عندما تكون منهجية الحوادث واحدة (السيسي- كامل الوزير).. طرق الموت المفتوحة تفتك بشهداء لقمة العيش

- ‎فيتقارير

"شهداء لقمة العيش"، فجيعة تتجدد يوميا على طرق (السيسي-كامل الوزير) لتسجل أرواحاً جديدة أزهقت في رحلة البحث عن رغيف الخبز الأسمر المغموس بالشقاء والتعب.

18 شهيدا فقدوا حياتهم بينهم 8 أطفال أكبرهم سناً لم يتجاوز الـ14 سنة وذلك جراء حادث تصادم طريق (القصاصين) بالإسماعيلية وتحديدا عند نقطة الدواويس وشبكة الكهرباء، (وهو بالمناسبة من الطرق الحديثة ويستخدمه بكثافة أهالي محافظتي الشرقية (شمال وشرق) والإسماعيلية (غرب) وتقع عليه حوادث قاتلة ويميزه نقاط الكارتة  بالقرب من طريق مصر الإسماعيلية الصحراوي).

رحم الله شهداء لقمة العيش المغموسة بالكفاح؛ رحلوا وهم من أشرف الناس في مصر، على حد قول الناشطين على مواقع التواصل. ليتركوا خلفهم أسرًا مكلومة وأسئلة لا تنتهي حول غياب أبسط معايير الأمان والسلامة المهنية وحياة كريمة كان من المفترض أن تحميهم من جحيم الفقر والبطالة، لتتحول طرق السفر اليومية إلى مصائد موت جماعي.

فاجعة الدواويس

وفي تفاصيل مؤلمة وأرقام تفطر القلوب، وقعت الحادثة المفجعة نتيجة سرعة غير اعتيادية وانفجار لإحدى إطارات السيارة أدى إلى اصطدامها بأخرى نقل، وللأسف توفي 18 عاملاً بينهم 8 أطفال، وأصيب أكثر من 35 آخرين، بحسب تأسف نشأت الديهي الذي يحصر الحادث في القضاء  والقدر.

في حين يرى حساب صدى مصر  @sadamisr25أن "السيسي يوجه بسرعة الوقوف على أسباب حادث طريق الدواويس بالإسماعيلية، وتوفير الرعاية الطبية المناسبة والكاملة للمصابين، يعني مش عارف إن شبكة الطرق الحديثة هي اللي تضحي بالمصريين، الطرق اللي صرفتوا عليها مليارات وكل يوم وكل ساعة حوادث، شرطة المرور اللي تاخذ رشاوي وبتعتدي على المواطن اللي يرفض يدفع مش هي السبب برضه".

https://x.com/sadamisr25/status/2087266018359951809

وعبرت إحدى الأصوات الغاضبة عبر منصات التواصل الاجتماعي عن الصدمة وقالت @MahaARahman90:  "إحنا عايشين في أحقر مكان في العالم، #الدواويس"

https://x.com/MahaARahman90/status/2087266369326972942

وفي مأساة إنسانية تهز القلوب وتدمي المقل، لقي 6 أشقاء مصرعهم دفعة واحدة ضمن ضحايا الحادث، لتتحول فرحة الأسرة البسيطة إلى فاجعة كبرى بعدما فقد الأب والأم أبناءهم الستة في حادث واحد، والشهداء هم: آدم محمد السيد، رضا محمد السيد، السيد محمد السيد، محمد محمد السيد، عبده محمد السيد، وأحمد محمد السيد.

بينما صرحت إحدى الناجيات من الحادث بكلمات تختصر عذابات الملايين: "كنت نايمة في العربية وأختي ماتت جنبي وبناخد 100 جنيه يوميا"، وقرر وزيرا التضامن والعمل صرف 400 ألف جنيه تعويضًا لأسرة كل متوفى، وإعانات عاجلة للمصابين، لكن هذه الأرقام تظل عاجزة عن سد فجوة الفقد الهائل وغياب العدالة الهيكلية.

 

مضاعفة التعويضات الحكومية مقابل أجور الفقر

من 100 جنيه يومية العامل في الإسماعيلية في جمع الفول السوداني إلى 400 ألف تعويض لكل أسرة، في حين أن أسرة بها 6 أشقاء توفوا في الحادث، تثار تساؤلات متباينة حول العدالة الاجتماعية، وأولويات الدولة بين الوقاية والتدارك. لماذا يضاعف السيسي التعويضات وكانت الأولى حياة كريمة لهذه الأسر؟

وتُستخدم التعويضات السريعة والكبيرة غالباً كأداة سياسية وإعلامية لاحتواء الغضب الشعبي العارم وإظهار تفاعل الدولة الفوري مع الكوارث الكبرى.

وتعكس المفارقة الواضحة بين ضعف الأجور وهشاشة ظروف العمل وضخامة التعويضات الفردية بعد وقوع الفاجعة غياب استراتيجية مؤسسية واضحة وجداول إكتوارية ثابتة ومنظمة.

وفي حالة الأسر التي تفقد معيليها أو عدداً كبيراً من أبنائها (مثل حادثة الأشقاء الستة)، تظهر عورات التعويض المقطوع؛ إذ إن حساب التعويض لكل متوفٍ بمعزل عن فداحة تفريغ البيت تماماً من شبابه وقوته العاملة يخلق تناقضاً صارخاً مقارنة بحجم المأساة الفادحة.

ويشير التساؤل حول أولوية "حياة كريمة" إلى جوهر الخلل الحقيقي في إدارة ملف الحماية الاجتماعية؛ فالوقاية خير من العلاج، وإنفاق المليارات على التعويضات اللاحقة للكوارث والإهمال يعكس قصوراً هيكلياً في منظومة الوقاية والسلامة المهنية.

فالعمالة الموسمية وعمال الترحيل والزراعة يعملون في ظروف بالغة الخطورة دون تأمين صحي أو مظلة اجتماعية أو وسائل نقل آدمية آمنة، وهو ما يضع أرواحهم في مهب الريح، والتعويض بمثابة رشوة للصمت واستكمال المنظومة كما هي حيث أن أغلب من يعملون في مزارع على طول الطريق يعلمون بالفعل في مزارع تتبع الجيش أو مستقبل مصر.

نمط متكرر وليس مجرد حوادث منفردة

أكدت تقارير مؤسسات المجتمع المدني ومنها "صحيح مصر" والمفوضية المصرية للحقوق والحريات (ECRF) أن ما يجري ليس مجرد حوادث مرور عابرة أو أخطاء سائقين فردية، بل هو نمط متكرر وثابت لانتهاك حقوق العمالة غير المنتظمة والزراعية وعمال المياومة في مصر.

وقال حساب صحيح مصر     @SaheehMasr "18 حالة وفاة، بينهم 6 أطفال على الأقل، هي حصيلة ضحايا الحادث الأخير ضمن سلسلة حوادث نقل العمال والعاملات الزراعيين إلى أماكن عملهم بالمزارع، على متن سيارات نقل مكدسة ومتهالكة، خلال الأيام الماضية…"

وقالت المفوضية     @ECRF_ORG "ليست خمس حوادث بل نمط واحد يتكرر.. المفوضية تدين مصرع ما لا يقل عن 30 عاملاً وعاملة وإصابة 79 خلال ستة أيام في خمس محافظات…"

5 وقائع كارثية خلال 6 أيام فقط

ووثقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات سلسلة من الفواجع المتتالية التي تؤكد غياب منظومة السلامة والصحة المهنية تماماً عن قطاعات العمل الهشة:

حادث الجيزة (الخميس 6 أغسطس): لقي 7 عمال مصرعهم، بينهم طفلان يبلغان 17 عاماً، وأصيب 6 آخرون إثر انقلاب سيارة ربع نقل كانت تقلهم من العمل لدى أحد المقاولين على الطريق الصحراوي عند نفق الودي باتجاه بني سويف بنطاق مركز الصف.

حادث الشرقية (الجمعة 7 أغسطس): أصيبت 22 عاملة زراعية باليومية، بينهن طفلتان، بإصابات تراوحت بين الكدمات والكسور ونزيف بالمخ، إثر انقلاب سيارة ربع نقل تقلهن إلى المزرعة على طريق بلبيس – أبو زعبل أمام قرية المنير.

حادث البحر الأحمر (الأحد 9 أغسطس): لقي العامل عبد الرحمن نبيل محمود مصرعه وأصيب 5 من زملائه إثر سقوط صخرة داخل أحد أنفاق منجم السكري للذهب بالصحراء الشرقية، مما دفع لتشكيل لجان فنية ووقف مؤقت للأعمال تحت الأرض.

حادث المنيا (الثلاثاء 11 أغسطس): لقي 4 أشخاص مصرعهم وأصيب 14 آخرون إثر انقلاب ميكروباص على الطريق الصحراوي الغربي نتيجة السرعة الزائدة واختلال عجلة القيادة.

حادث الإسماعيلية (الثلاثاء 11 أغسطس): وهو الأكبر، حيث وقع تصادم مروري مروع بين سيارتي ربع نقل تقلان عمال مزارع باليومية عند محطة الكهرباء بمنطقة الدواويس بدائرة مركز القصاصين، أودى بحياة ما لا يقل عن 18 عاملاً (بينهم أطفال والشقاء الستة) وإصابة نحو 32 آخرين، ومعظمهم من أبناء الصالحية القديمة والعزازي بالشرقية.

الاستغلال اليومي وظروف العمل القاسية

ونقل تقرير "صحيح مصر" شهادات حية ومؤلمة من كواليس رحلات الموت اليومية للعمال الزراعيين وتدور حول وسائل نقل متهالكة، وأجور زهيدة خارج الحد الأدنى، وغياب الضمانات الصحية.

وأشارت إلى أن العمال والعاملات يُكدسون داخل صناديق سيارات "الربع نقل" أو على متن "التروسيكلات" المتهالكة كأنهم بضائع، معرضين للاهتزازات المستمرة والمطبات الخطيرة على الطرق السريعة.

وتتقاضى العاملات أجوراً تتراوح بين 100 إلى 200 جنيه يومياً، وهو ما يقل بنحو 40% عن الحد الأدنى للأجور الذي أقرته الحكومة (8000 جنيه)، ودون أي عقود عمل أو مظلة تأمينية تحميهم حال الإصابة أو العجز.

وتؤكد الشهادات أن المصابين في هذه الحوادث يجلسون في منازلهم بلا عمل ولا دخل طوال فترة العلاج، دون أي تعويض من المقاولين أو أصحاب المزارع المستفيدين من جهدهم.

قانون المرور الغائب

وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) والمسح الصحي للأسرة إلى وجود نحو مليون و300 ألف طفل يعملون في بيئات خطرة تتجاوز طاقتهم البدنية والعقلية، ويمثل الأطفال نسبة مرعبة من ضحايا حوادث النقل الزراعي.

وتنص المادة 92 من اللائحة التنفيذية لقانون المرور والمادتين 247 و271 من قانون العمل على إلزام المنشآت بتوفير وسائل نقل آمنة وصحة مهنية وتأمين بيئة العمل، إلا أن التطبيق على الأرض يفتقر للرقابة الصارمة، مما يجعل أصحاب المزارع والمقاولين بمنأي عن العقاب والمساءلة.

 

مطالب حقوقية واجتماعية عاجلة

واختتمت المنظمات الحقوقية تقاريرها بمجموعة من التوصيات والمطالب الملحة لوقف حمام الدم على الطرق المصرية:

بالتحقيق في النمط لا الواقعة المنفردة، والتعامل مع وقائع الحوادث المتكررة باعتبارها ملفاً واحداً يكشف قصور منظومة العمل والنقل، ومحاسبة كافة الأطراف المستفيدة.

وتوسيع نطاق المسؤولية، وعدم الاكتفاء بتحميل السائق وحده المسؤولية الجنائية، بل ملاحقة المقاولين وأصحاب المزارع المتورطين في توفير وسائل نقل غير آمنة.

ومكافحة عمالة الأطفال، مع فتح تحقيقات عاجلة في ظروف تشغيل الأطفال ببيئات العمل الخطرة والزراعية.

ووضع آلية ملزمة للنقل الآمن،  بإصدار وتطبيق ضوابط صارمة ومراقبة مستمرة لوسائل نقل العمالة اليومية والغير منتظمة بين المحافظات.

ومراجعة هندسية للطرق وفحص هندسي عاجل للطرق التي تتكرر عليها الفواجع القاتلة، مثل طريق الدواويس بالقصاصين ومحور بلبيس وطريق المنيا الصحراوي.

وضمان الحقوق القانونية والتأمينية مع كفالة التعويضات والرعاية الطبية الكاملة لأسر الضحايا والمصابين بعيداً عن العراقيل البيروقراطية