كشفت وكالة «بلومبرج» عن تسجيل صافي تخارج بلغ نحو 3.5 مليار دولار من السوق الثانوية لأدوات الدين المصرية خلال أكتوبر 2026، في تطور يعكس تصاعد الضغوط على الاستثمارات الأجنبية في أذون وسندات الخزانة، المعروفة باسم «الأموال الساخنة»، بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وفي تقدير منفصل، أشار بنك «ستاندرد تشارترد» إلى أن إجمالي تخارج الأموال الساخنة من مصر قد يتراوح بين 10 و15 مليار دولار، بعدما بلغت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة مستوى قياسياً عند 55.1 مليار دولار بنهاية يونيو 2026.
ويعكس الرقمان زاويتين مختلفتين لحركة خروج الاستثمارات الأجنبية؛ إذ يتعلق رقم بلومبرج بصافي التخارج من السوق الثانوية خلال أكتوبر، بينما يشير تقدير ستاندرد تشارترد إلى نطاق أوسع لحجم الأموال الساخنة التي غادرت السوق المصرية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ضوء الاعتماد الكبير على استثمارات المحافظ الأجنبية باعتبارها أحد مصادر توفير النقد الأجنبي، إذ إن خروجها السريع يضع سوق الصرف أمام طلب إضافي على الدولار، ويكشف مدى حساسية الاقتصاد المصري لتحركات المستثمرين الدوليين وتغير شهية المخاطرة تجاه الأسواق الناشئة.
مشكلات هيكلية أعمق وراء تراجع الجنيه
ويرى الناشط المهتم بالأزمات الاقتصادية د. محمد الشريف @MhdElsherif أن اختزال ضعف الجنيه في الظروف الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط يمثل تبسيطاً لمشكلة أكثر عمقاً.
وكتب عبر حسابه على منصة إكس "الجنيه المصري الضعيف أصلاً فقد حوالي 15% من قيمته منذ بداية العام، يعني في 10 شهور. بلاش نخدع ونصبر نفسنا ونقول إنه نتيجة لظروف جيوسياسية وارتفاع أسعار النفط. هذه ظروف تفاقم الضغط، لكنها ليست السبب الوحيد أو حتى السبب الرئيسي على المدى المتوسط".
ويشير الشريف إلى أن خروج الأموال الساخنة بمبالغ كبيرة وعلى موجات متتالية يمثل أحد أبرز مصادر الضغط على الجنيه، موضحاً أن خروج نحو ملياري دولار خلال أسبوع واحد في أكتوبر ترك فجوة دولارية فورية.
لكنه يضع هذه التطورات ضمن مجموعة أوسع من الاختلالات، تشمل العجز التجاري المزمن، وارتفاع عجز الميزان التجاري البترولي، إلى جانب الاعتماد على التمويل الخارجي قصير الأجل وارتفاع الالتزامات الخاصة بسداد الديون الخارجية.
كما يلفت إلى أن مصر تستورد أكثر بكثير مما تصدر، وأن الاعتماد على تمويل الدين العام وتدفقات المستثمرين الأجانب يجعل الاقتصاد أكثر عرضة لتقلبات الأسواق الدولية.
وفي تقديره، فإن البطء في الإصلاحات الهيكلية، خصوصاً ما يتعلق بتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، والاعتماد المفرط على الأموال الساخنة، يمثلان جزءاً أساسياً من جذور الأزمة.
سعر الصرف تحول إلى فخ
ومن جانبه، يميز الناشط السياسي شادي الغزالي حرب @shadygh بين مرونة سعر الصرف باعتبارها أداة اقتصادية، وبين الطريقة التي تُدار بها هذه المرونة في ظل اعتماد الاقتصاد على تدفقات استثمارية سريعة التقلب.
وكتب عبر حسابه: "صحيح أن مرونة سعر الصرف هو مكسب للاقتصاد المصري، لكنها بتبقى على حساب المواطن المصري، وتكرار الانخفاض هو نتيجة سوء إدارة للاقتصاد من سنين".
ويضيف أن المشكلة تكمن في الإصرار على الاعتماد على استثمارات الأجانب في أدوات الدين باعتبارها أحد أهم مصادر الدولار، قائلاً: "لما يكون الإصرار على الاعتماد على استثمارات الأجانب في أدوات الدين (الأموال الساخنة) كأحد أهم مصادر الدولار، يبقى المرونة دي بتتحول لفخ للمصريين مش لمكسب".
ويربط الغزالي حرب بين طبيعة المنطقة الجيوسياسية وبين ضرورة تنويع مصادر النقد الأجنبي، معتبراً أن الاعتماد على أدوات دين قصيرة الأجل في منطقة تتكرر فيها الصراعات يجعل الاقتصاد عرضة لصدمات متوقعة وليست مفاجئة.
ويتابع: "لما يبقى عندك تنويع لمصادر الدولار بالذات على قاعدة تصديرية قوية، يبقى مش هتتهز كل ما يحصل توتر في المنطقة، وعملتك يتخسف بيها الأرض باسم مرونة سعر الصرف".
مرونة سعر الصرف مكسب أم عبء؟
أثارت تصريحات الغزالي حرب نقاشاً بين متابعيه حول طبيعة مرونة سعر الصرف، وما إذا كانت تمثل مكسباً للاقتصاد المصري بالفعل في ظل طبيعة الاقتصاد المعتمدة بدرجة كبيرة على الاستيراد.
ورأى البعض أن مرونة سعر الصرف ليست مكسباً مطلقاً، وأن تلك المرونة ليست أكثر من أداة اقتصادية لها منافع هيكلية، لكن لها تكاليف اجتماعية واقتصادية في المدى القصير.
واعتبروا أن المرونة لا تكون مفيدة إلا للدول المصدرة، و"لكننا بلد مستوردة بأكثر من 100 مليار دولار سنوياً، فارتفاع الدولار قدام الجنيه كارثة على الاقتصاد وعلى المواطن المصري".
وأعاد آخرون الأمور لنقطة البداية حيث قرار التعويم كارثي وأن "الأموال الساخنة لو دخولها بينزل الدولار زي ما خروجها بيطلعه كان بقى فعلاً سعر مرن في الاتجاهين يقدر يخدم الاقتصاد ويأثر إيجابياً، لكن اللي بيحصل إننا بنحس بيها لما بتخرج بس".
حساب الفكر والمنطق @Thoug7logic يرى أن مرونة سعر الصرف يمكن أن تكون مكسباً، لكن بشروط، أبرزها وجود قاعدة تصديرية توفر سلة من العملات الأجنبية، وتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي، سواء في صورة قروض أو أموال ساخنة، إلى جانب اتباع سياسة لترشيد الاستيراد تقتصر على السلع الأساسية والاستراتيجية والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج.
رفع الفائدة 50 إلى 100 نقطة أساس
على صعيد السياسة النقدية، طرح المفكر الاقتصادي المصري شريف دلاور، في تصريحات لـ"الشرق بلومبرج"، أهمية التحرك الاستباقي في مواجهة احتمالات خروج المزيد من الأموال الساخنة.
وقال دلاور إنه يفضل رفع أسعار الفائدة بنحو 50 إلى 100 نقطة أساس، موضحاً: "أرى أن نكون سبّاقين لا لاحقين، خاصة مع توقع ارتفاع الفائدة الأميركية في ديسمبر".
وحذَّر من أن رفع الفائدة الأمريكية قد يدفع الأموال الساخنة إلى الخروج من الأسواق الناشئة نحو الولايات المتحدة، في ظل تحسن العائد على الأصول الدولارية وانخفاض جاذبية بعض الأسواق الأخرى.
وتعيد هذه الرؤية طرح معضلة السياسة النقدية المصرية، إذ إن رفع الفائدة قد يساعد في تعزيز جاذبية الأصول المقومة بالجنيه والحد من الضغوط التضخمية، لكنه في المقابل يرفع تكلفة التمويل والاقتراض على الشركات والحكومة.
هشاشة مصادر الدولار
وتتجاوز تداعيات خروج الأموال الساخنة سوق الصرف، لتشمل مجموعة من مصادر النقد الأجنبي التي تتأثر بالتوترات الإقليمية، وفي مقدمتها السياحة وقناة السويس والاستثمار الأجنبي.
ومع تصاعد المواجهة العسكرية في المنطقة، ظهرت مخاوف من تراجع حركة السياحة الوافدة، وإعادة شركات الشحن العالمية تقييم مساراتها البحرية، بما قد يضغط على إيرادات قناة السويس.
وتعني هذه التطورات أن الاقتصاد المصري قد يواجه ضغوطاً متزامنة من أكثر من اتجاه: انخفاض تدفقات المحافظ الأجنبية، وارتفاع فاتورة الطاقة والواردات، واحتمالات تراجع إيرادات السياحة والقناة.
وفي المقابل، فإن عودة الاستقرار الإقليمي يمكن أن تخفف هذه الضغوط، وتدعم تدفقات النقد الأجنبي، وتعيد تحسين شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة.
لكن الرهان على انتهاء التوترات لا يعالج وحده الاختلالات الهيكلية التي تحدث عنها عدد من المراقبين، وفي مقدمتها العجز التجاري، وارتفاع الاحتياجات التمويلية الخارجية، وضعف القاعدة التصديرية، والاعتماد على الأموال الساخنة في توفير الدولار.