4 صدمات تضرب اقتصاد الانقلاب … الدولار يتجاوز 56 جنيهاً و انهيار البورصة وهروب الأموال الساخنة والنفط يقفز إلى 115 دولاراً

- ‎فيتقارير

يواجه الاقتصاد المصري في زمن المنقلب السفيه السيسي واحدة من أشد موجات الاضطراب خلال الفترة الأخيرة، بعدما اجتمعت أربع صدمات اقتصادية ومالية في توقيت واحد، تمثلت في تراجع الجنيه أمام الدولار إلى مستويات قياسية، وتسارع خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل من أدوات الدين الحكومية، وتكبد البورصة خسائر سوقية ضخمة، إلى جانب القفزة الحادة في أسعار النفط نتيجة التصعيد العسكري في المنطقة.

وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه الاقتصاد من اختلالات هيكلية مزمنة، تتصدرها أزمة الديون الخارجية، واتساع العجز التجاري، والاعتماد المتزايد على التدفقات المالية الأجنبية لسد فجوات التمويل، وسط مخاوف من انتقال آثار الصدمات الجديدة إلى أسعار السلع والخدمات وتكاليف الإنتاج والمعيشة.

وتزداد المفارقة حدة مع تزامن هذه التطورات مع انعقاد «منتدى مصر 2026»، الذي خصصت له الحكومة ستة أيام لاستعراض ما وصفته بإنجازات السنوات الماضية، بينما كانت الأسواق المالية وسعر الصرف يقدمان صورة مغايرة عن حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد.

وبينما تتحدث الحكومة عن الإصلاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات، يجد نحو 109.6 مليون مصري أنفسهم أمام مخاطر موجة جديدة من الغلاء، في ظل تراجع القوة الشرائية للجنيه وارتفاع فاتورة الاستيراد والطاقة.

 

الصدمة الأولى.. الدولار يتجاوز 56 جنيهاً والجنيه يسجل تراجعاً قياسياً

واصل الجنيه المصري خسائره أمام الدولار، بعدما تجاوز سعر صرف العملة الأميركية حاجز 56 جنيهاً في التعاملات الرسمية، مسجلاً مستويات غير مسبوقة، وسط تزايد الطلب على النقد الأجنبي واضطراب تدفقات رءوس الأموال.

وسجل الدولار في بنك مصر، خلال تعاملات الاثنين، نحو 55.95 جنيه للشراء و56.05 جنيه للبيع، بزيادة تقارب 20 قرشاً مقارنة بتعاملات الأحد، ونحو 74 قرشاً عن مستويات الخميس السابق.

وتكشف المقارنة الشهرية حجم التراجع، إذ كان الدولار يسجل نحو 51.71 جنيه للشراء و51.85 جنيه للبيع في 26 سبتمبر الماضي، قبل أن يرتفع بأكثر من أربعة جنيهات خلال شهر واحد.

كما تجاوز السعر المستوى القياسي السابق الذي بلغ نحو 54.73 جنيه في أبريل الماضي، ما يعكس استمرار الضغوط على العملة المحلية رغم الإجراءات النقدية والاقتصادية التي اتخذتها الحكومة خلال السنوات الماضية.

ولا تتوقف تداعيات تراجع الجنيه عند سوق الصرف، إذ تنتقل سريعاً إلى أسعار السلع المستوردة ومستلزمات الإنتاج، بما يرفع تكاليف الصناعة والنقل والتجارة، ويزيد الضغوط التضخمية على المواطنين.

وبحسب ما أورده موقع «المال» الاقتصادي، دفعت تقلبات سعر الصرف عدداً من وكلاء السيارات إلى تعليق بيع بعض الطرازات الرائجة مؤقتاً، انتظاراً لاتضاح اتجاهات السوق.

كما أعلنت ثلاث شركات لإنتاج الحديد، هي عز والسويس للصلب والمراكبي، زيادات في أسعار حديد التسليح تراوحت بين 1200 و1700 جنيه للطن، في مؤشر على سرعة انتقال اضطرابات العملة إلى تكلفة مواد البناء.

 

هل يصل الدولار إلى 70 أو 100 جنيه؟

مع استمرار تراجع الجنيه، تصاعدت التوقعات المتشائمة بشأن مستقبل العملة المصرية. وتوقع أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر الدكتور علي عبد العزيز، في منشور عبر حسابه على «فيسبوك»، أن تشهد السنوات المقبلة مستويات أعلى لسعر الدولار، قد تتجاوز 60 و70 جنيهاً، وربما تصل إلى 100 جنيه أو أكثر.

واستند عبد العزيز إلى قراءته لمسار الاقتصاد المصري والضغوط التي تواجه العملة المحلية، مشيراً إلى أنه سبق أن توقع منذ عام 2022 وصول الدولار إلى مستوى 50 جنيهاً.

غير أن هذه الأرقام تظل توقعات شخصية وليست نتائج حتمية، إذ يتوقف مسار سعر الصرف على عوامل متعددة، بينها حجم التدفقات الدولارية، وسياسات البنك المركزي، والتضخم، والالتزامات الخارجية، وتطورات الأسواق العالمية.

لكن مجرد تداول هذه السيناريوهات يعكس حالة القلق بشأن قدرة الاقتصاد على تحقيق استقرار مستدام للعملة، بعيداً عن التدفقات المؤقتة والقروض وبيع الأصول.

 

الصدمة الثانية.. هروب الأموال الساخنة يكشف هشاشة التمويل

بالتزامن مع تراجع الجنيه، تعرض سوق الدين الحكومي المصري لموجة جديدة من خروج استثمارات المحافظ الأجنبية، المعروفة باسم «الأموال الساخنة»، التي تدخل الأسواق بحثاً عن العوائد المرتفعة، لكنها تستطيع المغادرة سريعاً عند ارتفاع المخاطر.

وبحسب نشرة «إنتربرايز» الاقتصادية، باع مستثمرون أجانب وإقليميون أدوات دين محلية بصافي بلغ نحو 1.13 مليار دولار خلال ثلاثة أيام من الأسبوع الماضي.

كما بلغت معاملات سوق الإنتربنك المرتبطة بتمويل عمليات التخارج من سوق الدين الثانوية نحو 3.1 مليارات دولار خلال الأسبوع.

وتشير بيانات أخرى أوردتها المادة إلى تسجيل المستثمرين العرب والأجانب صافي مبيعات بنحو 1.83 مليار دولار في أدوات الدين الحكومية خلال أربعة أيام، بالتزامن مع انعقاد «منتدى مصر 2026».

وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ضوء وصول استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية إلى نحو 55.1 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي، وهو حجم كبير يجعل سوق الصرف حساساً لتحولات شهية المستثمرين العالميين للمخاطرة.

وتكشف هذه التطورات إحدى نقاط الضعف الرئيسية في السياسة الاقتصادية المصرية، وهي الاعتماد على استثمارات مالية قصيرة الأجل يمكن أن تتغير اتجاهاتها بسرعة، بدلاً من زيادة الاعتماد على الصادرات والإنتاج والاستثمارات المباشرة طويلة الأجل.

فالأموال الساخنة قد توفر سيولة دولارية مؤقتة، لكنها لا تمثل بديلاً عن بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توفير موارد مستدامة من النقد الأجنبي.

 

استثمارات تبحث عن الربح السريع لا الاستقرار الاقتصادي

يرى أستاذ التمويل الدكتور السيد الصيفي أن خروج الأموال الساخنة لا يحدث بصورة عشوائية، وإنما تحكمه حسابات دقيقة تتعلق بتكلفة التحوط ضد مخاطر العملة، وحجم الالتزامات المستقبلية للدولة، وتوقعات المستثمرين بشأن العائد والمخاطر.

وأشار إلى أن مواجهة هذه التحركات تتطلب تعزيز أدوات التحوط الرسمية وزيادة مرونة الاقتصاد الحقيقي، بما يحد من تأثير التوقعات السلبية في الأسواق العالمية.

وتبرز أهمية هذه الرؤية في أن رفع أسعار الفائدة لجذب الاستثمارات الأجنبية قد ينجح مؤقتاً في استقطاب الأموال، لكنه يرفع في المقابل تكلفة خدمة الدين المحلي ويزيد الأعباء على الموازنة العامة.

وعندما تتغير الظروف الدولية أو تتصاعد المخاطر الإقليمية، قد تتحول التدفقات الداخلة إلى موجات خروج تضغط على العملة والاحتياطيات والسيولة الدولارية.

ومن هنا، فإن الأزمة لا تتعلق فقط بخروج المستثمرين، وإنما بمدى قدرة الاقتصاد على تحمل هذه التحركات دون اضطرابات حادة في سعر الصرف والأسواق المالية.

 

الصدمة الثالثة.. البورصة تخسر 171 مليار جنيه في جلسة دامية

امتدت موجة الاضطراب إلى البورصة المصرية، التي شهدت خلال جلسة الأحد تراجعات حادة دفعت إدارة السوق إلى وقف التداول لمدة نصف ساعة، في إجراء لم يحدث، وفق المعلومات الواردة، منذ أكتوبر 2021.

وبحسب نشرة «إيكونمي بلس»، بلغت الخسائر في القيمة السوقية للأسهم نحو 171 مليار جنيه خلال الجلسة، وسط موجة بيع واسعة وتراجع ثقة المتعاملين.

وهبط مؤشر  «EGX100 EWI» بنسبة بلغت 10%، بينما تراجع المؤشر الرئيسي «EGX30»  بنحو 3.56%، ليصل إلى أدنى مستوياته منذ مطلع أبريل الماضي.

كما سجل المستثمرون الأجانب صافي مبيعات، شملت نحو 80.2 مليون جنيه للأفراد و1.4 مليون جنيه للمؤسسات، وفق الأرقام الواردة في المادة.

وتعكس هذه التطورات حالة القلق التي سيطرت على الأسواق مع تراجع العملة المحلية وتصاعد التوترات الإقليمية وارتفاع تكلفة التمويل.

ولا تعني الخسائر السوقية البالغة 171 مليار جنيه خروج هذا المبلغ نقداً من البورصة، وإنما تعبر عن انخفاض القيمة الإجمالية للأسهم المدرجة نتيجة تراجع أسعارها.

لكنها تظل مؤشراً على حجم الاضطراب الذي أصاب السوق، وتأثيره المحتمل على ثقة المستثمرين وقدرة الشركات على جذب التمويل.

 

الصدمة الرابعة.. النفط يقفز إلى 115 دولاراً وموازنة مصر تحت الضغط

لم تتوقف الصدمات عند سوق الصرف والأموال الساخنة والبورصة، إذ جاءت القفزة الحادة في أسعار النفط لتضيف عبئاً جديداً على الاقتصاد المصري، في ظل التصعيد العسكري الإقليمي والمواجهات بين السعودية وجماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن.

وبحسب الأرقام الواردة، ارتفع سعر برميل النفط من نحو 75 دولاراً إلى 115 دولاراً، بزيادة تقارب 40 دولاراً، ما يهدد بارتفاع تكلفة واردات الطاقة وتوسيع الضغوط على الموازنة العامة.

وتشير التقديرات المذكورة إلى أن هذه القفزة قد تضيف أعباء تصل إلى نحو 160 مليار جنيه، بحسب مدة استمرار الأسعار المرتفعة وحجم الواردات والافتراضات المستخدمة في الحساب.

وتتزايد خطورة هذه التطورات مع اعتماد مصر على استيراد كميات كبيرة من المنتجات البترولية والغاز الطبيعي.

ووفق بيانات ميزان المدفوعات الواردة في المادة، بلغت الواردات البترولية والغازية نحو 24.9 مليار دولار، مقابل صادرات بترولية بقيمة 6.6 مليارات دولار، بعجز يقدر بنحو 18.3 مليار دولار.

ويعني استمرار ارتفاع أسعار النفط زيادة الحاجة إلى الدولار لتمويل الواردات، وهو ما قد يفاقم الضغوط على سعر الصرف، ويرفع تكاليف الكهرباء والوقود والنقل والإنتاج.

وتزداد المخاوف من أن تنتهي هذه التطورات إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار يتحمل المواطنون جانباً كبيراً من آثارها.

 

منتدى مصر 2026.. الإنجازات الحكومية تصطدم بواقع الأسواق

جاءت الصدمات الأربع بالتزامن مع انعقاد مسرحية «منتدى مصر 2026»، الذي امتدت فعالياته من 19 إلى 24 أكتوبر، وشهد استعراض الحكومة ما وصفته بإنجازات 12 عاماً في مختلف القطاعات.

وشارك المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي في فعاليات المنتدى، الذي خصصت له الحكومة مساحة واسعة للحديث عن المشروعات والاستثمارات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.

لكن المفارقة أن الأسواق شهدت خلال الفترة نفسها ضغوطاً متزايدة، تمثلت في ارتفاع الدولار وخروج استثمارات أجنبية وتراجع البورصة.

وتوقف الدكتور علي عبد العزيز عند هذا التزامن، معتبراً أن الأسواق تضع نتائج السياسات الاقتصادية تحت الاختبار، وأن المستثمرين لا يقيسون الثقة بالتصريحات والمؤتمرات وحدها، وإنما باستقرار العملة وحركة الأموال وتكلفة التمويل والعائد الحقيقي على الاستثمار.

وتطرح هذه المفارقة تساؤلات بشأن الفجوة بين الخطاب الحكومي الذي يركز على المشروعات والإنجازات، والمؤشرات التي تعكس استمرار الاختلالات الاقتصادية والمالية.

فالمؤتمرات قد تسهم في الترويج للاستثمار، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة ضعف الإنتاج أو العجز التجاري أو ارتفاع أعباء الديون.

 

هل ساهمت تصريحات السيسي السياسية في اضطراب الأسواق؟

في قراءة مختلفة لأسباب تزامن الأزمات، ربط رئيس تحرير جريدة «الشعب» السياسي مجدي أحمد حسين بين التطورات الاقتصادية الأخيرة وعدد من التصريحات السياسية التي أدلى بها السيسي.

وأشار حسين إلى حديث السيسي عن مغادرة الحكم في عام 2030 وعدم تعديل الدستور لتمديد بقائه، وتصريحاته المتعلقة بتأهيل قيادات مستقبلية عبر الأكاديمية العسكرية، إلى جانب حديثه عن دعم السعودية في مواجهة الحوثيين واحتمالات المشاركة العسكرية المصرية.

ويرى حسين أن هذه الملفات أثارت تساؤلات بشأن مستقبل السلطة والاستقرار السياسي، واحتمالات انخراط مصر في مواجهة إقليمية قد تفرض عليها أعباء اقتصادية وعسكرية إضافية.

واعتبر أن المستثمرين يتأثرون بالمخاطر السياسية بقدر تأثرهم بالمؤشرات الاقتصادية، خصوصاً في الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على تدفقات رءوس الأموال قصيرة الأجل.

غير أن الربط المباشر بين هذه التصريحات وتحركات الأسواق يظل تفسيراً سياسياً يحتاج إلى أدلة اقتصادية إضافية، إذ يمكن أن تتداخل معه عوامل أخرى، بينها تطورات أسعار الطاقة، وحركة الدولار عالمياً، وتوقعات المستثمرين بشأن المخاطر الإقليمية.

ومع ذلك، فإن القراءة تبرز أهمية الاستقرار السياسي ووضوح السياسات العامة في تشكيل ثقة المستثمرين وتوقعاتهم.

 

صندوق النقد يصل القاهرة.. ضغوط جديدة على الجنيه والدعم والأصول

تتزامن التطورات أيضاً مع وصول بعثة صندوق النقد الدولي إلى القاهرة لاستكمال المراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامج التمويل البالغ ثمانية مليارات دولار.

وبحسب المعلومات الواردة، ترتبط المراجعة بمناقشة إجراءات اقتصادية تشمل مرونة سعر الصرف، وخفض دعم الطاقة، وتوسيع دور القطاع الخاص، واستمرار برنامج التخارج من بعض الأصول المملوكة للدولة.

وتترقب القاهرة الحصول على شريحة تمويلية أخيرة تقدر بنحو 1.5 مليار دولار، إلى جانب تمويل آخر بنحو 800 مليون دولار من برنامج تسهيل الصلابة والاستدامة، وفق الأرقام المذكورة.

لكن استمرار الاعتماد على قروض المؤسسات الدولية يثير تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد المصري على تجاوز أزماته دون المزيد من الاستدانة.

كما تتصاعد المخاوف من انعكاس إجراءات خفض دعم الطاقة ومرونة سعر الصرف على مستويات الأسعار، خصوصاً في ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

ويحذر منتقدو السياسات الاقتصادية من أن التركيز على توفير التمويل الخارجي وضبط المؤشرات المالية لا يكفي لتحقيق التعافي، ما لم يترافق مع إصلاحات إنتاجية حقيقية ترفع الصادرات وتخفض الاعتماد على الواردات.

 

عجز تجاري يقترب من 65 مليار دولار.. أين ذهب الإنتاج؟

يرى مجدي أحمد حسين أن جوهر الأزمة الاقتصادية المصرية لا يكمن في ارتفاع الدولار وحده، وإنما في ضعف القاعدة الإنتاجية واتساع الفجوة بين ما تستورده البلاد وما تصدره.

واستشهد بارتفاع العجز التجاري من نحو 11.4 مليار دولار في عام 2014 إلى نحو 64.8 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، وفق الأرقام التي أوردها.

واعتبر أن اتساع العجز يعكس استمرار اعتماد الاقتصاد على الواردات، في مقابل عدم نمو الإنتاج والصادرات بالمعدلات الكافية لتوفير احتياجات البلاد من النقد الأجنبي.

وأشار إلى أن تراجع النشاط الصناعي والزراعي، إلى جانب الاعتماد على تحويلات المصريين العاملين بالخارج وإيرادات قناة السويس والتدفقات المالية، يجعل الاقتصاد أكثر تعرضاً للصدمات الخارجية.

وفي هذا السياق، انتقد حسين استمرار بيع الأصول العامة والأراضي للحصول على موارد دولارية، معتبراً أن هذه السياسة قد توفر تمويلاً مؤقتاً لكنها لا تعالج ضعف القدرة الإنتاجية.

ويطرح هذا النقد سؤالاً أساسياً بشأن جدوى النموذج الاقتصادي الذي اعتمدت عليه الحكومة خلال السنوات الماضية، ومدى قدرته على تحقيق نمو مستدام دون زيادة مستمرة في الديون أو الاعتماد على تدفقات استثنائية.

 

الديون الخارجية.. أزمة تتجاوز تقلبات الدولار

تأتي الصدمات الأخيرة في ظل استمرار الضغوط الناتجة عن الديون الخارجية، التي تشير المادة إلى تجاوز رصيدها 166.45 مليار دولار.

وتفرض هذه المديونية التزامات دورية لسداد الأقساط والفوائد، بما يزيد الحاجة إلى تدفقات دولارية منتظمة، ويجعل الاقتصاد أكثر حساسية لتراجع الاستثمار الأجنبي أو ارتفاع تكلفة الاقتراض.

ومع اتساع العجز التجاري وارتفاع أسعار الطاقة، تصبح مهمة توفير النقد الأجنبي أكثر صعوبة، خصوصاً إذا تزامنت هذه العوامل مع خروج استثمارات المحافظ المالية.

ويرى منتقدون أن الاعتماد المتكرر على الاقتراض لسداد التزامات قائمة أو تمويل مشروعات لا تحقق عوائد دولارية مباشرة يؤدي إلى استمرار الضغوط المالية.

وفي المقابل، فإن معالجة أزمة الدين تتطلب التمييز بين حجم الدين القائم ومدفوعات خدمته السنوية، وتقييم آجال الاستحقاق وتكلفة التمويل، إلى جانب وضع خطة واضحة لزيادة الموارد الدولارية المستدامة.

 

دعوات لوقف بيع الأصول وإعادة جدولة الديون

في مواجهة الأزمة، دعا مجدي أحمد حسين الاقتصاديين المستقلين وكبار الخبراء إلى الاجتماع وإعداد ورقة اقتصادية تتضمن مقترحات عملية لمعالجة الاختلالات الحالية.

وطالب بوقف التوسع في الاقتراض وبيع الأصول العامة، وتقليص الواردات غير الضرورية، وإعادة النظر في أولويات الإنفاق على المشروعات الكبرى.

كما طرح إمكانية التفاوض مع الدائنين بشأن إعادة جدولة بعض الالتزامات الخارجية، مشيراً إلى نادي باريس باعتباره إحدى الآليات المعروفة للتعامل مع ديون الدول.

واعتبر أن اللجوء إلى التفاوض بشأن الديون لا ينبغي التعامل معه باعتباره أمراً مستحيلاً، مستشهداً بتجارب دول واجهت أزمات مديونية واضطرت إلى إعادة ترتيب التزاماتها.

لكن تطبيق مثل هذه المقترحات يتطلب دراسة تفصيلية لطبيعة الديون المصرية والجهات الدائنة وشروط العقود، فضلاً عن تقييم تأثير أي إعادة هيكلة على التصنيف الائتماني وتكلفة الاقتراض والقدرة على تمويل الواردات.

وانتقد حسين استمرار الإعلان عن مشروعات جديدة مرتفعة التكلفة، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً مالية ودولارية متزايدة، معتبراً أن الأولوية ينبغي أن تكون لتعزيز الإنتاج والصادرات وتخفيف عبء الدين.

 

المواطن المصري أمام موجة جديدة من الغلاء

رغم أن الصدمات الأربع بدأت في أسواق الصرف والمال والطاقة، فإن آثارها المحتملة لا تتوقف عند المستثمرين أو المؤسسات المالية.

فارتفاع الدولار يزيد تكلفة السلع المستوردة ومستلزمات الإنتاج، بينما تؤدي قفزة أسعار النفط إلى زيادة نفقات النقل والطاقة والتشغيل.

كما قد تدفع اضطرابات الأسواق وارتفاع تكلفة التمويل بعض الشركات إلى تأجيل التوسع أو زيادة الأسعار لتعويض ارتفاع النفقات.

وتنعكس هذه التطورات بصورة أشد على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، التي تعاني بالفعل من تآكل القوة الشرائية وارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والمواصلات والخدمات الأساسية.

وتزداد المخاوف في ظل استمرار الضغوط الحكومية لخفض دعم الطاقة، واحتمالات اتخاذ إجراءات جديدة لضبط المالية العامة ضمن برنامج صندوق النقد الدولي.

وهكذا يجد المواطن نفسه معرضاً لتحمل آثار أزمة لم يكن طرفاً في صنع قراراتها، بينما تتراجع قدرته على مواجهة الزيادات المتلاحقة في الأسعار.

 

الاقتصاد المصري بين خطاب الإنجازات وواقع الأزمة

تكشف الصدمات الأربع التي ضربت الاقتصاد المصري خلال أيام قليلة أن الاستقرار الاقتصادي لا يمكن قياسه بعدد المشروعات المعلنة أو المؤتمرات التي تنظمها الحكومة، وإنما بقدرة الدولة على الحفاظ على استقرار العملة، وزيادة الإنتاج والصادرات، وجذب الاستثمارات المستدامة، والوفاء بالتزاماتها دون ضغوط متكررة.

كما تكشف مخاطر الاعتماد على الأموال الساخنة والقروض وبيع الأصول لتوفير النقد الأجنبي، في ظل استمرار اختلالات الميزان التجاري وتزايد الحاجة إلى تمويل الواردات وخدمة الديون.

ولا تعني التطورات الأخيرة بالضرورة أن الاقتصاد يتجه إلى انهيار حتمي، لكنها تمثل مؤشرات تحذيرية تستدعي مراجعة السياسات القائمة، ووضع أولويات اقتصادية تستهدف معالجة أسباب الضعف بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجه.

وبينما تستعرض حكومة السيسي ما تصفه بإنجازات السنوات الماضية، تظل الأسئلة الأكثر إلحاحاً مرتبطة بمستقبل الجنيه، وحدود المديونية، وقدرة الصناعة والزراعة على توفير احتياجات البلاد، ومدى تحمل المواطنين لمزيد من موجات الغلاء.

فالمشكلة لم تعد مجرد ارتفاع الدولار إلى 56 جنيهاً، أو خسارة البورصة 171 مليار جنيه في جلسة واحدة، أو خروج مليارات الدولارات من سوق الدين، وإنما في نموذج اقتصادي لا يزال شديد التأثر بالصدمات الخارجية، بينما يدفع المواطن المصري الجزء الأكبر من فاتورة اختلالاته.