شهد البنك المركزي المصري خلال شهري يناير وفبراير سلسلة من عمليات سحب السيولة من البنوك، كان أحدثها في 17 فبراير بسحب 78 مليار جنيه عبر عطاء السوق المفتوحة بمشاركة خمسة بنوك وبسعر فائدة بلغ 19.5%، ويأتي هذا الإجراء في سياق سياسة نقدية تستهدف امتصاص فائض السيولة المتزايد داخل الجهاز المصرفي، بعد أن سجلت السيولة المحلية ارتفاعًا كبيرًا لتصل إلى 14.027 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر الماضي، مقارنة بـ11.212 تريليون جنيه قبل عام، وفق بيانات البنك المركزي المنشورة في تقارير رسمية.
وفي قلب المشكلة المالية في مصر يأتي الاعتماد المتكرر على الاقتراض الداخلي لتمويل عجز الموازنة، وهو نمط أصبح شبه دائم منذ سيطر العسكريون على الحكم بانقلاب 2013.
وعليه يتحول هدف "البنك المركزي" بكبح التضخم وسحب السيولة الزائدة إلى هباء مقابل زيادة السيولة تأتي من عدة مصادر، أهمها: تمويل عجز الموازنة عبر الاقتراض الداخلي، ما يضخ أموالًا جديدة في الاقتصاد، وطباعة النقود بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل تمويل البنوك الحكومية أو شراء أصول وزيادة الإنفاق الحكومي في أوقات معينة، ما يرفع حجم النقد المتداول، وارتفاع الودائع البنكية نتيجة تحويلات أو تدفقات مالية.
وبحسب مراقبين، فإن هذه العمليات تزيد السيولة، ثم يأتي البنك المركزي لاحقًا ليحاول امتصاص جزء منها عندما ترتفع أكثر من اللازم وهي 4 اجراءات تؤكد أن السياسة النقدية (البنك المركزي) والمالية (الحكومة) تعملان في اتجاهين متعاكسين، فالحكومة تحتاج إلى تمويل، فتزيد السيولة والبنك المركزي يريد السيطرة على التضخم، فيسحب السيولة وهو تناقض يحدث في دول كثيرة تمر بمرحلة ضغوط مالية.
بند سداد عجز الموازنة بالاقتراض الداخلي
خلال عام 2026 (حتى فبراير)، ووفق ما نشرته الصحف الاقتصادية وتقارير وزارة المالية والبنك المركزي، اتبعت الحكومة نفس النمط المعتاد؛ طرح أسبوعي تقريبًا لأذون وسندات خزانة، وكل طرح يتراوح بين 30 و60 مليار جنيه، وفي بعض الأسابيع تجاوزت الطروحات 70 مليار جنيه.
وخلال شهري يناير وفبراير 2026 فقط، تم تمويل العجز عبر الاقتراض الداخلي أكثر من 8 مرات، بقيم إجمالية تتجاوز 400 مليار جنيه وهي أرقام ليست مفاجئة، لأن وزارة المالية تعتمد على الاقتراض المحلي بشكل أسبوعي لتغطية الرواتب وتوفير الدعم (المختزل في أضعف حالاته) وفوائد الديون والمصروفات الجارية
وخلال عام 2025 كان أكثر كثافة في الاقتراض الداخلي، مع ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة واضحة في عجز الموازنة وخدمة الدين كانت في أعلى مستوياتها وفق بيانات وزارة المالية.
وطرحت مالية السيسي خلال 2025 أذون وسندات خزانة أكثر من 45 مرة خلال العام بإجمالي اقتراض داخلي تجاوز 2.2 تريليون جنيه وهو أعلى مستوى اقتراض محلي في تاريخ مصر، وصل إلى أنه كل أسبوع تقريبًا كان هناك طرح جديد لتمويل العجز.
افتراضات وأين الواقع؟
ويتساءل مراقبون عن توجه فائض السيولة التي يسحبها البنك المركزي كنا حدث الثلاثاء إلى موازنة الدولة، وكيف أن المفترض أن الأموال التي يسحبها البنك المركزي لا تذهب إلى الحكومة ولا تُستخدم في الرواتب أو المصروفات العامة، وإنما تنتقل هذه الأموال من البنوك التجارية إلى البنك المركزي كودائع مربوطة، وتظل مجمّدة لفترة محددة.
ويفترض أن يتم تمويل الموازنة من مسار مختلف تمامًا ومنها؛ الضرائب، والقروض، وأذون وسندات الخزانة، والتمويل المحلي والخارجي— من عمليات السوق المفتوحة.
سندات المركزي وسندات المالية
وعندما يبيع البنك المركزي سندات خزانة للبنوك، فهو في الواقع يسحب سيولة من السوق، لأن البنوك تدفع أموالًا نقدية مقابل شراء هذه السندات وهذه الأموال تخرج من الجهاز المصرفي وتذهب إلى البنك المركزي، فينخفض حجم النقد المتاح للإقراض أو التداول وهو إجراء مساو لسحب السيولة.
وقال مراقبون: إنه "يختلط الأمر على الناس لنوعين من السندات:
1) سندات تبيعها وزارة المالية
هذه تهدف إلى تمويل الموازنة وسداد الرواتب والدعم وخدمة الدين.
عندما تبيعها الحكومة، فهي تسحب سيولة من البنوك لكنها تستخدمها في الإنفاق العام، فيعود جزء كبير منها إلى السوق مرة أخرى، ما قد يرفع التضخم.
2) سندات يبيعها البنك المركزي
هذه ليست لتمويل الحكومة، بل هي أداة نقدية بحتة لامتصاص السيولة".
الأموال التي يحصل عليها البنك المركزي لا تُصرف، بل تُجمّد، وبالتالي يكون تأثيرها انكماشيًا على السيولة.
طباعة البنكنوت
وعندما تطبع الدولة المزيد من البنكنوت أو تزيد المعروض النقدي عبر أدوات أخرى، فإن حجم الأموال المتداولة يرتفع، سواء داخل البنوك أو خارجها، هذا التوسع يحدث عادة لتلبية احتياجات مالية للدولة، مثل تمويل العجز أو تغطية التزامات عاجلة، وهو ما يظهر في الزيادة الكبيرة في السيولة المحلية التي تجاوزت 14 تريليون جنيه بنهاية العام الماضي.
يرى الخبير المصرفي البارز محمد عبدالعال أن بيانات البنك المركزي خلال عام 2025 تكشف بوضوح عن توسع ملحوظ في حجم البنكنوت المتداول داخل الاقتصاد، فالنقد المتداول خارج الجهاز المصرفي ارتفع إلى 1.443 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2025، مقارنة بـ 1.424 تريليون جنيه في نوفمبر من العام نفسه. ويشير الخبير إلى أن هذا النوع من الزيادة الشهرية لا يحدث عادة إلا في ظل توسع في إصدار النقد أو ارتفاع في الطلب على الكاش، وهو ما يتسق مع الزيادة الكبيرة في السيولة المحلية التي بلغت 14.027 تريليون جنيه بنهاية العام، مقابل 13.853 تريليون في الشهر السابق، ويعتبر أن هذه القفزة تعكس توسعًا نقديًا واضحًا، جزء منه مرتبط بضخ نقد جديد في السوق.
ويضيف "عبدالعال" أن الربع الأول من عام 2026 لم يكن مختلفًا، إذ أظهرت بيانات البنك المركزي ارتفاع النقد المتداول إلى 1.512 تريليون جنيه في يناير، وهو رقم أعلى من مستويات نهاية 2025، وبرغم وصف البنك المركزي للوضع بأنه “انضباط نقدي”، فإن استمرار ارتفاع النقد المتداول يشير إلى أن عملية إصدار البنكنوت لم تتوقف، بل استمرت بوتيرة محسوبة، ربما لتلبية احتياجات تمويلية أو لتغطية التزامات مالية داخل الاقتصاد.
ويؤكد أن هذه الزيادات في النقد المتداول تعني فعليًا أن هناك طباعة نقود جديدة، لأن النقد خارج البنوك لا يرتفع إلا إذا زاد إصدار البنكنوت، فالانتقال من 1.424 تريليون في نوفمبر 2025 إلى 1.512 تريليون في يناير 2026 يعني ضخ ما يقرب من 90 مليار جنيه نقدًا جديدًا خلال أقل من شهرين، ويشير إلى أن هذا الضخ قد لا يكون كله طباعة ورقية مباشرة، بل قد يأتي أيضًا عبر تمويل عجز الموازنة أو ضخ سيولة عبر البنوك الحكومية، لكن النتيجة النهائية واحدة: زيادة الكتلة النقدية المتداولة.
ويحذر من أن التوسع في إصدار البنكنوت يترك آثارًا مباشرة على الاقتصاد، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم، لأن زيادة كمية النقود دون زيادة مقابلة في الإنتاج تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، كما ينعكس ذلك على قيمة الجنيه، إذ يؤدي تضخم المعروض النقدي إلى إضعاف العملة محليًا وخارجيًا. ويضيف أن هذا التوسع يفرض على البنك المركزي اللجوء إلى عمليات سحب سيولة ضخمة—مثل العطاءات التي سحب فيها 78 مليار جنيه في أسبوع واحد—في محاولة لاحتواء آثار التوسع النقدي. ويؤكد أن هذا الوضع يزيد اعتماد البنك المركزي على أدوات السوق المفتوحة لامتصاص السيولة الزائدة ومنع انفلات الأسعار، ما يعكس صعوبة الموازنة بين احتياجات التمويل الحكومي ومتطلبات الاستقرار النقدي.
وقال الخبير الاقتصادي د.مخلص الناظر @Dr_MokhlesNazer إن "النقد الذي تحمله في محفظتك لا يمثل سوى 3–8% من إجمالي الأموال الموجودة في الاقتصاد موضحا أن النسبة المتبقية، وهي 92–97%، فهي أموال تُنشأ بضغطة زر داخل البنوك التجارية من خلال عمليات الإقراض.
وحذر من أن أي زيادة في المال الذي يتعامل به الناس مثل الودائع الادخارية والودائع لأجل الصغيرة وصناديق أسواق النقد للأفراد تعكس قدرة الاقتصاد على خلق الائتمان والتوسع، ارتفاعه السريع غالبًا ما يسبق موجات تضخم، لأنه يعني المزيد من الأموال المتاحة للإنفاق والاستثمار.
أما الودائع الكبيرة وصناديق أسواق المال المؤسسية واتفاقيات إعادة الشراء (Repos)، وأدوات مالية تُستخدم في النظام المصرفي وشركات الاستثمار تعتبر سيولة ضخمة لا يراها المواطن مباشرة، لكنها تمثل الجزء الأكبر من الأموال المستخدمة داخل الأسواق المالية والقطاع المؤسسي، وتؤثر على أسعار الأصول والائتمان.
وشدد على أن النظام النقدي المعاصر لا يعتمد على الطباعة المادية للنقود، بل على خلق الائتمان عبر البنوك، عندما تحصل على قرض أو تمويل عقاري، يتم “خلق” مال جديد في النظام.
لكن عندما ترتفع السيولة إلى مستويات تهدد بزيادة التضخم، يتدخل البنك المركزي بسحب جزء منها عبر عطاءات السوق المفتوحة، هذه العملية لا تلغي التوسع النقدي السابق، لكنها تعمل كفرامل تمنع السيولة الزائدة من التحول إلى موجة تضخمية جديدة. بمعنى آخر، البنك المركزي يضطر أحيانًا إلى امتصاص سيولة كان الاقتصاد قد ضُخّت فيه بالفعل.
وقال رئيس قطاع البحوث في الأهلي فاروس هاني جنينة، في تصريحات: إنه "يتوقع أن يخفض البنك المركزي الفائدة مجددا إلى 2% للاحتياطي الإلزامي لإتاحة السيولة للبنوك للإقراض مع تراجع فوائض البنوك التجارية من تريليون جنيه إلى 80 مليار جنيه فقط".
وأضاف أن البنوك تدخلت لتمويل عجز الموازنة بعد توقف البنك المركزي عن تمويلها وأن البنوك لا تٌقيم بربحيتها، لكن أيضًا بمستويات المخاطر لأن الربحية المرتفعة كان يتم الاحتفاظ بها لتعزيز رأس المال للتحوط من المخاطر، لذلك بالنسبة للمستثمر هي أرباح ورقية لكن حتى لو تباطأ نمو الأرباح لكن متوقع إتاحة توزيعات أكبر للمساهمين.
