مع زيادة ضغوط صندوق النقد لتخارج الجيش من الأنشطة الاقتصادية، تسعي حكومة الانقلاب لإيجاد حلول وسط فالجيش لا يرغب في الخروج بالكلية من الأنشطة الاقتصادية وفي نفس الوقت يعمل على إرضاء المؤسسات الدولية والخروج الشكلي بهذه الطريقة تستمر سيطرة المؤسسة العسكرية على قطاعات اقتصادية من خلال شركات الجيش مساهم فيها بنسب مؤثرة، ربما الاجراء الأخير يرضى المؤسسات الدولية وفي نفس الوقت الجيش يحتفظ باسهم في هذه الشركات.
في عملية خصخصة هجينة، وقّعت حكومة الانقلاب، اتفاقاً لنقل ملكية وحقوق تشغيل 172 محطة وقود مملوكة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، والتي تعمل تحت علامة "وطنية"، إلى شركة جديدة تحمل اسم "كويك فيول".
وجرى تأسيس الشركة الجديدة بالشراكة مع شركة "طاقة عربية" المدرجة في البورصة المصرية، والمملوكة لشركة "القلعة القابضة" التي يرأسها رجل الأعمال أحمد محمد حسنين هيكل، في حين يمتلك جهاز الخدمة الوطنية 20% من أصول "القلعة" إلى جانب حصص أخرى لبنوك عامة، وبموجب الصفقة التي لم يُعلن عن قيمتها المالية، تستحوذ "طاقة عربية" على حصة أولية تبلغ 10% في شركة "كويك فيول"، إلى جانب تولّيها الإدارة التشغيلية الكاملة لشبكة محطات الوقود، وفقاً لبيان صادر عن مجلس الوزراء، كما يمنح الاتفاق "طاقة عربية" خيار زيادة حصتها بنسبة إضافية تصل إلى 15% عبر طرح عام مستقبلي في البورصة المصرية، ما قد يرفع إجمالي حصتها إلى 25%.
وقالت حكومة الانقلاب إن محطات الوقود ستُدار عبر الشركة الجديدة "كويك فيول" بدلاً من إدارتها مباشرة عبر كيانات تابعة للجيش، على أن تتولى الشركة نشاط تجارة وتوزيع المنتجات البترولية والإشراف على خطط التوسع المستقبلية.
وفي السياق، أوضحت "طاقة عربية" أن الاتفاق يمثل توسعاً في نشاطها داخل قطاع توزيع الوقود في مصر، من خلال إضافة شبكة كبيرة من محطات الخدمة إلى عملياتها الحالية في قطاع الطاقة والمرافق، مشيرة إلى أنها تمتلك أحد أكبر معامل تكرير النفط ومشتقاته، خاصة البنزين، شمال العاصمة القاهرة.
ووفقاً لهياكل الملكية المعلنة سابقاً، يمتلك جهاز مشروعات الخدمة الوطنية حصة تبلغ 20% في شركة "طاقة عربية"، فيما تمتلك بنوك مصرية مملوكة للدولة حصصاً أقل في الشركة، بحسب إفصاحات البورصة المصرية. وشهد مراسمَ التوقيع في العاصمة الإدارية الجديدة رئيس مجلس الوزراء، بحضور مسؤولين من جهاز مشروعات الخدمة الوطنية وصندوق مصر السيادي ووزارة الاستثمار.
تأتي هذه الصفقة ضمن برنامج الحكومة لتوسيع مشاركة القطاع الخاص في الأصول المملوكة للدولة، في إطار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، والذي يستهدف طرح شركتي "وطنية" و"صافي" التابعتين للجيش، إلى جانب أكثر من 59 شركة عامة للبيع للقطاع الخاص، بهدف تقليص دور المؤسسات السيادية في الاقتصاد ورفع كفاءة تشغيل الخدمات العامة، وفقاً لخبراء, وقال صندوق مصر السيادي إن الصفقة تتسق مع سياسة الدولة لإعادة هيكلة الأصول المملوكة لها وتحسين الحوكمة والأداء التشغيلي.
وجاءت الصفقة في وقت تواجه فيه الشركة ضغوطاً على أدائها المالي في البورصة، مع تذبذب في الأرباح والإيرادات نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة، وتغيرات في هوامش الربحية داخل قطاع توزيع الوقود، إلى جانب تأثيرات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة على بيئة الأعمال.
وتتأثر المجموعة الأم "القلعة القابضة"، التي ترتبط تاريخياً بتأسيس وتطوير عدد من أصول الطاقة والبنية التحتية التابعة، بأداء متقلب خلال الفترة الأخيرة، نتيجة اضطرابات تشغيلية في بعض القطاعات، أبرزها توقفات مؤقتة في الإنتاج داخل "المصرية للتكرير"، أحد أهم أصولها، إضافة إلى الضغوط التمويلية الناتجة عن بيئة أسعار فائدة مرتفعة وتكاليف إعادة الهيكلة.
محطات الوقود ستُدار عبر "كويك فيول" بدلاً من إدارتها مباشرة عبر كيانات تابعة للجيش، على أن تتولى الشركة نشاط تجارة وتوزيع المنتجات البترولية والإشراف على خطط التوسع المستقبلية
وتبلغ القيمة السوقية لشركة "طاقة عربية" نحو 19.5 مليار جنيه، وتُعد من الشركات المتوسطة في سوق المال، ذات وزن مؤثر في قطاع إمداد الطاقة. كما يعكس النموذج الحالي توجهاً تدريجياً نحو "خصخصة هجينة"، تقوم على نقل الإدارة والتشغيل إلى شركات مساهمة مختلطة بدلاً من البيع الكامل للأصول، مع إدخال مستثمرين استراتيجيين وبنوك وجهات سيادية في هياكل الملكية التشغيلية، ما يخلق طبقات متداخلة من الملكية والإدارة.
وتعكس الصفقة اتجاهاً متصاعداً في مصر يقوم على إدخال شركات مدرجة في البورصة وشراكات استثمارية تضم مستثمرين استراتيجيين من القطاع الخاص إلى جانب بنوك حكومية، منها البنك الأهلي وبنك مصر، وصناديق ومؤسسات مالية وجهات سيادية، باعتبارهم مساهمين في هياكل ملكية الشركات التشغيلية.
وفي حالة "طاقة عربية"، تضم قاعدة مساهميها جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بحصة تقارب 20%، إلى جانب بنوك مصرية ومستثمرين مؤسسيين، ما يجعلها من الشركات القليلة في قطاع الطاقة التي تجمع بين حضور سيادي مباشر واستثمارات مصرفية محلية ضمن هيكل ملكية مدرج في البورصة.
وقال وزير الاستثمار والتجارة الخارجية ورئيس مجلس إدارة صندوق مصر السيادي: إن "الاتفاق يعكس استمرار تنفيذ إصلاحات هيكلية تستهدف تحسين كفاءة الأصول العامة وتعزيز الحوكمة"، مؤكداً أن الدولة تعمل على توسيع قاعدة الملكية وجذب الاستثمارات إلى سوق المال ضمن استراتيجية تهدف إلى تنشيط البورصة المصرية, مضيفا أن الحكومة ماضية في إعادة هيكلة نماذج إدارة الأصول العامة عبر شراكات تشغيلية مع القطاع الخاص، بما يتيح الاستفادة من الكفاءة التشغيلية والإدارة الاحترافية، مع الحفاظ على دور الدولة في القطاعات الاستراتيجية.
من جهتها، قالت "طاقة عربية": إن "الصفقة تمثل توسعاً استراتيجياً كبيراً في سوق توزيع الوقود داخل مصر، وتمنحها إدارة واحدة من أكبر شبكات محطات البنزين في البلاد، ما يعزز حضورها في قطاع التجزئة البترولية ويرفع قدرتها التنافسية".