بين خروج مليارات الدولارات من أدوات الدين الحكومية، وتراجع ثقة المستثمرين في الأسواق المحلية، وتوقيع اتفاق تمويل جديد بقيمة مليار دولار مع البنك الدولي، تتجدد الأسئلة حول قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة احتياجاته التمويلية، ومدى اعتماد حكومة السيسي على القروض والتدفقات الخارجية، في وقت تتصاعد فيه الشكاوى من استبعاد أسر من برنامج "تكافل وكرامة" وتأخر صرف مستحقات آخرين.
وتزامن توقيع الاتفاق الجديد مع تداول تساؤلات على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن خروج أموال من السوق المصرية، ومصير الودائع الخليجية، ولا سيما الودائع السعودية، ومدى قدرة التدفقات الخارجية على توفير الحماية المطلوبة للاقتصاد في ظل الضغوط على الجنيه وارتفاع تكلفة الاقتراض.
وتكشف متابعة هذه الملفات عن ثلاثة مسارات متشابكة: أموال المستثمرين الأجانب التي تخرج من أدوات الدين، والتمويلات الدولية التي تحصل عليها حكومة السيسي، وأموال الحماية الاجتماعية التي يُفترض أن تصل إلى الأسر الأكثر احتياجاً.
أموال تغادر السوق
وأثار حساب "الجوكر" @ALGOKER63 تساؤلات بشأن ما وصفه بخروج أربعة مليارات دولار من مصر، إلى جانب 600 مليون دولار، في الوقت الذي تتجه فيه حكومة السيسي إلى الاقتراض مجدداً من البنك الدولي بمليار دولار.
وكتب: "اللي فهمته 4 مليار هربت خارج مصر و600 مليون واليوم مصر تستلف مليار من البنك الدولي!! والان الكل متوقف على السعوديه اذا سحبت فلوسها مصر نقول عنها الوداع، الكل منتظر قرار السعوديه نكون او نهرب من الدوله".
السؤال الذي أعاد طرحه: لمن هربت الـ4 مليار دولار ومن استقبلها بالخارج؟"
https://x.com/ALGOKER63/status/2116992967387070500
وفي تطور يتصل بهذا التساؤل، كشف تقرير لموقع "bne IntelliNews" أن المستثمرين الأجانب سحبوا نحو 3.5 مليار دولار من أذون الخزانة المصرية خلال أكتوبر، مقارنة بنحو 827 مليون دولار في سبتمبر، في موجة خروج من استثمارات الدين المحلي.
وأشار التقرير إلى أن نحو 1.5 مليار دولار خرجت خلال الأيام السبعة الأخيرة من أكتوبر وحدها، في ظل تراجع الجنيه وارتفاع الطلب على الدولار وزيادة الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة والتوترات الإقليمية.
وبحسب التقرير، فإن ما حدث يمثل موجة جديدة من خروج الأموال الساخنة، بعد خروج نحو سبعة مليارات دولار من الأسواق المصرية بين منتصف فبراير وبداية مارس، وفق تقديرات سابقة لمؤسسة "EFG Hermes".
الودائع الخليجية.. هل تتحول السعودية إلى كلمة السر؟
لم يأتِ التركيز على السعودية من فراغ؛ إذ تمثل الودائع الخليجية أحد أهم مكونات الدعم الخارجي للاقتصاد المصري، إلى جانب الاستثمارات المباشرة والتمويلات الدولية.
ووفق تقرير صندوق النقد الدولي الخاص بالمراجعات السابقة لبرنامج مصر، توجد تعهدات خليجية بإبقاء ودائع رسمية لدى البنك المركزي المصري بقيمة 18.3 مليار دولار حتى انتهاء برنامج التسهيل الممدد في ديسمبر 2026، مع استثناءات تتعلق باستخدام بعض الودائع في شراء حصص ملكية، على أن تبقى حصيلة بيع تلك الحصص ضمن الاحتياطيات الأجنبية.
وتشير هذه التعهدات إلى أهمية استمرار الدعم الخليجي بالنسبة إلى قدرة حكومة السيسي على إدارة التزاماتها الخارجية، لكنها لا تعني أن السعودية وحدها تملك قرار استمرار التمويل أو توقفه؛ فالرقم المذكور يشمل ودائع دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة.
ووافقت السعودية، بحسب مصادر مصرفية نقل عنها التقرير، على تجديد وديعة بقيمة 5.3 مليار دولار استحقت في نهاية أكتوبر، مع الإشارة إلى أن البنك المركزي المصري لم يصدر إعلاناً رسمياً بشأن ذلك حتى نشر التقرير.
مليار دولار جديدة من البنك الدولي
في الأول من نوفمبر 2026، وقعت حكومة السيسي؛ اتفاق تمويل بقيمة مليار دولار مع البنك الدولي، ضمن المرحلة الثانية من برنامج تمويل سياسات التنمية، بحضور مصطفى مدبولي.
ووقع الاتفاق وزير الخارجية والتعاون الدولي بدر عبد العاطي، بصفته محافظ مصر لدى البنك الدولي، مع المدير الإقليمي للبنك، الوليد العتابي.
ويأتي التمويل ضمن برنامج أوسع يحمل اسم "تعزيز القدرة على الصمود وخلق الفرص وتحسين الثروة من أجل ازدهار مصر واستقرارها"، ويستهدف دعم تنافسية الاقتصاد المصري، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية، ودعم التحول الأخضر.
وبحسب البنك الدولي، فإن التمويل يتكون من 800 مليون دولار تمويلاً من البنك، وضمان ائتماني بريطاني بقيمة 200 مليون دولار، ليصل إجمالي العملية إلى مليار دولار.
وتشمل الإصلاحات المرتبطة بالتمويل تعزيز حوكمة الشركات المملوكة للدولة، وإزالة العقبات أمام الاستثمار الخاص، وترسيخ قواعد المنافسة، ورفع كفاءة تحصيل الإيرادات المحلية، وتحسين أسواق الدين المحلي وتقليل تكلفة التمويل الحكومي.
كما تتضمن الإصلاحات دعم الحماية الاجتماعية، وتحسين الاستدامة المالية لقطاعي الكهرباء والمياه، وتطوير أسواق اعتمادات الكربون وتشجيع الاستثمار في الطاقة النظيفة.
والاتفاق هو الشريحة الثانية من برنامج مكون من ثلاث عمليات تمويل تنموي، يقدمها البنك الدولي بشروط ميسرة نسبياً مقارنة بالتمويل التجاري، ضمن تعاون أوسع مع صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي.
الاقتراض مقابل الإصلاحات
لا يقتصر التمويل الجديد على سد فجوة مالية مباشرة، بل يرتبط بمجموعة من الإصلاحات الهيكلية والمالية التي يطلبها شركاء التمويل الدوليون.
ويشير البنك الدولي إلى أن البرنامج يستهدف توسيع مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وتحسين إدارة الشركات الحكومية، وتعزيز كفاءة إدارة المالية العامة، إلى جانب إجراءات مرتبطة بالحماية الاجتماعية والتحول الأخضر.
وتكمن أهمية الاتفاق في أنه يأتي ضمن سلسلة من التمويلات التي تستهدف مساندة الموازنة والإصلاحات الاقتصادية، وليس باعتباره قرضاً مخصصاً بالكامل لبرنامج "تكافل وكرامة".
وبحسب وثائق البنك الدولي، فإن العملية الثانية تبلغ قيمتها مليار دولار، وتندرج ضمن سلسلة من ثلاث عمليات تمويل منفصلة، بينما ترتبط إتاحة التمويل بتنفيذ إجراءات إصلاحية متفق عليها.
وتوضح وثائق صندوق النقد الدولي بدورها حجم الاحتياجات التمويلية الخارجية لمصر، إذ قُدّرت احتياجات التمويل الخارجي في السنة المالية 2025/2026 بنحو 32.7 مليار دولار، مقابل مصادر تمويل متوقعة بنحو 25.2 مليار دولار، مع اعتماد جانب من التغطية على التمويلات الرسمية والاستثمارات وإصدارات الدين وبيع الأصول.
كما أشار الصندوق إلى أن التمويلات الرسمية المحددة للسنة المالية 2025/ 2026 تشمل ملياري دولار من صندوق النقد، و1.2 مليار دولار من المفوضية الأوروبية، إلى جانب مصادر أخرى، فيما تظل تدفقات التمويل الخارجي مرتبطة بتنفيذ البرنامج الاقتصادي والإصلاحات المتفق عليها.
"تكافل وكرامة".. 2.2 مليون أسرة خرجت من البرنامج
في الوقت الذي تتحدث فيه حكومة السيسي عن توسيع الحماية الاجتماعية، عاد ملف استبعاد الأسر من برنامج "تكافل وكرامة" إلى الواجهة، بعد إعلان وزارة التضامن الاجتماعي خروج 2.2 مليون أسرة من البرنامج نتيجة تحسن أوضاعها الاقتصادية، مع إدخال أسر أخرى (لم تعلن عددهم) من قوائم الانتظار بدلاً منها!
وقال أيمن عبد الموجود، المتحدث باسم وزارة التضامن الاجتماعي، إن إجمالي المستفيدين استقر عند 4.7 مليون أسرة، رغم خروج الأسر التي اعتبرتها الوزارة غير مستحقة بعد تحسن ظروفها الاقتصادية.
وكانت الوزارة قد أعلنت في سبتمبر 2026 أن مخصصات البرنامج ارتفعت إلى 54 مليار جنيه سنوياً، وأن عدد الأسر المستفيدة بلغ 4.7 مليون أسرة.
وتقول حكومة السيسي إن الاستبعاد يخضع لدراسات اجتماعية واقتصادية، وإن الأسر التي لم تعد مستوفية لشروط الاستحقاق تخرج من المنظومة، بينما تحل محلها أسر أخرى من قوائم الانتظار.
لكن الإعلان عن خروج 2.2 مليون أسرة أثار تساؤلات حول طبيعة التحسن الاقتصادي الذي استندت إليه الوزارة، ومدى كفاية الزيادات النقدية لمواجهة ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة.
أوضاع الأسر المستبعدة
انتقل الجدل حول استبعاد الأسر من البرنامج إلى "نواب"العسكر، بعدما طالب "النائب" أحمد فرغلي حكومة السيسي بتوضيح معايير إخراج 2.2 مليون أسرة، والكشف عن مدى التحسن الفعلي في ظروفها الاقتصادية.
وتساءل فرغلي عن مدى منطقية اعتبار زيادة قيمة المساعدة من 300 إلى 900 جنيه دليلاً كافياً على تحسن مستوى المعيشة، في ظل الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات.
كما أثار مسألة تراجع مخصصات البرنامج من 57 مليار جنيه إلى 42 مليار جنيه، مطالباً بمراجعة بيانات المستفيدين وفحص التظلمات وإجراء أبحاث اجتماعية دقيقة.
وتضمنت التحركات البرلمانية طلبات إحاطة أخرى بشأن توقف المعاشات وسقوط بطاقات الصرف وتأخر مراجعة التظلمات، إلى جانب استبعاد أسر تقول إنها ما زالت تعاني من ظروف اقتصادية صعبة.
ومن بين الملفات المطروحة طلب "النائب" بسام الصواف بشأن استبعاد أسر رغم استمرار احتياجها للدعم، وطلب "النائب" محمود حبيب بشأن توقف أو تأخر صرف المستحقات، وطلب "النائبة" كريستينا عادل بشأن آليات إعادة تقييم المستفيدين.
كما شملت طلبات الإحاطة ملف توقف بطاقات الصرف في كفر الدوار بمحافظة البحيرة، الذي أثاره "النائب" محمود عادل شعلان، وملف تأخر حسم التظلمات الذي أثاره "النائب" سامح شاور.
ومن المقرر أن تناقش لجنة التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة هذه الملفات، في ظل مطالب بمراجعة قواعد الاستهداف وضمان عدم استبعاد الأسر التي لا تزال مستحقة للدعم.
وتتجاوز أهمية هذه الاعتراضات قيمة المعاش النقدي؛ إذ إن الخروج من البرنامج قد يرتبط بفقدان مزايا أخرى تتصل بالتأمين الصحي والمصروفات المدرسية والدعم التمويني، وفق ما أثاره فرغلي.
سبوبة كبيرة" أم خلل في إدارة الدعم؟
وعلى مواقع التواصل، أثار إعلان التمويل الجديد وتوسيع برنامج "تكافل وكرامة" نقاشاً بشأن إدارة منظومة الدعم النقدي والرقابة على أموالها.
وكتب حساب "جحا" @Michael_M_Rezq: ، "أي حد اشتغل في مشاريع تكافل وكرامة عارف إنها سبوبة كبيرة أكبر من حياتنا، وعارف إنها لا تكافل ولا كرامة، وإن البنك الدولي عمره ما أشاد بمعدلات الإنجاز".
وطرح حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats تساؤلات بشأن مصير أموال الحماية الاجتماعية، ومدى وصولها إلى الفئات الأكثر احتياجاً، في منشور حمل عنوان "مليار دولار جديدة من البنك الدولي لمصر.. توسعة تكافل وكرامة تفتح ملف الفساد وغياب الشفافية".
وركز المنشور على ضرورة إعلان معايير الاستحقاق وأعداد المستفيدين الجدد، وحجم المخصصات التي ستذهب إلى البرنامج، ونتائج مراجعة الملفات، فضلاً عن وجود آليات مستقلة للتظلم والرقابة.
وأكد المنشور أن الاعتراض لا يتعلق بفكرة تقديم الدعم النقدي نفسها، وإنما بمدى كفاءة إدارة الأموال، وضمان وصولها إلى مستحقيها، ومنع استغلالها أو إهدارها.
https://x.com/egy_technocrats/status/2116927108484121086
وفي هذا السياق، يبقى الفارق قائماً بين الاتهامات المتداولة بشأن وجود فساد في بعض إجراءات الاستحقاق، وبين ثبوت وقائع فساد محددة بأدلة أو أحكام؛ وهو ما يجعل المطالبة بنشر بيانات الإنفاق ونتائج المراجعة والتظلمات محوراً أساسياً في النقاش.
خريطة التمويل الخارجي.. صندوق النقد والاتحاد الأوروبي والخليج
لا يأتي اتفاق البنك الدولي الجديد بمعزل عن شبكة واسعة من التمويلات والالتزامات الخارجية التي تعتمد عليها حكومة السيسي خلال الفترة 2024-2026.
صندوق النقد الدولي (IMF) يرتبط ببرنامج التسهيل الممدد بقيمة ثمانية مليارات دولار، إلى جانب تسهيل الصلابة والاستدامة، الذي تبلغ قيمته نحو 1.3 مليار دولار. وكان المجلس التنفيذي للصندوق قد وافق في 30 يوليو 2026 على المراجعة السابعة، بما أتاح لمصر سحب نحو 1.5 مليار دولار من برنامج التسهيل الممدد، ونحو 272 مليون دولار من تسهيل الصلابة والاستدامة.
الاتحاد الأوروبي يقدم حزمة مساعدة مالية كلية تصل إلى خمسة مليارات يورو في صورة قروض، ضمن حزمة تعاون أوسع تتضمن منحاً واستثمارات، وتستهدف دعم الاستقرار الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية.
البنك الدولي تتجاوز تمويلاته التراكمية لمصر، وفق البيانات الواردة في المادة، 27.5 مليار دولار منذ عام 1959، فيما تتضمن محفظته الحالية مشروعات تنموية وتمويلات سياسات تنمية، من بينها الاتفاق الأخير بقيمة مليار دولار.
دول الخليج تمثل مصدراً رئيسياً للاستثمارات والودائع والتمويلات، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية وقطر والكويت. وتبرز صفقة رأس الحكمة مع الإمارات بقيمة 35 مليار دولار عام 2024، إلى جانب الودائع الخليجية لدى البنك المركزي المصري.
الولايات المتحدة تقدم مساعدات سنوية لمصر تبلغ تاريخياً نحو 1.3 مليار دولار، تتركز النسبة الأكبر منها في المساعدات العسكرية، مع اختلاف المخصصات بحسب الموازنات والقرارات الأمريكية.
اليابان ومؤسسات التمويل الدولية الأخرى تشارك أيضاً في تمويل مشروعات البنية التحتية والتنمية، من خلال المنح والقروض الميسرة، إلى جانب مؤسسات مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
وتشير البيانات الواردة في المادة إلى أن بداية 2024 شهدت حزمة دعم وتمويل خارجي منسقة تجاوزت 50 مليار دولار، شملت صفقة رأس الحكمة وتمويلات صندوق النقد والاتحاد الأوروبي ومؤسسات دولية أخرى.