعات العمرانية لتقنين الأوضاع وجدولة المديونيات.

ولإلزام المطورين المتعثرين (مثل حالات الأهلي صبور) بوضع جداول زمنية إلزامية مشفوعة بفوائد قانونية تعويضية، أو المطالبة بفسخ التعاقد ورد المبالغ المالية مضافاً إليها التعويض عن تجميد الأموال وخسائر التضخم.

وتأسيسا على اتحادات الشاغلين والتكتل الجماعي خاطب المتضررون قيادات أجهزة المدن والشركات بشكل موحد يضمن عدم ضياع المستندات والتراخيص الصادرة مسبقاً.

تتوزع أزمات التأخر المزمن في تسليم الأراضي والقطع المخصصة على رقعة جغرافية واسعة من المدن الجديدة التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية، حيث تبرز الأرقام والتواريخ حجم المعاناة الجماعية للمستفيدين:

 

 أراضي الحزام الأخضر بمدينة 6 أكتوبر

وكان تاريخ التخصيص  يعود في بعض مراحله إلى عامي 2007 م و2017 م (لإعادة التقنين والتسوية)، وامتدت فترات الانتظار القسري ما بين 7 إلى 15 سنة كاملة، وشملت الأزمة مساحات شاسعة تجاوزت 12 ألف فدان، تأخر تسليم القطع السكنية الناتجة عنها للمستثمرين بسبب بطء إدخال شبكات الترفيق وتثبيت علاوات تغيير النشاط.

 أراضي الإسكان المتميز (مدينتا بدر والسادات)

وتاريخ التخصيص تلك الأراضي كان بقرعات طرح الأراضي للأعوام من 2016 م إلى 2018 م، وبلغت عدد القطع المتأخرة في امتداد منطقة النرجس والتوسعات بمدينة بدر 3500 قطعة أرض متأخرة في الترفيق، ما أضطر الحاجزون مدداً تراوحت بين 4 إلى 6 سنوات لحين اكتمال البنية التحتية الأساسية.

 مشروع أراضي "بيت الوطن" للمصريين بالخارج (القاهرة الجديدة والشيخ زايد)

وانطلقت المراحل الأولى عام 2012 م وتلاها طرح عام 2015 م، وتوزعت مئات القطع السكنية في "المنطقة الخامسة" والمنطقة "التكميلية" بالحيين الخامس والسابع بالقاهرة الجديدة، وبلغت سنوات التأخر ومدد الانتظار في بعض البلوكات 5 و7 سنوات نتيجة عيوب فنية في التربة استلزمت مهام إعادة تسوية وهيكلة من أجهزة المدن.

أسباب  لتأخر المشروعات

أجمع خبراء العقارات والمراقبون في عام 2026 م على أن حالة مشروع "الأهلي صبور" ليست معزولة، بل تمثل "السيناريو الكلاسيكي" المكرر بحذافيره داخل السوق العقاري المصري، والذي امتد ليشمل كبرى الشركات والمطورين العقاريين نتيجة عاصفة من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي ضربت التعاقدات المبرمة بين عامي 2017 م و2019 م، وتتلخص أسباب الفجوة الزمنية للتأخير.

في أزمة جائحة كورونا العالمية (2020 م) وما تلاها من فرض إجراءات احترازية قادت إلى تباطؤ معدلات التنفيذ الإنشائي وتقليص أعداد العمالة في مواقع البناء لشهور طويلة.

وتحرير سعر الصرف والتعويم المستمر حيث بُنيت عقود عام 2018 م على كلفة تقديرية محددة لمواد البناء الأساسية كـالحديد والإسمنت، ومع قفزات الدولار المتتالية، تضاعفت تكلفة التنفيذ الفعلي على المطورين بنسب تتراوح بين 300% إلى 400%.

 

ويضيف الخبراء؛ فجوات التمويل الحادة حيث واجهت الشركات التي تفتقر للملاءة المالية الضخمة واعتمدت كلياً على حركة التدفقات النقدية المتأتية من أقساط العملاء القدامى (والتي تآكلت قيمتها الشرائية بفعل التضخم) حالة تعثر إنشائي، مما أجبرها على إبطاء وتيرة العمل لتفادي الإفلاس التام.

وتبرز في الأفق أزمة قانونية واجتماعية بالغة التعقيد تتمثل في غياب الدور الحمائي الفاعل لأجهزة الدولة تجاه المطورين المتقاعسين عن التسليم لمدد بلغت 5 سنوات، في حين تتسم ذات الجهات الإدارية بالسرعة الفائقة والقرارات الفجائية عندما يتعلق الأمر بسحب الأراضي وإلغاء التخصيص من المستثمرين أو الأفراد بدعوى تأخر السداد أو عدم الالتزام بمهل البناء.

 

وجاء رصد الحقوقي خالد عبودة مطاوع (عبر منصات التواصل) ليفجر قضية "حي النرجس الجديدة بالتجمع الخامس" بالقاهرة الجديدة، حيث وضعت أجهزة المدينة لافتات رسمية تحمل عبارة "تم سحب القطعة من الجهاز" على عدد من القطع السكنية، هذا التحرك الإداري السريع خلف صدمة مروعة وعشرات الأسر المنكوبة، لأن الضرر الحقيقي لم يقع على عاتق صاحب الأرض الأصلي فحسب، بل امتد ليعصف بحقوق مئات المواطنين ("المشترين حسني النية") الذين دفعوا تحويشة عمرهم وقاموا بسداد مقدمات وأقساط لشراء شقق سكنية داخل العمارات المقامة على تلك القطع المسحوبة، ليجدوا أنفسهم فجأة أمام ملفات ملغاة مهددة بالضياع التام.