تتسع دائرة حقوق الإنسان التي يجب على الدولة رعايتها والقيام عليها، فالحق في الحياة حق مقدس وهو أقدس الحقوق وأجلها، والحق في السكن من أوجب الحقوق التي يجب على الدولة القيام بها على الوجه الأكمل، والحق في التعليم من الحقوق التي لا تهاون فيها؛ لأنها تضع الإنسان في الوضع الذي يمكنه من أداء دوره المطلوب منه خير أداء، الحق في العلاج فإذا مرض فلا يترك الإنسان نهبا للأمراض والأوجاع، فالإنسان العليل لا يمكنه القيام بواجبه في البناء وتنمية البلاد، وربما عطل غيره، كل هذ الحقوق واجبة على الدولة والنظام الذي لا يقوم بها نظام فاسد، لا يستحق البقاء في السلطة مهما كان.
ومنذ الانقلاب العسكرى ، على أول رئيس مدنى منتخب الرئيس الشهيد محمد مرسى ، وتحول الجيش لمقاول جشع تحول لا يتوقف عن بناء مشروعات للإسكان الفاخر، بأموال محدودى الدخل ،في نهاية أبريل الماضى دشن رئيس حكومة الانقلاب ومطور عقاري في شرق القاهرة مشروع ضخم بتكلفة 27 مليار دولار باعتبارها مدينة ذكية عصرية قائمة على بنية متطورة بمشاركة أكبر بنك في الدولة، مما رفع أسعار المساكن والإيجارات بشكل غير طبيعي، في الوقت التي تتأكل فيه القدرة الشرائية ولا يجد المواطن البسيط الذي يسعي طوال عمره، لكي يحصل على سكن مجرد سكن فلا يجد، لأن الحكومة تهتم فقط بمن يملكون الثروة والنفوذ.
الحرمان العمراني
فجّر اهتمام الدولة بهذا المشروع، ودعمها لعشرات مشروعات الإسكان الفاخر التي تنفذها هيئة المجتمعات العمرانية وشركات القطاع العام وبنوكه، موجة من التساؤلات عن أولويات التنمية الحضرية في بلد يعاني فيه أكثر من ثلث السكان، وفق تقديرات وبحوث مستقلة، من "الحرمان العمراني"، المتمثل بغياب مقومات السكن اللائق من مياه وصرف صحي وخدمات أساسية.
يشير خبراء اقتصاد وتخطيط، في دراسة أجراها مركز "حلول للسياسات البديلة" بالجامعة الأميركية صدرت مطلع مايو الجاري، إلى توجه الدولة المتسارع نحو التوسع في مشروعات الإسكان الفاخر وفوق المتوسط، خصوصاً في العاصمة الإدارية الجديدة والمدن الذكية، بينما تراجعت حصة الإسكان منخفض التكلفة مقارنة بحجم الطلب الحقيقي, ولفت هؤلاء إلى أنه مع انهيار قيمة الجنيه المصري وارتفاع التضخم، تحولت أسعار الوحدات الحكومية إلى أرقام يصعب على غالبية المصريين تحمّلها، حيث قفزت قيمة بعض الوحدات من مليوني جنيه إلى أكثر من 10 ملايين جنيه في بعض المناطق .
أوجد هذا التحول فجوة حادة بين طبيعة ما يُبنى وما يحتاجه المواطن فعلياً؛ فبينما تشهد السوق طفرة في المعروض الفاخر، يتراجع الطلب الحقيقي نتيجة ضعف القدرة الشرائية، وهو ما دفع الحكومة إلى إعادة التفكير في سياسات الإسكان الاجتماعي وإشراك القطاع الخاص بصورة أوسع، ليس في العقارات فقط، بل في الخدمات الأساسية أيضاً؛ حيث أعلنت وزارة الإسكان الأسبوع الماضي فتح قطاعي المياه والإسكان الاجتماعي أمام المستثمرين في إطار وثيقة "ملكية الدولة.
وتستعد الدولة لطرح مشروعات كبرى لبناء مرافق مياه الشرب والصرف الصحي وإدارتها بعد عقود من الاحتكار الحكومي، استناداً إلى فرضية امتلاك القطاع الخاص مرونة أكبر في التمويل وقدرة على إدخال تكنولوجيا حديثة، وفي ملف الإسكان الاجتماعي، طرحت الوزارة مطلع الأسبوع الجاري أراضي لبناء نحو 19 ألف وحدة لمحدودي الدخل في ثماني مدن جديدة، بتمويل عقاري مدعوم بفائدة 8%متناقصة لمدة 20 عاماً، في محاولة لامتصاص فائض الوحدات الشاغرة الذي تقدره دراسات عمرانية ما بين 7 إلى 13 مليون وحدة.
مشروعات للاستثمار وحفظ القيمة وليست للسكن
تحول مشروع ذا سباين إلى رمز للنموذج العمراني الجديد الذي يمتد من العاصمة الإدارية إلى العلمين الجديدة والمنصورة الجديدة وجبل الجلالة و"جريان"، ويعكس المشروع، الذي حقق مبيعات تقارب 40 مليار جنيه في أسبوعه الأول، استمرار الرهان على العقارات الفاخرة بكونها أداة للاستثمار وجذب السيولة وحفظ القيمة أمام التضخم، أكثر من كونها استجابة لاحتياجات سكنية فعلية.
ويرى الخبير الاقتصادي، أحمد بدرة، أن هذا الاتجاه يحمل مخاطر طويلة المدى؛ إذ إن الاقتصاد الحقيقي لا يقوم على "حفظ القيمة" في أصول عقارية لا تخلق إنتاجاً مباشراً، محذراً من توجيه رؤوس الأموال لقطاعات غير منتجة بدلاً من الصناعة والزراعة. من جانبه، يخشى وزير التضامن الأسبق والخبير الاقتصادي، جودة عبد الخالق، من تضخم ظاهرة المدن الشاغرة" المليئة بالوحدات المغلقة، مشيرا
إلى أن السخرية التي اجتاحت مواقع التواصل منذ إطلاق "ذا سباين" ليست منفصلة عن الواقع؛ ففيما تُسوق وحدات بمقدمات ملايين الجنيهات وأقساط تتجاوز 200 ألف جنيه شهرياً (ما يعادل أضعاف الدخل الرسمي لكبار المسؤولين)، تشير تقارير إلى أن المواطن العادي قد يحتاج إلى 150 عاماً من العمل لشراء شقة صغيرة، و600 عام لامتلاك وحدة في المدن الذكية.
الدولة تراجعت عن دورها في توفير الإسكان الشعبي
ودعا أستاذ الهندسة المدنية وخبير الإسكان، ممدوح حمزة، إلى مراجعة جذريّة لفلسفة الإسكان الحالية، التي تخلت تدريجياً عن دورها الاجتماعي وتحولت إلى مطور عقاري ينافس القطاع الخاص في الفئات العليا، تاركة محدودي الدخل أمام سوق لا يملكون القدرة على دخوله، مؤكدا أن الأولوية يجب أن تعود للإسكان الشعبي والإيجار منخفض التكلفة، مشيراً إلى أن ملايين الوحدات القائمة يمكن إعادة توجيهها بنظام الإيجار المدعوم بدلاً من ضخ استثمارات ضخمة في أصول قد تبقى شاغرة، وشدد على ضرورة معاملة السكن باعتباره خدمة عامة كالتعليم والصحة.
دولة تبني مساكن لا تتناسب مع إمكانيات شعبها
في المقابل، يشكو المواطنون من مشاكل فنية جوهرية في المشروعات القائمة، متمثلة بسوء التشطيبات، وتأخر التسليم لمدد تراوح بين سنتين إلى خمس سنوات، فضلاً عن عيوب في التأسيس والبنية التحتية، حتى في المشروعات التي تصنف "فوق متوسطة" مثل مشروع جنة، الذي يبدأ سعر المتر فيه بنحو 19,900 جنيه, وبينما تقدر غرفة المطورين العقاريين احتياجات السوق بمليون وحدة سنوياً، يتركز 80% من المنفذ حالياً في الفئات المتوسطة والفاخرة، ما يضع الدولة أمام تساؤل استراتيجي: هل تبني مدناً تناسب احتياجات سكانها، أم تبني مدناً لا يملك أغلب المصريين سوى مشاهدة أضوائها من بعيد؟