بعد 5 سنوات.. البنك الدولي يرصد تعثر استغلال قروض تطوير السكك الحديدية في مصر

- ‎فيتقارير

كشف تقرير حديث للبنك الدولي عن مشروع تحسين السكك الحديدية والسلامة في مصر (RISE) عن استمرار تعثر تنفيذ المشروع، بعد نحو خمس سنوات من توقيع اتفاقية القرض، إذ لم تتجاوز قيمة المبالغ التي جرى صرفها والاستفادة منها نحو نصف إجمالي التمويل المخصص لتحديث قطاع السكك الحديدية على محور الإسكندرية – القاهرة – نجع حمادي.

ويشير التقرير إلى أن المشروع واجه على مدار سنوات التنفيذ عددًا من الصعوبات والتحديات، انعكست على معدلات الإنجاز وعلى عدد من مؤشرات الأداء والسلامة التي جرى اعتمادها لقياس مدى نجاحه، وسط تأخر واضح في تنفيذ بعض مكوناته الرئيسية.

وبحسب التقرير المنشور في 19 أغسطس 2026، بلغت القيمة المعدلة للقرض نحو 421.2 مليون دولار، جرى صرف 200.8 مليون دولار منها فقط، بما يعادل نحو 47.7% من إجمالي قيمة القرض، بينما كانت القيمة الأصلية للتمويل قبل التعديل تبلغ 440 مليون دولار.

 

تعثر في التنفيذ على خط القاهرة – بني سويف

يستهدف مشروع RISE تحديث أعمال الإشارات على خمسة قطاعات من شبكة السكك الحديدية الممتدة من الإسكندرية إلى نجع حمادي، بهدف رفع مستويات السلامة وتحسين الكفاءة التشغيلية للخدمة.

ويضم المشروع ثلاثة مكونات رئيسية تتعلق بتحسين السلامة والكفاءة التشغيلية، وإدخال نظام لإدارة الأصول الآمنة، إلى جانب تنفيذ المشروع ودعم التنمية المؤسسية والموارد البشرية داخل الهيئة القومية لسكك حديد مصر.

رصد البنك الدولي بؤرًا رئيسية للتأخير، تتركز بصورة خاصة على خط القاهرة – بني سويف، حيث سجل تنفيذ الأعمال تأخرًا كبيرًا مقارنة بالجدول الزمني الأصلي للمشروع.

كما أشار إلى استمرار الصعوبات المتعلقة بتصميم وتطبيق نظام إدارة السلامة، إلى جانب تحديات تدريب وتأهيل الكوادر البشرية في الهيئة القومية لسكك حديد مصر، رغم أهمية هذا النظام في ترسيخ ثقافة السلامة والحد من مخاطر الحوادث.

وأكد البنك أن الأهداف المتعلقة بتحسين السلامة وجودة خدمات السكك الحديدية ما زالت قابلة للتحقيق، لكنها قد لا تُنجز بالكامل ضمن الموعد الحالي لإغلاق المشروع، والمحدد في 30 سبتمبر 2027، ما لم يجرِ تمديد الجدول الزمني للتنفيذ.

 

خطط الحريق متوقفة في 8 محطات

ومن أبرز ما كشفه التقرير، البطء الشديد في تطبيق إجراءات السلامة ومكافحة الحرائق داخل المحطات والورش المستهدفة.

فمن أصل 10 محطات يستهدف المشروع تطبيق خطط وإجراءات السلامة ومكافحة الحريق بها، لم تنفذ الهيئة هذه الإجراءات سوى في محطتين فقط، بينما ظلت 8 محطات دون استكمال المستهدف، بما يعكس نسبة تعثر تصل إلى نحو 80% في هذا المكون.

ويزداد حجم التأخير وضوحًا في ملف مزلقانات المشاة الآمنة، إذ يستهدف المشروع تركيب وتشغيل 10 مزلقانات مشاة مطورة مزودة بحواجز بحلول نهاية المشروع، بينما تُسجل البيانات الرسمية قيمة فعلية قدرها صفر حتى موعد التقرير.

وتكشف هذه المؤشرات عن فجوة كبيرة بين الأهداف التي وضعت عند إطلاق المشروع وبين ما تحقق فعليًا على الأرض، خصوصًا في الملفات المرتبطة مباشرة بسلامة الركاب والعاملين.

 

مؤشرات الأداء.. تقدم محدود

لم يقتصر رصد البنك الدولي على معدلات تنفيذ الأعمال، وإنما امتد إلى عدد من مؤشرات الأداء التي يُفترض أن تعكس أثر المشروع على واقع قطاع السكك الحديدية.

وأشار التقرير إلى استمرار تأخر الهيئة القومية لسكك حديد مصر في تنفيذ عدد من الإصلاحات المؤسسية، من بينها إصلاح يتعلق بربط ميزانية السكك الحديدية بالأداء الفعلي.

وأدى عدم تفعيل هذا الإصلاح إلى تعليق دفعة مالية تبلغ 29 مليون دولار، وصنفها البنك الدولي ضمن التمويلات غير المستحقة للصرف في الوقت الراهن.

ويستند هذا الإصلاح إلى ربط التمويل الحكومي للهيئة بمؤشرات أداء قابلة للقياس، بحيث لا يكون الدعم المالي منفصلًا عن مدى تحقيق نتائج فعلية في التشغيل والسلامة والكفاءة.

 

إصابات العمل تتجاوز المستهدف

وضع البنك الدولي عند الاتفاق على القرض مجموعة من المؤشرات الكمية لقياس نجاح المشروع، إلا أن مراجعة البيانات الواردة في التقرير تكشف استمرار فجوات في عدد من تلك المؤشرات.

وفي ما يتعلق بالسلامة المهنية، بلغ معدل إصابات العمل 0.27 إصابة لكل 100 ألف ساعة عمل في ديسمبر 2025، مقارنة بمعدل بلغ 0.30 في ديسمبر 2020.

ورغم التحسن المحدود، فإن المعدل الحالي لا يزال أعلى من المستوى المستهدف الذي يُفترض الوصول إليه في مارس 2027، والبالغ 0.24 إصابة لكل 100 ألف ساعة عمل.

كما لم يسجل التقرير تقدمًا ملموسًا في عدد من مؤشرات السلامة الأخرى، ومن بينها معدلات الوفيات والإصابات المرجحة على الخط المستهدف بالتطوير، إضافة إلى الوفيات والإصابات الخطيرة الناتجة عن اصطدام القطارات بعضها ببعض، أو اصطدامها بالمشاة والمركبات.

 

قرض جديد.. مشكلة قديمة

ويربط التقرير الجديد للبنك الدولي بين ما يحدث في مشروع السكك الحديدية وبين نمط أوسع يتعلق بتأخر تنفيذ مشروعات ممولة بقروض دولية، وعدم الاستفادة الكاملة من التمويلات المتاحة في المواعيد المحددة.

وسبق أن رصد الجهاز المركزي للمحاسبات ملاحظات مشابهة بشأن عدد من القروض المرتبطة بقطاع النقل والسكك الحديدية.

ففي تقريره بشأن الحساب الختامي للعام المالي 2023/2024، أشار الجهاز إلى قرض بين الحكومتين المصرية والكورية الجنوبية لتطوير نظم إشارات السكك الحديدية في خط نجع حمادي – الأقصر، بدأ سريانه في أكتوبر 2018.

وبحسب ملاحظات الجهاز، لم يتجاوز ما جرى سحبه من القرض حتى 30 يونيو 2024 نحو 46.7 مليون دولار، بما يعادل حوالي 40.6% من قيمته.

وربط الجهاز المركزي للمحاسبات هذا التأخر بعدم إعداد الدراسات الفنية المناسبة اللازمة للمشروع، وهو ما أدى، بحسب ملاحظاته، إلى التأخر في التنفيذ.

 

مترو القاهرة.. تمويل دون استفادة كاملة

وامتدت الملاحظات إلى مشروع تطوير وتجديد الخط الأول لمترو القاهرة، المرتبط بقرض من بنك الاستثمار الأوروبي.

فقد أشار الجهاز المركزي للمحاسبات إلى عدم استفادة الحكومة بصورة فعالة من القرض منذ توقيعه وحتى 30 يونيو 2024، باستثناء سحب شرائح محدودة للغاية، بلغت في بعض الحالات نحو 1% من قيمة القرض.

وكانت الملاحظة نفسها قد وردت في تقارير سابقة للجهاز، ما يشير إلى استمرار المشكلة وعدم ارتباطها بمشروع واحد أو جهة تمويل واحدة.

وخلال مناقشة الحساب الختامي للعام المالي 2022/2023 أمام مجلس النواب في مايو 2024، وصف النائب أحمد البرلسي الأمر بأنه «كارثة»، مشيرًا إلى أن الدولة تتحمل فوائد وعمولات على قروض لم تستفد منها بالقدر الكافي.

 

بنك التنمية الأفريقي يرصد تأخرًا مماثلًا

الملاحظات نفسها ظهرت في تقارير مؤسسات تمويل دولية أخرى. ففي يونيو 2025، كشف تقرير صادر عن بنك التنمية الأفريقي بشأن مشروع تحديث السكك الحديدية في مصر، والصادر بشأنه قرار جمهوري عام 2021، أن السحب الفعلي من القرض بدأ في أكتوبر 2023، رغم مرور عامين وخمسة أشهر على توقيع الاتفاقية.

وأرجع البنك تأخر بدء السحب إلى بطء إجراءات الموافقة الداخلية المطولة من جانب هيئة سكك حديد مصر.

 

قروض تُسدد فوائدها قبل أن تحقق أهدافها

تعكس هذه الوقائع المتكررة مشكلة تتجاوز مجرد التأخر في تنفيذ مشروع بعينه، إذ تطرح تساؤلات حول آليات التخطيط والإعداد الفني للمشروعات الممولة بقروض خارجية، وقدرة الأجهزة الحكومية على تحويل التمويل المتاح إلى مشروعات مكتملة تحقق أهدافها في المواعيد المحددة.

وفي حالة مشروع RISE، لا تتعلق الملاحظات فقط بمعدلات السحب، وإنما تمتد إلى مؤشرات تمس بصورة مباشرة سلامة الركاب والعاملين وكفاءة التشغيل وتطوير البنية المؤسسية.

وبينما لم يتبقَ على الموعد الحالي لإغلاق المشروع سوى فترة محدودة، يرى البنك الدولي أن تحقيق الأهداف كاملة قد يتطلب تمديد الجدول الزمني.

وهكذا، وبعد نحو خمس سنوات من توقيع قرض تطوير السكك الحديدية، لا تزال نسبة الإنجاز المالي أقل من نصف التمويل المعدل، فيما تستمر مشكلات التأخير في عدد من المكونات الأساسية، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة ملفًا أوسع حول كفاءة إدارة القروض الخارجية وتحويلها من أعباء مالية تُسدد فوائدها وعمولاتها إلى مشروعات تنعكس نتائجها فعليًا على حياة المواطنين.