أنصار النظام الفيدرالي حاضرون في المشهد الليبي، وربما هم أكثر مما كانوا عليه في بداية الطرح الفيدرالي، غير أنه كان طرحا مأزوما في بدايته، وشابه ما شاب غيره من الطروحات السياسية من تطور وتحول، وأزمته كانت في أنه قدم في قالب منفر ومخيف في الأشهر الأولى من الثورة، كما كان طرح بعض المكونات الفكرية والسياسية منفرا ومخيفا، ومن ذلك طرح التيار الإسلامي المتشدد، والليبراليين ممن تسموا بالتيار المدني في ذلك الوقت.
كان الوضع السياسي والأمني شديد الحساسية، فالتدافع كان في أوجه بين فبراير وسبتمبر، والمواجهات طاحنة، وفي مناطق قريبة جدا من معقل الثورة بنغازي، وما كان يناسب هذا الوضع الحرج هو الخيارات الجامعة، والمبادرات المحصنة للتغيير والداعمة له، لذا بدأت الدعوات المجنحة منفرة ومخيفة، وأخص هنا الطرح الفيدرالي، الذي اتخذ مطية، آنذاك، من قبل من كانوا ركائز النظام المركزي المقيت، وأعني قيادات بارزة في النظام السابق، واجتماع "مصنع الصابون" يلخص المقصود.
التقيت في تلك الفترة بالدكتور أبوبكر بعيرة، وهو من المتحمسين والمؤيدين للتوجه الفيدرالي وقتها، وذكرت له أنه كان الأجدر بقامة علمية وخبرة عملية مثله أن يقدم الفكرة في قالب مختلف ووسيلة مبتكرة، كعقد مؤتمر علمي موسع تطرح فيه بحوث تعالج ملاءمة النظام الفيدرالي للحالة الليبية وتستدعي تجارب مماثلة في العالم العربي وخارجه، أو تناوله من خلال دراسة معمقة تعرض من خلال مؤتمر صحفي وتجرى حول نتائجها حوارات جادة، ليكون المدخل في عرض هذا البديل علميا رصينا، بدل الخطاب والحراك الذي غلبت عليه النزعة الجهوية، وحاولت أطراف تجييره لمكاسب خاصة.
الفرقاء السياسيون والمكونات المختلفة من إسلاميين وليبراليين يتحملون المسوؤلية في جر البلاد إلى مستنقع التأزيم خلال العقد الماضي، ولقد كان لمن انخرطوا في التوجه الفيدرالي نصيبهم في ذلك، وسابقة إغلاق موانئ وحقول النفط خلال الأعوام 2013 ـ 2017م، والتي كان لها أثرها المباشر في جر البلاد إلى أزمتها الاقتصادية الراهنة، عنوان بارز على الأثر السلبي للتوجه الفيدرالي وقتها. ونتذكر أن الوضع لم يقف عند إغلاق الموانئ والحقول بحجة سرقة النفط من قبل تيار سياسي خصم يقبع في طرابلس، بل انتقل إلى مستوى أعلى بالإعلان عن تشكيل حكومة "جهوية" ساهم في الترتيب لها قيادات داعمة للفدرالية.
اليوم يبرز الخطاب الفيدرالي بتميز نسبي عن مواقف الجهويين المتشددين، وأولئك المغرضين المستنفعين الذين صدعوا رؤوس الليبيين بطرحهم الجهوي وما أن تحصلوا على ما سعوا من أجله من مال ونفوذ انقلبوا وصاروا سدنة المنتظم المركزي المصلحي النفعي،
النزوع الجهوي كان الوقود للطرح الفيدرالي، وهو نزوع تخطى القدر المقبول من الجهوية، وكانت الأخيرة غطاء للنزوع الجهوي المتشدد، حتى تجاوز هذا النزوع القالب الفيدرالي ليقفز إلى مشروع التقسيم، وليكون سببا مباشرا في ردة فعل جهوية في الغرب، لم تكن حاضرة بتأطيرها السياسي قبل ذلك.
اليوم يبرز الخطاب الفيدرالي بتميز نسبي عن مواقف الجهويين المتشددين، وأولئك المغرضين المستنفعين الذين صدعوا رؤوس الليبيين بطرحهم الجهوي وما أن تحصلوا على ما سعوا من أجله من مال ونفوذ انقلبوا وصاروا سدنة المنتظم المركزي المصلحي النفعي، أيضا تحدث من كانوا يوما مناهضون للطرح الفيدرالي عن إمكانية أن يكون هو الحل للأزمة الليبية، باعتبار أن الوضع تعقد شكل كبير وخطير، وفي هكذا حالات يكون سقف التطلعات منخفضا ومضمون المقاربات واقعيا، وليس النموذج الأكمل والأمثل الذي كان ممكنا في بدايات التغيير العام 2011م.
غير أن القول بإمكانية أن يكون النظام الفيدرالي هو الحل للأزمة الليبية اليوم يحتاج إلى تقييم، صحيح أن الصراع اليوم يدور بين جبهتي الغرب والشرق على السلطة والموارد، لكن محركه نوازع مصلحية، شخصية وعائلية، وتديره فواعل لن يلجمها التوافق على نظام الحكم، فيدراليا كان أو مركزيا.
عند البحث في مقاربة لحل الأزمة الليبية ينبغي أن ننظر إلى الحالة وكأنها جسد إنسان، الاعتنا به وتنميته مهم، غير أن تعافيه من مرضه ثم نهضته وتقدمه إنما يقوم أيضا على نقاء روحه وطهر نفسه، فالقالب مهما كان مثاليا وملائما، لن يجدي والجوهر فاسد وخبيث، ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
أيضا فإن حالة التفتت والتفكك ضاربة أطنابها في كل جبهة، فهل سينهي النظام الفيدرالي حالة الاستقطاب ضمن "الاقاليم" والصراع الدائر داخلها بين مكونات مختلفة وفواعل متنفذة تتوسل المال والسلاح كوسيلة لتعظم المصالح، أم أننا سنلجأ إلى فيدراليات ضمن المنظومة الفدرالية "الأم"، فالغرب منقسم ومتصارع ليس بين المدن الرئيسية فحسب، طرابلس ومصراتة والزاوية والزنتان..ألخ، بل داخل كل مدينة هناك استقطابات حادة تغذيها القبلية والمناطقية.
عندما تحدث "ابريك اللواطي" عن استئثار قبائل في الشرق بنفوذ متعدد، العبيدات البرلمان والبراعصة الحكومة..الخ، وكان نصيب العواقير الموت، في إشارة لمشاركة أعداد كبيرة منهم في حرب بنغازي، فهو يعبر عن حالة نزوع مركبة، الاعتقاد بان الفيدرالية حل لها سيكون من قبيل الوهم.
إعادة النظر في فلسلفة الحكم وهيكله مسألة جوهرية عند البحث عن مخرج للأزمة الليبية، وكذلك الموارد الاقتصادية والمالية، لكن التوقف عندها والإصرار عليها سيكون سببا في إطالة الأزمة بإعطائها وجها جديدا.
عند البحث في مقاربة لحل الأزمة الليبية ينبغي أن ننظر إلى الحالة وكأنها جسد إنسان، الاعتنا به وتنميته مهم، غير أن تعافيه من مرضه ثم نهضته وتقدمه إنما يقوم أيضا على نقاء روحه وطهر نفسه، فالقالب مهما كان مثاليا وملائما، لن يجدي والجوهر فاسد وخبيث، ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

