رئيس الأركان في السودان.. سحب الخرطوم لمربع تحالف الثورات المضادة تحت لافتة التعاون

- ‎فيتقارير

انطلقت في العاصمة السودانية الخرطوم، اليوم الثلاثاء، مباحثات عسكرية سودانية مع نظام الانقلاب في مصر، تتناول سبل تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين في كافة مجالات التعاون العسكري.

المباحثات ترأسها رئيسا الأركان في القوات المسلحة السودانية والقوات المسلحة التابعة للجنرال عبد الفتاح السيسي، بعد أيام من تحرير قوات الأمن السودانية 5 جنود مصريين من قبضة مجموعة ليبية اختطفتهم على الحدود المصرية الليبية.

في كلمته تطرق رئيس أركان الجيش السوداني، الفريق كمال عبد المعروف، إلى أن التعاون العسكري الاستراتجي بين البلدين يراد له أن يكون نموذجا للتعاون في المنطقة، وأكد أن الاجتماعات تُرسي لعهد جديد من التعاون لمواجهة المخاطر والتحديات الإقليمية والدولية. موضحا أن المطلوب من الخرطوم والقاهرة بناء شراكات استراتيجية لضبط الحدود ومكافحة الاتجار بالبشر، وتهريب السلاح والمخدرات، مؤكدا استعداد السودان لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه والخروج بخطة مشتركة تخدم مصالح البلدين. لكنه رهن التعاون الأمني بين البلدين بتطورات العلاقات السياسية والاقتصادية، ما يؤكد أن تقارب الخرطوم مع معسكر تحالف الثورات   المضادة يستهدف في المقام الأول تعزيز الوضع الاقتصادي المتدهور في السودان ووقف تراجع قيمة العملة المحلية أمام الدولار.

وكانت الخرطوم قد اقترحت، في وقت سابق، على القاهرة تشكيل قوات مشتركة على الحدود. ولم يبين الطرفان إذا ما تمت مناقشة المقترح خلال مباحثات اليوم.

وفي كلمته ركز فريد حجازي، رئيس أركان قوات السيسي، على ضرورة التنسيق الكامل ودعم المصالح الاسترتيجية للبلدين في تأمين الحدود ومحاربة الإرهاب، وتعزيز تأمين البحر الأحمر، ومواجهة تداعيات الصراع والتوتر في الإقليم. كما دعا حجازي إلى “إدارة علاقات البلدين بما يضمن حمايتها من أية محاولات لتعكير صفوها وتخريبها”.

تحولات المشهد الإقليمي

وشهدت العلاقات بين البلدين توترًا خلال السنوات الماضية، يتعلق بالخلافات الحدودية حول مثلث حلايب وشلاتين المتنازع عليه بين البلدين، وتباين المواقف بشأن سد النهضة الإثيوبي، إضافة إلى اتهام كل طرف للآخر بدعم معارضي الطرف الآخر، كما أفضت الحرب الإعلامية والتطاول على الرئيس السوداني إلى سحب السفير السوداني من القاهرة في يناير الماضي، قبل أن تشهد العلاقات بين البلدين تطورا نحو التقارب في ظل أنباء عن ضغوط سعودية إماراتية على الخرطوم بمزيد من الدعم الاقتصادي، بشرط الابتعاد عن المعسكر التركي القطري.

ويأتي التقارب بين البلدين في ظل تطورات شهدتها المنطقة:

الأول: هو المصالحة الإثيوبية الإريترية وما يفضي ذلك من تحولات على المسارات السياسية والاقتصادية، وهو ما ينعكس على المصالح المتبادلة لكل الأطراف مع كل من إثيوبيا وإريتريا.

الثاني: نجاح السودان في تحقيق مصالحة بين فرقاء الجنوب لتقاسم السلطة، وهي التسوية التي تنهي صراعًا دمويًّا استمر لسنوات.

الثالث: أن هذا اللقاء يعتبر الثاني لمسئول كبير بنظام الانقلاب للخرطوم خلال عشرين يوما؛ حيث زار الجنرال السيسي الخرطوم يومي 19 و20 يوليو الماضي، وأجرى مباحثات مع الرئيس السوداني سياسيا واقتصاديا وأمنيا، تستهدف تعزيز التعاون المشترك مع دول تحالف الثورات المضادة، ومواجهة النفوذ التركي القطري في القرن الإفريقي.

وردا على دعوة فريد حجازي لإقامة مشروعات إنتاج حربي مشترك بين البلدين، تعهد رئيس الأركان السوداني بدراسة ما تطرق إليه حجازي ووصفه بالمشروعات الكبيرة.

حصار النفوذ التركي

وبحسب مراقبين، فإن تحالف الثورات المضادة يسعى إلى محاصرة الوجود التركي في منطقة البحر الأحمر من جهة، والضغط على قطر من جهة أخرى؛ وفي هذا السياق، كشفت مصادر مصرية دبلوماسية وسياسية مقربة من السلطات الحاكمة، أنّ الزيارة الأخيرة التي قام بها السيسي إلى السودان، تضمّنت مناقشات مع نظيره السوداني عمر البشير، متعلقة بتحركات هذا التحالف تستهدف العلاقات القوية بين الخرطوم والدوحة. وأشارت المصادر إلى أنّ “هناك مساعي مصرية وخليجية لمحاصرة المصالح القطرية والتركية في تلك المنطقة بعد تنامي النفوذ التركي فيها”، لافتةً إلى أنّ المشاورات “تضمّنت عرضا بالحدّ من الاستثمارات والمصالح والتعاون القطري في السودان، مقابل تعويض الخرطوم بحزمة مساعدات سخيّة، تتعهد بها كل من أبو ظبي والرياض، بحيث تعوّض الخرطوم عن المساعدات والاستثمارات القطرية والتركية”.

ويعطي تحالف الثورات المضادة أهمية بالغة في الوقت الراهن للسودان لأهميته في منطقة البحر الأحمر، وباعتبارها بوابة مهمة للسيطرة على المنطقة، بعد دخول كل من أبو ظبي والرياض سباق شراء نفوذ في منطقة القرن الإفريقي، لافتةً إلى أنّ “السعودية وبعد استمالتها النظام السوداني لاستمرار القوات التابعة للخرطوم في المشاركة في الحرب التي تقودها في اليمن ضدّ الحوثيين، مقابل حزمة من المساعدات المالية والبترولية، جاء الوقت عليها الآن لضم السودان، للعب دور مساند للتحالف السعودي- الإماراتي في مساعيه الرامية إلى بسط نفوذ واسع في البحر الأحمر، خصوصا بعد تمكّن الإمارات من لعب دور كبير في إتمام المصالحة التاريخية بين إثيوبيا وإريتريا عبر تأمين اقتصاد البلدين باستثمارات مباشرة وودائع بالدولار”.

وتخلل زيارة السيسي التي تعدّ الرابعة إلى الخرطوم خلال عامين، بحث العلاقات بين البلدين على صعد عدة. وعلى صعيد الاقتصاد وهو الملف الأكثر إلحاحا لدى السودان، شهدت الزيارة توقيع اتفاق بين الطرفين على فتح المعابر الحدودية الثلاثية بشكل يتيح تدفّق البضائع المصرية على الحدود السودانية بعد حظر امتد لأشهر، إضافة إلى حركة مكثفة لعبور المواطنين من الجانبين. كما اتفق الطرفان على إنشاء خط ناقل للكهرباء بتكلفة ستين مليون دولار، بحيث تمد القاهرة الخرطوم بـ300 ميغاوات خلال الشهرين المقبلين، على أن يعقب ذلك إضافة 600 ميغاوات في مرحلة لاحقة، لتصل بعد ذلك تباعاً إلى ثلاثة آلاف ميغاوات.

الخلاصة أن سياسات التقارب من جانب النظام العسكري في مصر تستهدف جرّ الخرطوم نحو مربع تحالف الثورات المضادة لمواجهة تمدد النفوذ التركي القطري في منطقة البحر الأحمر وعمق القارة الإفريقية، خصوصا وأن السودان اتخذ موقفًا وسطًا خلال أزمة حصار قطر، وسعى لتحقيق مكاسب من كل الأطراف، وهو ما لم يرض الإمارات التي تضغط من أجل ضمان انحياز الخرطوم لمعسكرها. كما يستهدف ثانية ضبط الحدود بين البلدين لمواجهة عمليات التهريب وما يسمى بالإرهاب. وتستهدف ثالثا تخلي الخرطوم عن دعم المهاجرين من جماعة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية الذين هاجروا إلى السودان فرارا من بطش نظام العسكر ودمويته المفرطة. وهو ما بدأت بوادره في الظهور خلال السنة الماضية بترحيل عدد من قيادات وعناصر الجماعة لدول أخرى.