خلال الايام القليلة الماضية وقعت حادثتان الاولي كانت ظهور خطوط اتصالات باسماء مواطنين لا يعلمون عنها شيئًا والثانية مواطنون يكتشفون ان عليهم مديونيات في البنوك وكذلك لا يعلموا عنها شيئًا، وفي الواقعتين كانت بطاقة الرقم القومي القاسم المشترك.
لم تعد بطاقة الرقم القومي مجرد وثيقة لإثبات شخصية المواطن أمام الجهات الحكومية، بل أصبحت مفتاحًا لعدد واسع من المعاملات المصرفية والمالية والإدارية والقانونية، وهو ما جعل إساءة استخدامها أو تداول بياناتها خارج الأطر المشروعة مصدر خطر متزايد على أصحابها.
ومع اتساع نطاق الخدمات الإلكترونية وتزايد الاعتماد على المعاملات الرقمية، لم تعد سرقة الهوية مرتبطة بالاستيلاء على البطاقة الأصلية فقط، إذ يمكن أن تبدأ الواقعة من صورة للبطاقة أو مجموعة بيانات شخصية يتم الحصول عليها عبر وسائل الاحتيال الإلكتروني، ثم استخدامها في انتحال صفة صاحبها أو محاولة إجراء معاملات باسمه دون علمه.
ويحذر خبراء قانونيون من أن التعامل مع بطاقة الرقم القومي باعتبارها مجرد مستند عادي قد يفتح الباب أمام سلسلة من الجرائم، تبدأ من إساءة استخدام البيانات وتمتد إلى التزوير والنصب وانتحال الصفة والجرائم المالية، بحسب ظروف كل واقعة.
بطاقة الرقم القومي.. وثيقة مرتبطة بالهوية القانونية
تحمل بطاقة الرقم القومي بيانات أساسية تسمح بالتعرف على المواطن وتمييزه عن غيره، وفي مقدمتها الرقم القومي الفريد الذي يرتبط بعدد من السجلات وقواعد البيانات الرسمية.
وتكمن الخطورة في أن تسريب هذه البيانات لا يعني فقط الكشف عن اسم المواطن أو عنوانه، وإنما قد يوفر للمحتال جزءًا من المعلومات اللازمة لبناء هوية مزيفة أو محاولة إقناع جهة أخرى بأنه صاحب البيانات الحقيقي.
ولا تقتصر المخاطر على فقدان البطاقة نفسها، إذ يمكن الحصول على بياناتها من خلال تصويرها أو إرسالها عبر تطبيقات المحادثة والبريد الإلكتروني أو تخزينها على هاتف يتم اختراقه أو فقدانه.
ومع تزايد المعاملات التي تعتمد على التحقق الإلكتروني من الهوية، أصبح الحصول على صورة البطاقة في بعض الحالات خطوة أولى يمكن أن يستغلها المحتال ضمن عملية احتيال أوسع.
ماذا يقول القانون عن استخدام بطاقة الغير؟
وضع قانون الأحوال المدنية المصري ضوابط لمواجهة بعض صور إساءة استخدام بطاقات تحقيق الشخصية. وتنص المادة 73 من القانون على معاقبة من يستعمل بطاقة الغير أو يمكن الغير من استعمالها بالتواطؤ، مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون العقوبات.
وتعني هذه النصوص أن بطاقة الرقم القومي ليست وثيقة يجوز إعارتها أو تمكين شخص آخر من استخدامها بصورة غير مشروعة، كما أن المسئولية قد تمتد إلى صاحب البطاقة إذا ثبت أنه مكّن غيره من استخدامها بالتواطؤ وتوافرت الشروط القانونية اللازمة.
وفي المقابل، فإن تحديد المسئولية والعقوبة لا يتم بصورة تلقائية، وإنما يرتبط بظروف الواقعة والأدلة المتوافرة، وبما إذا كان استخدام البطاقة قد اقترن بجرائم أخرى، مثل التزوير أو النصب أو استعمال محرر رسمي أو انتحال الصفة.
سرقة الهوية تبدأ أحيانًا من صورة البطاقة
أصبح مفهوم سرقة الهوية أوسع من مجرد الاستيلاء على بطاقة الرقم القومي، فقد يحصل المحتال على صورة البطاقة أو بياناتها من خلال شخص آخر، أو عبر الهاتف المحمول، أو نتيجة تسريب معلومات شخصية، ثم يحاول استخدامها في إنشاء حسابات أو إجراء معاملات أو التواصل مع مؤسسات باسم صاحب البيانات.
وتزداد خطورة الأمر عندما تتجمع لدى المحتال مجموعة من المعلومات، مثل الاسم والرقم القومي والعنوان ورقم الهاتف وبيانات الحسابات، إذ يمكن دمج هذه البيانات لإنتاج صورة أكثر اكتمالًا عن الضحية واستغلالها في عمليات احتيال أكثر تعقيدًا.
وقد تبدأ الواقعة بفقدان حقيبة أو محفظة تحتوي على البطاقة، أو بسرقة هاتف توجد عليه صورة منها، أو بإرسال المواطن صورة البطاقة إلى شخص يعتقد أنه يمثل بنكًا أو شركة أو جهة رسمية، قبل أن يكتشف لاحقًا أنه وقع ضحية لعملية احتيال.
العثور على البطاقة لا يعني انتهاء الخطر
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن العثور على بطاقة الرقم القومي بعد فقدانها يعني انتهاء المشكلة. فإذا خرجت البطاقة من حيازة صاحبها لفترة، يبقى من المهم معرفة ما إذا كان شخص آخر قد تمكن من تصويرها أو نسخ بياناتها أو استخدامها خلال فترة فقدانها.
وفي بعض الحالات قد لا يكون الهدف من الاستيلاء على البطاقة الاحتفاظ بها، وإنما الحصول على بياناتها أو استخدامها في إجراء معين، ثم إعادتها إلى صاحبها قبل اكتشاف الواقعة.
ولهذا يُمثل الإبلاغ الرسمي عن فقدان البطاقة واتخاذ إجراءات استخراج بدل فاقد خطوة مهمة، كما يساعد إثبات واقعة الفقد وتاريخها في التعامل مع أي وقائع لاحقة قد تنشأ عن استخدامها، وفقًا لظروف كل حالة وما يثبت فيها.
الاحتيال الإلكتروني.. الطريق الجديد لسرقة بيانات الهوية
ولم يعد الحصول على بيانات الهوية يحتاج إلى سرقة البطاقة ماديًا، إذ تطورت أساليب الاحتيال الإلكتروني وأصبح التصيد الاحتيالي أحد الوسائل المستخدمة لاستدراج الضحايا، فقد تصل للمواطن رسالة تبدو في ظاهرها صادرة عن بنك أو شركة أو مؤسسة رسمية، وتطالبه بالضغط على رابط أو إدخال بيانات معينة بحجة تحديث الحساب أو حمايته أو منع إيقافه.
ويعتمد المحتال في كثير من هذه الحالات على خلق حالة من الخوف والاستعجال، فيخبر الضحية بأن حسابه معرض للخطر أو أن هناك محاولة لاستخدام بياناته، ثم يطلب منه اتخاذ إجراء فوري.
وقد تشمل البيانات المطلوبة صورة بطاقة الرقم القومي، أو صورة شخصية، أو رقم الهاتف، أو كلمات المرور، أو رموز التحقق التي تصل إلى الهاتف، وهنا تكمن الخطورة، إذ يمكن استخدام البيانات التي يحصل عليها المحتال لاحقًا في عمليات انتحال شخصية أو احتيال مالي.
كيف يعمل لصوص الهوية؟
يعتمد المحتال عادة على تقديم نفسه باعتباره شخصًا أو جهة موثوقة، وبدلًا من أن يطلب بصورة مباشرة "أرسل لي صورة بطاقتك"، قد يقدم نفسه على أنه موظف في بنك أو شركة أو مؤسسة، ويزعم وجود مشكلة في حساب المواطن أو بياناته، ثم يطلب منه إرسال مستندات أو رموز تحقق بحجة حل المشكلة. وقد يطلب صورة البطاقة من الأمام والخلف، أو بيانات شخصية إضافية، أو رمزًا يصل في رسالة نصية.
وتعد هذه من أبرز العلامات التي تستوجب التوقف والتحقق، إذ ينبغي عدم التعامل مع الرسائل والروابط المجهولة، بل التواصل مباشرة مع الجهة المعنية عبر وسائل الاتصال الرسمية للتأكد من صحة الطلب.
نشر صورة البطاقة على مواقع التواصل.. خطر إضافي
من السلوكيات التي تزيد مخاطر سرقة الهوية نشر صور بطاقات الرقم القومي على مواقع التواصل الاجتماعي أو إرسالها إلى مجموعات تضم عددًا كبيرًا من الأشخاص. فبمجرد نشر الصورة، يمكن حفظها وإعادة تداولها خارج نطاق الأشخاص الذين كان المواطن يقصد مشاركتها معهم.
ولهذا يُفضل عدم نشر صور المستندات الشخصية للعامة، وعدم إرسال صورة بطاقة الرقم القومي إلا عند وجود حاجة حقيقية ومشروعة، وبعد التأكد من هوية الجهة التي تطلبها.
وفي الحالات التي يكون فيها إرسال صورة المستند ضروريًا، يمكن – متى قبلت الجهة المستلمة ذلك – وضع علامة توضح الغرض من تقديم الصورة، بما يقلل من احتمالات إعادة استخدامها في غرض آخر.
ماذا تفعل عند فقدان بطاقة الرقم القومي؟
عند فقدان بطاقة الرقم القومي، لا ينبغي التعامل مع الأمر باعتباره واقعة بسيطة أو الانتظار طويلًا على أمل العثور عليها.
وتتمثل الخطوة الأساسية في المبادرة باتخاذ الإجراءات الرسمية المقررة لاستخراج بدل فاقد، مع الاحتفاظ بما يثبت الإبلاغ عن الواقعة.
كما يجب الانتباه إلى أي معاملات أو حسابات قد تكون مرتبطة بالبيانات الشخصية، خصوصًا إذا حدث فقدان البطاقة في ظروف تثير الشك.
وفي حال ظهور أي معاملة غير معتادة أو محاولة لاستخدام بيانات المواطن دون علمه، ينبغي الاحتفاظ بالرسائل والمراسلات والإخطارات وأي أدلة أخرى، والتوجه إلى الجهة المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
هل يتحمل صاحب البطاقة المسئولية دائمًا؟
لا تعني واقعة فقدان بطاقة الرقم القومي أن صاحبها أصبح مسئولًا تلقائيًا عن أي استخدام لاحق لها، فالقانون يُميز بين المواطن الذي فقد بطاقته دون تعمد، وبين من يتعمد تسليمها إلى شخص آخر أو يسمح له باستخدامها بصورة غير مشروعة.
كما أن العثور على بطاقة مواطن بحوزة شخص آخر لا يعني وحده ثبوت ارتكاب صاحبها لجريمة، ولا تكفي مجرد حيازة صورة للبطاقة لدى شخص آخر لإثبات أن صاحبها هو من سلمها إليه أو سمح باستخدامها.
وتظل المسئولية القانونية مرتبطة بظروف كل واقعة وما يتوافر فيها من أدلة وأركان قانونية، بما في ذلك القصد الجنائي عند الاقتضاء.
حماية الهوية.. مسئولية مشتركة
لا تقتصر مواجهة استغلال بيانات الهوية على المواطن وحده، وإنما تتطلب إجراءات أكثر صرامة من المؤسسات والبنوك والشركات ومقدمي الخدمات الإلكترونية.
ويتعين على المؤسسات تطوير آليات قوية للتحقق من هوية المتعامل، خصوصًا في المعاملات عالية الخطورة، وعدم الاعتماد على صورة بطاقة الرقم القومي وحدها باعتبارها ضمانة كافية للتأكد من شخصية صاحبها.
وفي المقابل، يحتاج المواطن إلى التعامل مع بيانات هويته باعتبارها معلومات ذات قيمة قانونية ومالية، وليست مجرد بيانات عادية يمكن تداولها دون حساب.
فالرقم القومي ليس مجرد مجموعة أرقام، وصورة البطاقة ليست صورة شخصية عادية، وإنما يمثل كلاهما جزءًا من الهوية القانونية للمواطن.
الوقاية تبدأ من المواطن
في ظل توسع الاعتماد على الخدمات الرقمية، أصبحت حماية الهوية الشخصية جزءًا أساسيًا من حماية المواطن من الاحتيال وانتحال الصفة والجرائم الإلكترونية.
وتبدأ الوقاية بعدم إعارة بطاقة الرقم القومي أو السماح للغير باستخدامها، وعدم إرسال صورها إلى جهات غير موثوقة، والتحقق من هوية أي جهة تطلب بيانات شخصية.
كما يجب عدم الضغط على الروابط المجهولة، وعدم إرسال رموز التحقق التي تصل إلى الهاتف لأي شخص، حتى لو ادعى أنه موظف في بنك أو شركة أو جهة رسمية.
ويظل الإبلاغ السريع عن فقدان البطاقة واتخاذ الإجراءات الرسمية اللازمة من أهم الخطوات التي يمكن للمواطن اتخاذها لحماية نفسه.
ومع تحول البيانات الشخصية إلى عنصر أساسي في المعاملات المالية والإدارية والرقمية، لم تعد حماية بطاقة الرقم القومي مجرد مسألة تتعلق بالحفاظ على وثيقة رسمية، وإنما أصبحت جزءًا من حماية الأمن الشخصي والمالي والقانوني للمواطن.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط فقدان البطاقة، وإنما فقدان السيطرة على البيانات التي تحملها؛ لأن صورة واحدة قد تتحول، إذا وقعت في الأيدي الخطأ، إلى مدخل لعملية احتيال أو انتحال هوية يصعب اكتشاف آثارها سريعًا.