مع بداية كل عام دراسي، تتجدد معاناة الأسر المصرية مع فاتورة التعليم،بزمن المنقلب السفيه السيسي، ولا تقتصر الأعباء على المصروفات المدرسية والأدوات والملابس والدروس الخصوصية، بل تمتد إلى الكتب الخارجية التي تحولت من وسيلة مساعدة للطالب إلى احتياج شبه أساسي تفرضه طبيعة المناهج والامتحانات.
وخلال الفترة الأخيرة، تصاعدت شكاوى أولياء الأمور من الارتفاع الكبير في أسعار السلاسل التعليمية المطبوعة، في وقت تواجه فيه الأسر ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للدخل.
وتكشف جولة في أسواق المكتبات عن زيادات ملحوظة في أسعار الكتب باختلاف المراحل التعليمية؛ إذ يصل متوسط سعر الكتاب الواحد في الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية إلى نحو 195 جنيهاً، بينما يقترب من 220 جنيهاً في الصفوف الابتدائية العليا.
وفي المرحلة الإعدادية، يدور متوسط سعر الكتاب حول 240 جنيهاً، بينما تقفز الأسعار بصورة أكبر في المرحلة الثانوية العامة، حيث تجاوز سعر بعض الكتب الخارجية 900 جنيه للمادة الواحدة.
ولا تتوقف الزيادات عند هذا الحد، إذ ترتفع أسعار الكتب المخصصة لمدارس اللغات بنسب تتراوح بين 30% و50% مقارنة بالكتب الأخرى، ما يضاعف التكلفة النهائية التي تتحملها الأسر التي لديها أكثر من طالب.
رحلة البحث عن الأرخص
في منطقة المنشية وسط الإسكندرية، تبدو حركة شراء الكتب الخارجية كأنها رحلة بحث عن أقل تكلفة ممكنة، لا عن أفضل سلسلة تعليمية.
أمام أرفف المكتبات، يقارن أولياء الأمور بين الأسعار والمحتوى، فيما يحاول البعض تقليص قائمة المشتريات إلى الحد الأدنى، بينما يلجأ آخرون إلى شراء الكتب بالتدريج أو البحث عن نسخ مستعملة.
ويقول إبراهيم العبد، صاحب مكتبة لتوزيع الكتب بالجملة، إن حركة البيع خلال الموسم الحالي تشهد تراجعاً ملحوظاً في القوة الشرائية رغم استمرار توافد المواطنين على المكتبات.
ويعزو العبد الارتفاعات السعرية إلى زيادة تكاليف التشغيل والإنتاج، مشيراً إلى أن أسعار بعض الكتب ارتفعت بنحو 20%، في ظل ارتفاع تكاليف النقل وتحديث المناهج وإضافة وسائل تفاعلية ورموز الاستجابة السريعة (QR) إلى الكتب.
لكن ارتفاع الأسعار دفع العديد من الأسر إلى اتباع حلول اضطرارية، من بينها شراء الكتب الخاصة بالمواد الأساسية فقط، وتأجيل شراء بقية السلاسل، أو اللجوء إلى سوق الكتب المستعملة.
الكتاب الخارجي أصبح ضرورة
بالنسبة إلى الأسر، لا تبدو الكتب الخارجية مجرد خيار إضافي يمكن الاستغناء عنه بسهولة. تقول نجلاء عبد العزيز، ربة منزل وأم لطالبين في المرحلتين الإعدادية والثانوية، إن السلاسل التعليمية أصبحت بالنسبة إلى كثير من الأسر بمثابة ضرورة، خصوصاً مع طبيعة الامتحانات الحالية واعتماد الطلاب عليها في التدريب والمراجعة.
وتوضح أنها اضطرت هذا العام إلى الاتفاق مع جيرانها لتبادل الكتب القديمة بين أبنائهم، وتصوير الصفحات الناقصة، في محاولة لتقليل الفاتورة النهائية التي كان يمكن أن تلتهم جزءاً كبيراً من ميزانية الأسرة المخصصة للطعام والخدمات الأساسية.
وترى أن الاعتماد على النسخ الإلكترونية ليس بديلاً عملياً دائماً، بسبب إرهاق الطلاب من القراءة عبر الشاشات وعدم قدرة الوسائل الرقمية على تعويض الكتاب الورقي بالنسبة إلى كثير من الأسر.
ويشاركها محمد علي، أحد أولياء الأمور، القلق نفسه، مؤكداً أن الأسر التي لديها أكثر من طالب أصبحت أمام خيارات صعبة، إما تخصيص جزء كبير من ميزانية الأسرة لشراء الكتب، أو محاولة تقليل المشتريات بما قد يؤثر على استعداد أبنائها للدراسة والامتحانات.
ويشير إلى أن الكتب الخارجية أصبحت أكثر أهمية في ظل انتشار الدروس الخصوصية، بينما تراجع اعتماد الطلاب على الكتب المدرسية الرسمية، مطالباً وزارة التربية والتعليم بتطوير الكتاب الحكومي بحيث يصبح أكثر فائدة للطلاب، إلى جانب التدخل لضبط الارتفاعات الكبيرة في أسعار الكتب الخارجية.
تراجع دور الدولة يترك السوق للناشرين
ولا ترتبط أزمة الكتاب الخارجي بالأسعار وحدها، وإنما تكشف، وفق منتقدين، عن اتساع الفجوة بين دور الدولة في العملية التعليمية وبين ما يواجهه المواطن فعلياً داخل السوق.
فمع تراجع جودة الكتاب المدرسي الرسمي أو عدم كفايته بالنسبة إلى احتياجات الطلاب، أصبح الكتاب الخارجي جزءاً من منظومة تعليمية موازية يعتمد عليها ملايين الطلاب، بينما تظل عملية تسعيره خاضعة بدرجة كبيرة لآليات السوق.
وتزداد المشكلة مع ضعف الإنفاق على بعض المرافق التعليمية، وهو ما يضطر إدارات مدارس في بعض الحالات إلى تحمل نفقات مرتبطة بالمرافق والتجهيزات، بحسب ما تطرحه شكاوى ومتابعات محلية، في صورة تعكس اتساع الفجوة بين احتياجات العملية التعليمية والموارد المتاحة لها.
وفي سوق الكتب الخارجية، يظهر غياب الدولة بصورة مختلفة، إذ يترك المواطن في مواجهة أسعار تحددها دور النشر والسوق، من دون وجود آلية واضحة تضمن سعراً عادلاً يوازن بين تكلفة الإنتاج وهامش ربح الناشر وقدرة الأسر على الدفع.
لا مبرر لهذه الزيادات
وتصطدم مبررات ارتفاع أسعار الكتب الخارجية المتعلقة بزيادة تكلفة الطباعة بتصريحات من داخل القطاع التجاري نفسه، حيث ينفي عمرو خضر، رئيس شعبة تجار الورق بالغرفة التجارية في القاهرة، وجود مبرر منطقي أو سوقي لبعض الزيادات الكبيرة في أسعار الكتب الخارجية.
ويشير إلى أن أسعار خام الورق شهدت تراجعاً محلياً وعالمياً، موضحاً أن سعر طن الورق المحلي انخفض بنحو 4 آلاف جنيه، بعدما كان يدور حول 50 ألف جنيه للطن، فيما تراجعت الأسعار العالمية للورق بنسبة تراوحت بين 7% و8%.
ويرى خضر أن استمرار ارتفاع أسعار الكتب رغم انخفاض تكلفة أحد أهم مدخلات الإنتاج يثير تساؤلات حول هوامش الربح وآليات التسعير التي تتحمل الأسر نتائجها النهائية.
الكتاب الحكومي في مواجهة المنتجات التجارية
من جانبه، يرى الدكتور سمير النيلي، الخبير التربوي ومدير التعليم الأسبق، أن الأزمة لا يمكن اختزالها في ارتفاع أسعار الورق أو تكاليف الطباعة، وإنما ترتبط بصورة أساسية بتراجع القيمة التنافسية للكتاب المدرسي الرسمي أمام الكتب التجارية.
ويشير النيلي إلى أن نقص الأدلة التدريبية المجانية والكافية، إلى جانب التعديلات المتكررة على المناهج، يدفع الأسر إلى البحث عن مصادر إضافية للمذاكرة والتدريب، وهو ما يعزز مكانة الكتب الخارجية في العملية التعليمية.
وبمرور الوقت، يتحول الكتاب الخارجي من منتج اختياري إلى سلعة شبه إلزامية بالنسبة إلى شرائح واسعة من الطلاب، خصوصاً في المراحل التي ترتبط فيها نتائج الامتحانات بمستقبل الطالب التعليمي.
ويرى الخبير التربوي أن هذه الحالة تستدعي رقابة أكثر فاعلية على السوق، بما يضمن عدم تحميل الأسر زيادات غير مبررة، إلى جانب إعادة النظر في مستوى الكتب الرسمية ومدى قدرتها على تلبية احتياجات الطلاب.
التعليم يتحول إلى فاتورة مفتوحة
وتكشف أزمة الكتب الخارجية عن جانب أوسع من أزمة التعليم في مصر؛ فمع بداية العام الدراسي، تجد الأسرة نفسها أمام قائمة متزايدة من النفقات، تبدأ من المصروفات والأدوات المدرسية ولا تنتهي عند الكتب والدروس والمواصلات.
وتزداد وطأة هذه المصروفات على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، التي تضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها لمواجهة متطلبات العام الدراسي، فيما يصبح وجود أكثر من طالب في الأسرة عاملاً مضاعفاً للضغط المالي.
وفي ظل هذه الظروف، تبدو الحاجة ملحة إلى استعادة دور الدولة في توفير تعليم أكثر اعتماداً على المدرسة والكتاب الرسمي، بدلاً من دفع الأسر تدريجياً نحو سوق تعليمية موازية تتسع تكلفتها عاماً بعد آخر.
كما يتطلب الأمر تطوير الكتاب المدرسي الرسمي، وتوفير مواد تدريبية مجانية وفعالة، وتعزيز الرقابة على سوق الكتب الخارجية، بما يمنع استغلال حاجة الطلاب والأسر ويضمن وجود تسعير أكثر عدالة.
فالمشكلة لم تعد مجرد ارتفاع سعر كتاب، وإنما أصبحت جزءاً من فاتورة تعليم تتسع باستمرار، بينما تتحمل الأسر الجانب الأكبر منها في وقت تتراجع فيه قدرتها على مواجهة موجات الغلاء وتآكل الدخل.