تعكس الأرقام والميزانيات المعلنة حجم التباين بين الضخ المالي الضخم والنتائج الاقتصادية المحققة. فقد أوضحت منصات اقتصادية منها؛ "إيكونومي بلس" هذا الحجم الهائل من التمويل بالإشارة إلى تصريحات العضو المنتدب للشركة القابضة للصناعات المعدنية، محمد السعداوي، الذي أكد أن "الشركة صرفت نحو 4 مليارات جنيه لإعادة إحياء مصنع النصر للسيارات"، مع الوعود المستمرة بأن إنتاج سيارات الركوب سيكون خلال العام الحالي.
وفي قراءة نقدية لهذا الضخ التمويلي، يطرح الخبير الاقتصادي طارق سلامة (@tariksalama) أطروحته التحليلية حول الاختلال المالي في إدارة المشروع، مشيرًا إلى أن المفارقة تكمن في حجم الإنفاق مقارنة بالمردود المالي المباشر، موضحًا:"صرفوا 4 مليارات وخفضوا رأس المال إلى 250 مليون، وحققوا أرباحًا نظرية قدرها 35 مليون. الاستنتاج المنطقي أن المصنع اقترض 3.750 مليار، والعائد على الأصول لم يتجاوز 1%! طيب انشروا الميزانيات إذا كنتم شاطرين للدرجة دي، فضيحة حقيقية. بالمرة كمان انشروا ميزانية المجمع الصناعي الضخم بتاع المحلة الكبرى علشان نعرف بقى مصير المليارات اللي بتترمي في الترعة".
تؤكد هذه القراءة التحليلية أن الأرباح التشغيلية التي يتم الترويج لها تبقى محدودة جدًا ولا تشكل عائدًا حقيقيًا على الاستثمارات الحكومية المليارية، خاصة عند مقارنتها بحجم القروض والالتزامات الراسخة على عاتق الشركة.
"السيارة الوطنية" واعتماد ممتد على الصين!
ويؤكد مراقبون أن ملف إعادة إحياء "شركة النصر لصناعة السيارات" واحد من أكثر الأطروحات الاقتصادية إثارة للجدل في المشهد الصناعي المصري؛ حيث يُطرح مشروع ضخم بتمويلات مليارية تحت شعار استعادة الأمجاد الوطنية وتصنيع "سيارة مصرية خالص"، بينما تشير المعطيات الميدانية والتحليلات المالية إلى مسار مغاير تمامًا.
ويُظهر هذا المسار تحوّل المشروع إلى عملية تجميع لعلامات صينية، مع إسناد الحقوق التجارية والبيع لشركات قطاع خاص نافذة مثل "مجموعة الصافي"، مترافقًا مع ضخ حكومي هائل لا يحقق العائد المرجو على أصول الدولة.
وعلى الرغم من الدعاية المستمرة حول تصنيع سيارة محلية الصنع، فإن الوقائع التاريخية والتعاقدية الممتدة منذ سنوات تثبت أن الأمر لا يتعدى كونه محاولات لتجميع موديلات صينية الصنع بالكامل، يتم تغيير علاماتها التجارية أو تقديمها كمنتج محلي.
ويُذكّر الاكاديمي محمد الشريف (@MhdElsherif) بالمسار الزمني لهذه الوعود المتعثرة، موضحًا أنه في يناير 2021 تم "توقيع عقد مع شركة دونج فينج لإنتاج سيارة كهربائية في مصنع النصر للسيارات لتوفير التكنولوجيا وتركيب خطوط التصنيع، بهدف إنتاج سيارة (نصر E70) الكهربائية، ليبدأ الإنتاج الفعلي في النصف الأول من عام 2022، ثم لم نسمع عنها بعد ذلك".
من جانبه، تابع حساب "حدث بالفعل" (@7adasBelfe3l) شبكة المفاوضات المعقدة مع الجانب الصيني عبر عدة مراحل، مشيرًا إلى أنه في سبتمبر 2022 كانت الشركة تستعد "لإبرام العقود النهائية لتصنيع السيارات الكهربائية محليًا مع إحدى الشركات الصينية"، وكان المعنيّ حينها مجموعة "بايك" الصينية. ولكن بالوصول إلى فبراير 2023، تبين أن سيارات "دونج فينج" الكهربائية الصينية طُرحت في السوق المصري عبر وكيل تجاري خاص (شركة مصر حلوان للسيارات) وليس عبر خطوط إنتاج "النصر" كما كان مروجًا له سابقًا.
وحتى مع التحديثات الأخيرة الصادرة عن إدارة الشركة، أعلن رئيس شركة النصر للسيارات، خالد شديد، أنه تم الاتفاق "مع شركة صينية لتصنيع سيارات بنزين وكهرباء اعتبارًا من مايو 2025"، وهو ما يؤكد استمرار الارتباط الكامل بالتكنولوجيا والمكونات الصينية، بعيدًا عن مفهوم التصنيع الوطني المستقل.
"الصافي" والهيكلة التجارية للمشروع
تكتمل أبعاد المشهد مع التحول المالي والتجاري للشركة من خلال الشراكة مع القطاع الخاص النافذ. وتكشف بيانات تقرير "صحيح مصر" المستندة إلى قوائم مالية وسجلات دولية (مثل Sayari) أنه في ديسمبر 2024 تم تأسيس شركة مشتركة باسم "SN Automotive" برأسمال 500 مليون جنيه، استحوذت فيها "مجموعة الصافي" المملوكة لرجل الأعمال صفي وهبة على نسبة 76%، مقابل 24% فقط لشركة النصر للسيارات.
بموجب هذه الشراكة، أُسند لشركة "SN Automotive" حق التسويق والبيع والتوزيع الحصري لكامل إنتاج "النصر" داخل مصر وخارجها، إلى جانب عملها كوكيل تجاري لشركات صينية مثل "Dongfeng" و"Voyah". ويعلق طارق سلامة (@tariksalama) متسائلاً عن طبيعة هذه الشراكات الهجين التي تضع أدوات التسويق والأرباح في يد الطرف الخاص: "ده كان الموضوع اللي فيه العرجاني؟ بتاع هما يصنعوا ويمولوا وهو ياخد البيع والتوزيع والصيانة؟".
هذا النمط من الشراكات بحسب مراقبين؛ يجعل الدولة تتحمل الاستثمارات الأكبر وديون إعادة التأهيل والنية التحتية، بينما تذهب حصة الأغلبية والعوائد التجارية للشركات الخاصة والوكالات الأجنبية.
الإخفاق التاريخي والتراكم المالي
وعلى الجانب الآخر، تروج الجهات الرسمية وبعض المتابعين للجانب الفني للبنية التحتية؛ حيث يستعرض المتابع إسلام عثمان (@Esll7970Gladii) مظاهر الاحتفال بـ "إنتاج السيارة الملاكي رقم 1000 داخل مجمعها الصناعي بحلوان"، مشيرًا إلى أن المجمع يمتد على مساحة 862.5 ألف متر مربع باستثمارات تصل إلى 3.5 مليار جنيه، ويستهدف طاقة إنتاجية تصل إلى 20 ألف سيارة ركوب سنويًا، بنسب مكون محلي تتراوح بين 45% لسيارات الركوب و70% للميني باص.
لكن هذه الأرقام تصطدم بواقع مقارن مرير يطرحه المتابع "سلامة" (@FattahFattahh)، الذي يستعيد جذور الفشل التراكمي للسياسات الصناعية مقارنة بالتجارب الدولية: "شوف يا باشا واحكم؛ شركة النصر للسيارات أُسست في مصر في نفس توقيت شركة هيونداي وكيا في كوريا الجنوبية، وشركة بنها للإلكترونيات أُسست في نفس توقيت شركة سامسونج. شوف الشركات الكورية راحت فين وبتنتج إيه في السوق دلوقتي وشوف احنا فين.. كل نظام عندنا بيهد ما فعله النظام السابق".
وعلى الصعيد المالي التراكمي، تظهر القوائم المالية لعام 2024/ 2025 أنه رغم تحقيق أرباح دفتريّة بقيمة 34.9 مليون جنيه وارتفاع الإيرادات، إلا أن الخسائر المرحلة قفزت بنسبة 151.6 % لتصل إلى 229 مليون جنيه مقارنة بـ 91 مليون جنيه في العام السابق.
ويعود التوسع الحاصل في الأصول، التي قفزت إلى 2.94 مليار جنيه، بالأساس إلى قروض حكومية وضخ مباشر تجاوز 4.5 مليار جنيه، مما يؤكد أن النشاط التشغيلي التجاري لم يصل بعد إلى مرحلة تغطية الفجوات المالية والتكلفة الحقيقية لعمليات الإعادة والتأهيل.