حملات الضبط تكشف المستور.. هل فقدت حكومة السيسى السيطرة على الأسواق؟

- ‎فيتقارير

الرقابة على الأسواق مسؤولية أصيلة لا يجوز للحكومات التنازل عنها أو تحميل المواطن عبء القيام بها، فمن حق كل مواطن أن يطمئن إلى سلامة الغذاء الذي يتناوله، وصلاحية السلع التي يستهلكها، وأمان الأدوات التي يستخدمها في حياته اليومية، وتمتلك الدولة بالفعل الأدوات التشريعية والقانونية اللازمة، كما تملك الأجهزة الرقابية والكوادر البشرية القادرة على تنفيذ القانون، لكن الواقع يكشف أن السيطرة على الأسواق ما تزال محدودة، وأن حجم المخالفات المنتشرة يفوق بكثير ما يتم الإعلان عن ضبطه.

وتتردد دائما المقولة الشهيرة: “إذا ضبطنا حالة مخالفة فهناك عشر حالات لم يتم ضبطها”، وهي مقولة تعكس حجم الأزمة الحقيقية في منظومة الرقابة داخل مصر، حيث تمر مخالفات كثيرة دون رصد أو عقاب، سواء بسبب ضعف المتابعة أو غياب الجدية أو تفشي الفساد الإداري، ففي دول أخرى لا تمر مخالفة واحدة دون محاسبة، لأن الأجهزة الرقابية تعمل باستمرار وفاعلية وسرعة، وتطبق العقوبات الرادعة بشفافية ودون محسوبية أو تمييز، وهو ما يجعل المخالف يخشى العقوبة قبل أن يفكر في ارتكاب الجريمة.

أما في زمن المنقلب السفيه السيسى، فتتفاقم الأزمة بسبب تدني رواتب بعض العاملين في الأجهزة الرقابية، وضعف الرقابة على أدائهم، ما يجعل بعضهم عرضة للرشوة أو التغاضي عن المخالفات مقابل مكاسب شخصية، لتصبح صحة المواطنين وأمنهم الغذائي ضحية لهذا الخلل الإداري والرقابي.

وخلال الأسابيع الأخيرة تصاعدت الإعلانات الحكومية عن ضبط كميات ضخمة من السلع والأغذية الفاسدة في عدد من المحافظات، ما أثار تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت هذه الحملات تمثل صحوة حقيقية ومستدامة لحماية صحة المواطنين، أم مجرد موجة تشديد مؤقتة سرعان ما تهدأ ثم تعود الأسواق إلى فوضاها المعتادة.

ففي محافظة بورسعيد أعلنت الأجهزة التنفيذية ضبط كميات كبيرة من مصنعات اللحوم والدواجن الفاسدة داخل منشآت بالمنطقة الصناعية، شملت أكثر من طن من صدور الدجاج، وطنًا آخر من اللانشون، إلى جانب مئات الكيلوغرامات من مصنعات اللحوم المختلفة، وأظهرت الفحوصات أن المضبوطات لا تحمل بيانات واضحة عن المصدر أو تاريخي الإنتاج والصلاحية، فضلا عن وجود تغير واضح في خواصها الطبيعية، ما يشكل خطرا مباشرا على صحة المواطنين.

كما أعلنت وزارة الداخلية ضبط مصنع غير مرخص بمحافظة الغربية لتعبئة المواد الغذائية، عُثر بداخله على أكثر من 14 طنًا من السمن المعبأ داخل عبوات تحمل بيانات وهمية ومضللة، وفي القاهرة تم ضبط مخزن يحتوي على أكثر من 51 طنًا من الشاي والمواد الغذائية المعبأة ببيانات مغشوشة ومقلدة.

ولم تتوقف المخالفات عند الأغذية فقط، بل امتدت إلى المياه والزيوت، حيث تم ضبط مخزن في الدقهلية يقوم بتعبئة مياه عادية وطرحها في الأسواق على أنها “مياه زمزم”، في عملية غش صريحة تستغل ثقة المواطنين ومشاعرهم الدينية، كما أسفرت حملات تموينية بالإسكندرية عن ضبط زيوت وشحوم مجهولة المصدر داخل محطة تموين سيارات، بينما ضُبطت في سوهاج عشرات الأطنان من الردة المغشوشة بعد خلطها بمواد رديئة لزيادة الوزن والحجم على حساب الجودة.

ورغم إعلان جهاز حماية المستهلك تنفيذ مئات الحملات الرقابية وتلقي آلاف الشكاوى من المواطنين خلال الأشهر الماضية، فإن حجم المضبوطات المعلن عنها يثير القلق أكثر مما يبعث على الاطمئنان، لأنه يكشف أن كميات هائلة من السلع الفاسدة والمغشوشة كانت متداولة بالفعل داخل الأسواق وربما وصلت إلى موائد المواطنين قبل اكتشافها.

وقد انعكس هذا القلق بوضوح في ردود فعل المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث رأى كثيرون أن هذه الحملات، رغم أهميتها، لا تزال موسمية ومحدودة، وأنها تكشف فقط جزءا صغيرا من حجم الفساد الغذائي المنتشر، وتساءل كثيرون بقلق عن عدد المرات التي وصلت فيها لحوم أو دواجن فاسدة إلى المستهلكين دون أن يتم كشفها أو الإعلان عنها.

ووصلت القضية إلى البرلمان، حيث تقدمت النائبة صافيناز طلعت بطلب إحاطة بشأن تراجع دور الهيئة القومية لسلامة الغذاء، محذرة من تصاعد ظواهر الغش الغذائي وبيع منتجات مجهولة المصدر أو منتهية الصلاحية، ومؤكدة أن الأمر لم يعد مجرد استغلال اقتصادي للمواطنين، بل تحول إلى تهديد مباشر لصحتهم وحياتهم.

إن مواجهة هذه الأزمة لا تحتاج فقط إلى حملات مفاجئة أو بيانات إعلامية عن الضبطيات، بل تتطلب إصلاحًا جذريًا لمنظومة الرقابة بأكملها، يبدأ برفع كفاءة الأجهزة الرقابية وتحسين أوضاع العاملين بها، مع فرض رقابة صارمة على أدائهم، وتطبيق عقوبات رادعة وسريعة على كل من يعبث بصحة المواطنين أو يتاجر بأرواحهم.

كما أن المطلوب هو تحويل الرقابة من رد فعل مؤقت إلى سياسة دائمة ومستدامة، تقوم على المتابعة اليومية، والشفافية، والمحاسبة الحقيقية، حتى يشعر المواطن أن الدولة تحميه بالفعل، لا أن تكتفي بالإعلان من حين لآخر عن ضبط كميات جديدة من الفساد كانت تتسلل إلى الأسواق في غفلة من الجميع.

ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الحملات إلى بداية حقيقية لإصلاح شامل يضمن سلامة الغذاء ويحمي المواطنين، أم تظل مجرد حملات مؤقتة تكشف حجم الأزمة دون أن تنجح في القضاء عليها؟