بعدما وصلت إلى 50 ألف بالجيزة.. العدادات الكودية: بوابة جباية جديدة لإرهاق المواطنين

- ‎فيتقارير

 

تحوّل ملف العداد الكودي من مجرد إجراء تنظيمي يهدف إلى ضبط استهلاك الكهرباء، إلى قضية مثيرة للجدل بين المواطنين والكثيرون يرون أن السيسي وحكومته يستخدمون هذا الملف كوسيلة جديدة لفرض أعباء مالية إضافية على الناس، بدلًا من معالجة جذور المشكلات المرتبطة بالبناء، والتصالح، وتضارب قرارات الجهات الحكومية. وبينما تتزايد الرسوم وتتعقد الإجراءات، يشعر المواطن بأن ما يُقدَّم له ليس حلًا، بل عبئًا جديدًا يضاف إلى سلسلة طويلة من الجبايات التي تستنزف دخله وتثقل حياته اليومية.

وبعدما وصل سعر تركيب العداد الكودي ل50 ألفا في حدائق الأهرام بالجيزة، قال @Aserasorat15: إن "رئيس حكومة السيسي كلما وقع في مأزق يلجأ إلى الكذب ويصدق كذبته، كما حدث في موضوع العدادات الكودية، ويضرب مثالًا بمنطقة حدائق الأهرام".

وكانت المشكلة في البداية هي التهرب من دفع "ممارسة الكهرباء"، فركّب الناس عدادات كودية، واختفت الممارسات تقريبًا ثم فجأة أصبح مطلوبًا من السكان التصالح في مخالفات البناء، رغم أن هذه المخالفات ناتجة أساسًا عن فساد المحليات.

وأشار إلى أن قانون التصالح صدر عام 2019 في عهد حكومة مدبولي، وتعدّل أكثر من مرة، ومع ذلك — بعد سبع سنوات — لم تنجح أي عمارة في حدائق الأهرام في الحصول على تصالح نهائي.

ومؤخرًا نشر موقع مصراوي خبرًا عن تعديل تعريفة الكهرباء في المنطقة باعتبارها "منطقة راقية" وكانت الكارثة التي جلبت عليهم اسعارا جديدة، وعاد الحصول على التصالح يتطلب موافقات من جهات عديدة، ورسومًا، وإجراءات طويلة ورغم أن السكان استوفوا كل ذلك، إلا أنهم لا يحصلون على التصالح.

والسبب: وزارة الآثار تعتبر المنطقة منطقة أثرية، وبالتالي لا تمنح موافقات التصالح، فيدفع الناس الأموال ويظلون في نظر القانون "مخالفين".

والقانون — كما يصفه — يفرض "إتاوة" على الملاك الذين اشتروا من المقاولين، ولا يعاقب المخالف الحقيقي، بل يعاقب المواطن الذي وضع شقى عمره في شقة يسكن فيها وقد يُفرض عليهم لاحقًا ضريبة عقارية أيضًا والأسوأ أن العقاب يستمر بلا حلول حقيقية، لأن رئيس الحكومة — حسب رأيه — لا يعرف ما الذي يجب أن يفعله.

وفي الوقت الذي تعتبر فيه وزارة الآثار المنطقة أثرية، تقوم محافظة الجيزة وحي الهرم بإصدار تصاريح بناء جديدة لعمارات أخرى بشكل طبيعي، لأنهم يحصلون على رسوم مقابل ذلك والحكومة نفسها تركّب العدادات للشقق بمبالغ تتجاوز 50 ألف جنيه، ثم تصنف المنطقة "راقية" لتبرير رفع الدعم عن الكهرباء.

وقبل أن ترفع الحكومة الدعم، يجب — كما تحاسب الناس على الكهرباء بالأسعار العالمية — أن تحاسب المرتبات أيضًا بالأسعار العالمية ويشير إلى صورة من مؤتمر لرئيس الحكومة، الذي — حسب رأيه — لا يعرف أن المحافظة والوزارة يصدران قرارات متناقضة، بينما هو يجمع الأموال فقط.

https://x.com/Aserasorat15/status/2054228383345660031

العداد الكودي والأزمة أعمق

وقال محمد جرامون باحث دكتوراه في اقتصاديات التمويل – جامعة الزقازيق عبر "فيسبوك": إن "أزمة العدادات الكودية هي عرضٌ لأزمة أعمق، حيث رأي تصريحات رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي أظهرت أن الجدل حول العدادات الكودية لم ينتهِ، بل كشف حجم التعقيد الذي صنعته الدولة عبر سنوات من سوء الإدارة في ملف البناء، التصالح، والمرافق، فالقضية لم تعد مرتبطة بنوع عداد الكهرباء، بل أصبحت عنوانًا لفشل إداري وتشريعي ممتد، يتحمل المواطن وحده تبعاته، بينما يفلت المسؤولون الحقيقيون من المحاسبة".

وأوضح أنه منذ 2019، فشلت الدولة في إدارة ملف التصالح على مخالفات البناء بصورة قانونية أو عملية، والدليل أن قانون التصالح عُدّل ثلاث مرات، ويجري الإعداد لتعديل رابع، في اعتراف ضمني بأن القانون وُلد مرتبكًا وفشل في التطبيق، فالقوانين الرشيدة لا تُعاد صياغتها كل عامين، ولا تتحول إلى مصدر ارتباك للمواطنين والمحليات والمحاكم.

وعن كون العدادات منظومة جباية لا مشروع عمراني، أشار إلى تعامل الدولة مع الملف باعتباره وسيلة تحصيل مالي، بدلًا من إصلاح منظومة المحليات ومحاسبة المسؤولين عن انتشار البناء غير المخطط. المواطن الذي بنى أو اشترى بحسن نية، وسدد الرسوم والمقايسات، وجد نفسه فجأة "مخالفًا" أو مهددًا بالغرامات، رغم أن الجهات الرسمية كانت شريكًا في كل خطوة.

واعتبر أن العداد الكودي ليس دليل مخالفة، مشيرا إلى أن الحكومة تجاهلت أن آلاف الوحدات مرخصة أو مقامة قبل قانون البناء الحديث، واضطر أصحابها للجوء إلى العدادات الكودية، بسبب نقص العدادات التقليدية أو تعنت المحليات، كثيرون ركبوا العداد الكودي لتفادي سرقة التيار والالتزام بالسداد، بل إن الدولة نفسها شجعت هذا المسار، أجرت المعاينات، حصلت الرسوم، ومدّت الشبكات، وهنا يبرز تساؤل "جرامون": إذا كانت هذه العقارات غير قانونية، فلماذا أوصلت إليها الدولة المرافق؟ ولماذا سمحت بالبناء من الأساس؟

مخالفة لمبدأ عدم رجعية القوانين

وأكد الباحث جرامون أن إعادة توصيف أصحاب العدادات الكودية كمخالفين بعد سنوات من الاستقرار القانوني يثير شبهة مخالفة مبدأ عدم رجعية القوانين، المواطن الذي حصل على عداد بموافقة رسمية أصبح صاحب مركز قانوني لا يجوز المساس به، الدولة التي لا تحترم استقرار المراكز القانونية تهدم الثقة بينها وبين المواطن لافتا إلى تمييز غير دستوري في أسعار الكهرباء مع الاتجاه لحرمان أصحاب العدادات الكودية من الدعم يثير شبهة مخالفة مبدأ المساواة، إذ لا يجوز بيع الخدمة العامة نفسها بأسعار مختلفة دون مبرر موضوعي، كثير من أصحاب العدادات الكودية ملتزمون بالسداد منذ سنوات، ولا يمكن معاملتهم كمواطنين من درجة أدنى.

وأبان أن الجميع يعلم أن خطة رفع الدعم عن الكهرباء تسير تدريجيًا حتى 2028، ما يعني أن جميع المواطنين سيتحملون التكلفة الكاملة، لذلك كان من الحكمة تجنب قرارات تزيد الاحتقان الشعبي في ظل التضخم وتراجع القدرة الشرائية.

عبء جديد بلا جدوى

ونبه إلى أن شهادة المطابقة تحولت إلى عبء مالي جديد بدلًا من كونها أداة لضبط الجودة، المواطن يُلزم بشهادة مكلفة رغم فساد المحليات وغياب الرقابة الحقيقية أثناء البناء، أي اختلاف بسيط في الرسومات أصبح يُعامل كجريمة عمرانية تستوجب العقاب، ما يعمّق شعور الناس بأن الإجراءات تُستخدم للجباية لا للتنظيم.

خلل هيكلي في منظومة المحليات

 

تعاني المنظومة من خلل عميق: غياب الرقابة، فساد إداري ممتد، تضارب إجراءات، وتحول بعض الجهات الفنية إلى أدوات تحصيل مالي، المواطن أصبح الحلقة الأضعف في سلسلة تتبادل فيها الجهات المسؤولية بينما تُلقى الفاتورة عليه وحده.

رسالة إلى السيسي

ويوجه جرامون رسالة إلى السيسي مفادها أن الدولة التي تريد إصلاح العمران لا تبدأ بمعاقبة المواطنين، ولا بتحويل الخدمات الأساسية إلى أدوات ضغط، ولا بإغراق الناس في رسوم وشهادات وتعديلات قانونية متلاحقة، الإصلاح الحقيقي يبدأ من إصلاح المحليات، تبسيط الإجراءات، احترام المراكز القانونية المستقرة، والتمييز بين الملتزم والمخالف الحقيقي.

وحذر من أن أخطر ما أنتجته هذه السياسات هو أزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة، يشعر ملايين الناس أنهم يدفعون ثمن فساد إداري وفشل تشريعي لم يشاركوا فيه، بينما تُدار الملفات بعقلية الجباية لا بعقلية الحلول والتنمية.