في تطور دبلوماسي لافت، استُدعى عبد الفتاح السيسي إلى فرنسا للقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في زيارة تهدف إلى مناقشة ملفات إقليمية وثنائية شائكة، على رأسها الأزمة الليبية والتعاون الاقتصادي.
لكن هذا اللقاء رفيع المستوى يأتي في وقت تعود فيه فضيحة "سيرلي" (Sirli) إلى الواجهة من جديد، بعد أن أعادت صحيفة "ديسكلوز" الاستقصائية نشر تفاصيل جديدة ومثيرة حول هذه العملية العسكرية السرية التي تجمع بين البلدين، والتي تثير تساؤلات حول طبيعة التحالف العسكري بين القاهرة وباريس وحدود القانون الدولي.
وفي أحدث تقاريرها، كشفت "ديسكلوز" عن وثائق وشهادات جديدة تزيد من تعقيد الموقف وتضع الرئيس ماكرون في موقف حرج، من أبرز ما جاء في هذه التسريبات يتعلق ب 4 نقاط هي؛ توسيع نطاق العملية خارج الإطار المعلن، وتجاوز القيود القانونية الفرنسية، وتورط مباشر لضباط فرنسيين في انتهاكات، ومحاولات التغطية والتضليل.
سيناء إلى جوار غرب مصر
فالوثائق الجديدة أظهرت أن العملية لم تقتصر على ليبيا، بل شملت دعماً استخباراتياً مكثفاً للجيش المصري في حربه بشمال سيناء، هذا الدعم تضمن تزويد مصر بصور الأقمار الصناعية عالية الدقة وتحليلات للاتصالات، مما ساعد في تحديد أهداف للغارات الجوية المصرية التي أدت، وفقاً لمنظمات حقوقية، إلى مقتل مدنيين بينهم أطفال ونساء في مناطق مثل الشيخ زويد ورفح.
وتشير التسريبات إلى أن العملية تمت دون إبلاغ البرلمان الفرنسي أو الحصول على تفويض واضح، وهو ما يثير إشكاليات دستورية وقانونية في فرنسا، كما أن التعامل مع الجانب المصري تم عبر قنوات غير رسمية، متجاوزاً آليات الرقابة المعتادة، مما أتاح مساحة من السرية المطلقة التي سمحت بتجاوزات.
الأكثر خطورة، تتحدث الشهادات الجديدة عن وجود ضباط فرنسيين في غرف العمليات المصرية أثناء تنفيذ غارات جوية، مما يعني أنهم كانوا على علم مسبق بالأهداف المدنية المحتملة، هذا يضع فرنسا في موقع الشريك المباشر في انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، وفقاً للقانون الدولي الإنساني.
وكشفت "ديسكلوز" عن محاولات من الجانبين الفرنسي والمصري لتضليل الرأي العام وتقديم العملية على أنها مجرد تعاون استخباراتي محدود، كما تم تدمير بعض الوثائق المتعلقة بالعملية في مصر، بينما تم تصنيف ملفاتها في فرنسا بدرجة "سرية للغاية" لمنع تسرب أي معلومات.
تداعيات الوضع الحالي
وبعد وقت قصير من النشر، رفعت وزارة القوات المسلحة الفرنسية دعوى قضائية ضد منظمة "ديسكلوز" بتهمة "انتهاك سرية الدفاع الوطني" عن نشرها تقرير المخابرات الفرنسية. وقد أسفر ذلك عن حملة قمع شرسة شنتها المخابرات الداخلية الفرنسية (DGSI) ضد صحفيي "ديسكلوز" ، ولا سيما احتجاز الصحفية أريان لافريلو لدى الشرطة الفرنسية عام 2023 لتحديد مصادرها.
وفي يناير 2025، رفضت محكمة فرنسية رسمياً التهم الموجهة ضد الصحفية الفرنسية لافريلو بمنظمة "ديسكلوز"، وحكمت المحكمة بأن "وثائق مصر" التى نشرتها منظمة "ديسكلوز" كانت مسألة ذات مصلحة عامة تفوق المصلحة العامة، وعلى الرغم من الطعون المستمرة التي قدمها المدعي العام في باريس نيابة عن الحكومة الفرنسية الا انها سقطت ورفضت جميعها.
وبعد العديد من الجولات أمام المحاكم الفرنسية، طلب المدعي العام الفرنسي في 20 مايو 2026 إعادة فتح التحقيق القضائي، وتوجيه الاتهام إلى أريان لافريلو، وفرض رقابة على مقالاتنا ومقاطع الفيديو الخاصة بنا، واستدعاء الموقعين الآخرين على التحقيق.
توقيت استدعاء السيسي
وتأتي زيارة السيسي لباريس في لحظة حساسة، حيث تحاول فرنسا لعب دور الوسيط في الملف الليبي، وعلى ما يبدو في ملف إيران بينما تسعى مصر للحصول على دعم اقتصادي وعسكري أوروبي في ظل أزمتها الاقتصادية الخانقة، لكن إعادة نشر تفاصيل فضيحة "سيرلي" تضع الرئيس ماكرون بين مطرقة الضغوط الداخلية من منظمات حقوقية وبرلمانيين يطالبون بالشفافية والمحاسبة، وسندان المصالح الجيوسياسية التي تدفع نحو تعزيز العلاقات مع نظام السيسي.
ويرى مراقبون أن اللقاء المرتقب بين ماكرون والسيسي سيكون اختباراً حقيقياً لمدى جدية باريس في الالتزام بمبادئها المعلنة حول حقوق الإنسان، فمن ناحية، لا يمكن لماكرون تجاهل الأدلة المتزايدة على تورط بلاده في انتهاكات خطيرة، ومن ناحية أخرى، فإن أي تصعيد في الملف قد يهدد التعاون الاستخباراتي والعسكري الوثيق مع مصر، والذي تعتبره باريس ضرورياً لمواجهة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء وليبيا.
خلفية العملية السرية "سيرلي"
لفهم أبعاد الزيارة الحالية، يجب العودة إلى تفاصيل العملية التي هزت الأوساط السياسية والقانونية في فرنسا، ففي صباح يوم السبت 13 فبراير 2016، عبرت حافلة ذات نوافذ مغطاة بالستائر بوابات قاعدة عسكرية مصرية قرب مدينة مرسى مطروح، على ساحل البحر الأبيض المتوسط. خرج من الحافلة عشرة رجال فرنسيين، كانوا قد وصلوا إلى مصر قبل أيام بتأشيرات سياحية. توجه هؤلاء الرجال، وهم عناصر من مديرية العمليات الخاصة (DOS) التابعة للاستخبارات العسكرية الفرنسية (DRM)، إلى مبنى متواضع التجهيزات، يعاني من خلل في نظام التكييف ويفتقد لصنبور مياه، هذا المبنى البسيط تحول إلى مركز قيادة لعملية عسكرية سرية مشتركة بين فرنسا ومصر، أطلق عليها اسم "سيرلي".
وكان الهدف المعلن للعملية هو تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق الضربات الجوية ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في ليبيا، بعد أن سيطر التنظيم على مدينة سرت الليبية، لكن التحقيقات الاستقصائية كشفت أن العملية تجاوزت هذا الإطار بكثير، لتشمل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أبرزها تورط القوات الفرنسية في عمليات قصف أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين، بالإضافة إلى تقديم دعم استخباراتي ولوجستي للقوات المصرية في حملاتها ضد الجماعات المسلحة في سيناء، والتي اتُهمت بارتكاب عمليات إعدام ميدانية واختفاء قسري.
التحالف الاستراتيجي
ويمكن القول: إن "فضيحة "سيرلي" لم تعد مجرد قصة قديمة، بل تحولت إلى قنبلة موقوتة تحت العلاقات الفرنسية المصرية. إعادة نشر "ديسكلوز" للتفاصيل الجديدة تضع علامات استفهام كبيرة حول مستقبل هذا التحالف، فبينما يسعى السيسي وماكرون لترتيب أوراقهما الإقليمية، تظل أصوات الضحايا وملفات الانتهاكات تنتظر العدالة". الزيارة الحالية قد تكون فرصة لطي صفحة الماضي، أو قد تكون بداية لمواجهة دبلوماسية جديدة إذا ما أصرت منظمات المجتمع المدني والصحافة الاستقصائية على كشف الحقيقة كاملة.
بين المصالح والمساءلة
وتثير فضيحة "سيرلي" مجموعة من التساؤلات الجوهرية التي تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين فرنسا ومصر، لتلامس مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، أول هذه التساؤلات يتعلق بمدى علم الرئيس ماكرون شخصياً بتفاصيل هذه العملية السرية، خاصة مع وجود وثائق تشير إلى أن تقارير المتابعة كانت تصل إلى قصر الإليزيه بشكل دوري. فهل كان الرئيس الفرنسي على علم كامل بالانتهاكات المحتملة التي رافقت العملية، أم أن هناك طبقة من البيروقراطية العسكرية أخفت عنه الحقائق الكاملة؟
ويتعلق التساؤل الثاني بازدواجية المعايير في السياسة الخارجية الفرنسية، فبينما تعلن باريس رسمياً التزامها بحقوق الإنسان وتنتقد انتهاكاتها في دول أخرى، تظهر وثائق "سيرلي" تورطاً فرنسياً مباشراً في عمليات عسكرية أثارت مخاوف حقوقية، هذا التناقض يضع فرنسا في موقف حرج، خاصة مع تصاعد الأصوات داخل البرلمان الأوروبي ومنظمات المجتمع المدني التي تطالب بتحقيق شفاف ومستقل في العملية.
ويتعلق التساؤل الثالث بمستقبل التعاون العسكري بين البلدين في ضوء هذه الفضيحة، فزيارة السيسي الأخيرة لفرنسا ولقاؤه بماكرون يؤكدان أن المصالح الاستراتيجية لا تزال تطغى على الاعتبارات الحقوقية، ففرنسا تحتاج لمصر كحليف رئيسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية والأزمة الليبية. في المقابل، تحتاج مصر للدعم الفرنسي في المحافل الدولية وفي الحصول على التمويلات الأوروبية.
أما عن مصير الضحايا المدنيين الذين سقطوا نتيجة الغارات الجوية التي تم تنسيقها ضمن العملية، نظل هناك أسئلة وليس لها إجابات إلى اليوم: هل ستحصل أسرهم على تعويضات؟ وهل ستقدم باريس أي اعتذار رسمي؟ أم أن ملف "سيرلي" سيلحق بمصير فضائح أخرى حيث تنتصر المصالح السياسية على العدالة؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستحدد ليس فقط مستقبل العلاقات الفرنسية المصرية، بل أيضاً مصداقية الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان في المنطقة.
إلا أن التحقيق الجار حاليًا على الساحة الدولية في أعقاب الشكاوى المقدمة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، طالبت عبر المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان من فرنسا بتقديم تفسيرات بشأن الضربات الحدودية والجوية المميتة التي شاركت مع النظام المصري فيها ضد المدنيين بزعم أنهم إرهابيين.