دبلوماسية «الترحيب» بعد مقاطعة منتجات المستوطنات.. القاهرة تصفق لأيرلندا وتفتح الموانئ للاحتلال!

- ‎فيتقارير

أصدرت وزارة الخارجية بحكومة السيسي بيانًا يُثني على الخطوة الأيرلندية، داعية دول العالم إلى الاقتداء بها، ومجددة التزامها الثابت بقرارات الشرعية الدولية وضرورة إنهاء الاحتلال، لكن المشهد، بجميع تفاصيله الميدانية والإعلامية، بدا وكأنه مسرحية كوميدية سوداء؛ حيث تُحيّي السلطات المصرية خطوة أيرلندية بحظر التبادل التجاري مع المستوطنات، بينما تعبر السفن الحاملة للأسلحة والعتاد العسكري في مياهها الإقليمية نحو ميناء حيفا، ويطل رجال أعمال مصريون على الشاشات ليدافعوا بشراسة عن التصدير للكيان الصهيوني باعتباره «شطارة اقتصادية".

شر البلية ما يضحك

لم يتأخر المتابعون والمحللون السياسيون عن التقاط هذه المفارقة الساخرة. وفي هذا السياق، علّق الأكاديمي والباحث السياسي د. عصام عبد الشافي عبر حسابه بكلمات تلخص هذا المشهد السريالي، حيث كتب:

«شر البلية ما يضحك.. إذا كان ما قامت به أيرلندا محل ترحيب، فلماذا لا يقوم النظام العسكري الحاكم في مصر بحظر التبادل التجاري مع الكيان؟ ولماذا لا تقوم سلطة عباس بوقف التنسيق الأمني مع الكيان؟ أم أن مثل هذه التصريحات شيء لزوم الإلغاء والتضليل؟".

وتساءل المراقبون: كيف ترحب دولة بمقاطعة اقتصادية تتطلب الحد الأدنى من الإرادة السياسية، بينما تفتح أراضيها وموانئها لترانزيت سفن الدعم العسكري، وتستورد غازًا صهيونيًا بمليارات الدولارات؟ إن الترحيب بالخطوات الجريئة للآخرين، مع ممارسة عكسها تمامًا في الداخل، لم يعد يُصنّف في إطار التكتيك الدبلوماسي، بل بات يُقرأ كنوع من الإلهاء السياسي الموجّه للاستهلاك المحلي ليس إلا.

«هولجر جي» في الموانئ المصرية: حظر في أوروبا

بينما كانت البرتغال تسحب علمها من سفن الأسلحة، وإسبانيا وإيطاليا وناميبيا وسلوفينيا تمنع شحنات الموت المتجهة إلى إسرائيل من دخول موانئها، كانت السفينة الألمانية «هولجر جي» (Holger G)، المحملة بـ440 طنًا من أجزاء قذائف الهاون والذخائر والصلب العسكري المتجه إلى شركة «إلبيت سيستمز» الصهيونية، تُسجل خط سيرها عبر البحر المتوسط.

ورغم السجال الإعلامي بين التقارير الدولية والمنصات التحقيقية؛ إذ أكدت منظمة العفو الدولية ورسائل حركة المقاطعة (BDS) والمجلس الثوري المصري وجود السفينة بالقرب من المياه الإقليمية المصرية وتزوّدها بالخدمات في بورسعيد والإسكندرية، بينما نفت منصات مثل «صحيح مصر» رسو السفينة فعليًا، عبر تتبع الأقمار الصناعية، مع إدراج الموانئ المصرية كوجهة ترانزيت وإمداد؛ فإن مجرد وجود الموانئ المصرية كخيارات آمنة ومدرجة في مسارات شحن العتاد العسكري الإسرائيلي يطرح أسئلة أخلاقية وقانونية حادة.

كيف تتحول الموانئ العربية إلى نقاط لوجستية محتملة في مسار سلاحي يُفتك به أطفال غزة، بينما تخوض أوروبا «المتحضرة» معارك تشريعية لمنع مجرد مرور هذه السفن؟

تصدير عصير المانجو والجوافة بـ«الكوشير» الصهيوني!

المأساة لا تتوقف عند حدود شحنات الأسلحة، بل تمتد إلى قطاع التجارة الغذائية، رجل الأعمال فرج عامر، رئيس مجموعة «فرج الله»، أثار موجة عارمة من السخرية والغضب بعد تصريحاته التلفزيونية التي اعتبر فيها أن التصدير للكيان الصهيوني «مش عيب»، وأن الحصول على أموالهم يُعد «جدعنة اقتصادية»، مبررًا ذلك بتبادل المنافع واستيراد الغاز.

وعندما حوصر فرج عامر بالاتهامات، حاول المناورة بادعاء أن منتجاته تذهب إلى منظمات إغاثية مثل «المطبخ العالمي» لتغذية اللاجئين. لكن البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، ووثائق الحاخامية الكبرى في تل أبيب، كشفت عكس ذلك تمامًا:

المركز 77: تقبع شركة «فرج الله» رسميًا في المرتبة 77 ضمن قائمة الشركات المصرية المصدرة للكيان الصهيوني.

شهادة الكوشير (Kosher for Passover): حصلت منتجات عصير الجوافة والمانجو على شهادات دينية يهودية صارمة تمكنها من التداول في الأسواق الصهيونية خلال الأعياد اليهودية.

المستورد الصهيوني: تباع هذه المنتجات في الأسواق العبرية بسعر 7 شيكلات عبر شركة استيراد صهيونية مسجلة في تل أبيب تُدعى «Adir R.Y. Trade Ltd»، ولا علاقة لها بأي عمل إغاثي أو إنساني.

ومنذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، ومرورًا باتفاقية «الكويز» عام 2004، التي فرضت مكونًا من حكومة الاحتلال على المنسوجات المصرية مقابل دخول السوق الأمريكية، ظلت السلطات تُسوّق للتطبيع الاقتصادي بوصفه أداة لتحقيق الاستقرار والازدهار.

لكن النتيجة، بعد عقود، تبدو شديدة المرارة:

فقد تحولت مصر من مصدر للغاز إلى مستورد له من الاحتلال، مما خلق حالة اعتماد استراتيجي غير متكافئ تُستغل سياسيًا.

كما أن معظم الصادرات المصرية للاحتلال هي منتجات زراعية وغذائية تُصنّع باستنزاف المياه الجوفية والنيلية في بلد يعاني أصلًا من الفقر المائي.

وأوجد التطبيع طبقة من رجال الأعمال المستفيدين حظيت بحماية وتسهيلات رسمية، بينما أصبحت البيانات الرسمية المعارضة للاحتلال مجرد «ظاهرة صوتية".