الاتفاق البحري التركي الليبي يُربك حسابات القاهرة.. هل يتراجع النفوذ المصري في ليبيا؟

- ‎فيتقارير

موافقة مجلس النواب الليبي على اتفاق 2019 تعيد رسم حسابات النفوذ في شرق المتوسط، وتطرح أسئلة عن حدود التأثير المصري وطموحات أنقرة ومستقبل السيادة الليبية

لم تعد الحدود البحرية في شرق المتوسط مجرد خطوط قانونية تفصل بين مناطق النفوذ، بل تحولت إلى إحدى ساحات الصراع على الطاقة والموانئ والممرات الاستراتيجية وموازين القوى الإقليمية، وفي قلب هذه الحسابات، تجد ليبيا نفسها مرة أخرى أمام تنافس تتداخل فيه المصالح التركية والمصرية والروسية والإماراتية والأوروبية، بينما يظل الليبيون الطرف الأكثر تضررًا من استمرار الانقسام السياسي والعسكري.

وأعادت موافقة مجلس النواب الليبي على الاتفاق البحري الموقع بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني عام 2019 فتح ملف التوازنات الإقليمية، بعدما أثارت اعتراضات مصرية ويونانية وأوروبية، وطرحت تساؤلات حول مستقبل النفوذ المصري في شرق ليبيا، وحدود قدرة أنقرة على توسيع حضورها السياسي والاستراتيجي في البلاد.

ولا تقتصر أهمية الخطوة على الخلاف القانوني بشأن ترسيم الحدود البحرية، بل تمتد إلى دلالاتها السياسية؛ فقبول الاتفاق من جانب مؤسسة برلمانية في شرق ليبيا يمثل تحولًا يستحق القراءة في ضوء علاقات معسكر خليفة حفتر بالقاهرة وأنقرة، ومساعي الأطراف الليبية لتنويع تحالفاتها الخارجية.

لكن وسط هذا التنافس، يبقى السؤال الأهم: هل تتحول ليبيا إلى ساحة جديدة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية، أم يمكن أن يصبح الاتفاق مدخلًا لإعادة ترتيب العلاقات بما يدعم وحدة الدولة الليبية واستقلال قرارها؟

الاتفاق البحري.. أكثر من خلاف على الحدود

وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية مذكرة تفاهم لترسيم مناطق الاختصاص البحري في نوفمبر 2019، في سياق تصاعد التنافس على الموارد والمناطق الاقتصادية الخالصة في شرق المتوسط.

ورأت أنقرة في الاتفاق وسيلة لتعزيز موقعها في المعادلات البحرية الإقليمية، والاعتراض على ترتيبات اعتقدت أنها تقلص مجال تحركها في المتوسط، وفي المقابل، اعترضت اليونان ومصر وقبرص ودول أخرى على الاتفاق، معتبرة أنه يتعارض مع حقوقها البحرية أو يتجاهل مصالحها السيادية.

وبذلك، لم يعد الاتفاق مجرد وثيقة ثنائية بين تركيا وليبيا، بل أصبح جزءًا من صراع أوسع حول ترسيم الحدود البحرية، وحقوق التنقيب عن الغاز، ومستقبل التعاون في مجال الطاقة، وطبيعة التوازنات الأمنية في المنطقة.

وتكتسب موافقة مجلس النواب الليبي على الاتفاق أهمية خاصة لأنها قد تمنح أنقرة فرصة لتعزيز شرعية موقفها السياسي داخل ليبيا، وتوسيع قنوات التواصل مع معسكر الشرق الذي ظل لسنوات أقرب إلى القاهرة وأبوظبي وموسكو.

ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين الموافقة السياسية على الاتفاق وبين حسم قانونيته أو تسوية جميع الاعتراضات المتعلقة به؛ فهذه مسائل تتطلب فحصًا قانونيًا دقيقًا للاتفاق، وأساس المطالب البحرية لكل طرف، ومدى توافقها مع قواعد القانون الدولي للبحار.

القاهرة تعترض.. دفاع عن الحقوق أم إنذار سياسي؟

جاء الموقف المصري الرافض لتصديق مجلس النواب الليبي على الاتفاق ليؤكد حساسية الملف بالنسبة إلى القاهرة، التي تعتبر ترسيم الحدود البحرية وحقوقها في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري من القضايا المرتبطة بأمنها ومصالحها الاستراتيجية.

لكن دلالة الاعتراض المصري تتجاوز الجوانب القانونية، لأن الخطوة الليبية صدرت هذه المرة عن مؤسسة في شرق البلاد، حيث تتمتع القاهرة بعلاقات أمنية وسياسية وثيقة مع معسكر خليفة حفتر.

وهنا يبرز تساؤل مهم: هل بدأت مصر تفقد جزءًا من قدرتها على توجيه مواقف حلفائها في شرق ليبيا، أم أن التحرك يعكس سعي القوى الليبية إلى توسيع خياراتها الخارجية وإدارة علاقاتها وفق حسابات أكثر استقلالًا؟

الأرجح أن ما يجري لا يعني انهيار النفوذ المصري، لكنه يكشف أن هذا النفوذ لم يعد بالضرورة كافيًا لضمان تطابق مواقف الأطراف الليبية مع الرؤية المصرية في كل الملفات.

فالعلاقات بين الدول والقوى المحلية لا تقوم على الولاءات الدائمة وحدها، بل تتأثر بتغير المصالح والضغوط والفرص المتاحة، وقد يسعى معسكر الشرق إلى تنويع اتصالاته مع تركيا من دون أن يعني ذلك بالضرورة تخليه عن علاقاته التقليدية مع القاهرة.

ومن ثم، فإن التعامل المصري مع التطور لا ينبغي أن يقتصر على الاحتجاج أو التحذير، بل يحتاج إلى قراءة أعمق للتحولات داخل ليبيا، وللأسباب التي تدفع الأطراف المحلية إلى إعادة تقييم تحالفاتها.

هل يمكن أن تفتح الرؤية التركية بابًا لمكاسب مصرية؟

يثير الخلاف البحري سؤالًا آخر يتعلق بإمكانية استفادة مصر من بعض التصورات البديلة لترسيم الحدود في شرق المتوسط، بما فيها التصورات التي قد تختلف عن الطروحات اليونانية في تحديد مناطق الاختصاص البحري.

لكن الحديث عن مكاسب مصرية محتملة يظل افتراضيًا، ولا يعني أن الاتفاق التركي الليبي يمنح القاهرة تلقائيًا حقوقًا إضافية أو يضمن اكتشاف موارد جديدة من الغاز.

فترسيم الحدود البحرية مسألة قانونية وفنية معقدة، تتطلب دراسة السواحل ذات الصلة، والمبادئ القانونية الواجبة التطبيق، ومواقف الدول المعنية، وأي اتفاقات نافذة أو نزاعات قائمة.

كما أن القرار المصري لا تحكمه الجغرافيا وحدها؛ إذ يرتبط بشبكة واسعة من العلاقات مع اليونان وقبرص وإسرائيل والولايات المتحدة، إلى جانب حسابات الطاقة والأمن البحري والاستثمار والتعاون الإقليمي.

ولا يعني الاعتماد الاقتصادي بالضرورة التبعية السياسية، لكنه قد يرفع تكلفة الخلاف ويحد من هامش المناورة المتاح أمام صانع القرار.

ومن هنا، تحتاج مصر إلى تنويع شراكاتها وتعزيز قدرتها على إدارة ملفات الطاقة والأمن البحري بصورة مستقلة، مع الحفاظ على حقوقها المشروعة والالتزام بالمسارات القانونية والدبلوماسية لحل النزاعات.

تركيا توسع خياراتها.. وشرق ليبيا يعيد حساباته

تمثل موافقة مجلس النواب الليبي على الاتفاق فرصة سياسية لتركيا، لأنها تتيح لها توسيع نطاق علاقاتها داخل المعسكر الشرقي، بعد سنوات من تمركز نفوذها الأبرز في غرب ليبيا.

لكن هذا التطور لا يعني بالضرورة أن أنقرة أصبحت قادرة على فرض إرادتها في جميع أنحاء البلاد؛ فليبيا ما زالت تضم مراكز نفوذ متعددة، لكل منها حساباته الأمنية والسياسية والاقتصادية، كما أن علاقات معسكر الشرق بمصر والإمارات وروسيا لا تزال عنصرًا مهمًا في توازناته.

وقد تكون الخطوة الليبية محاولة لتنويع الشركاء، وتحسين شروط التفاوض، وفتح مسارات جديدة للتعاون، بدلًا من أن تكون تحولًا استراتيجيًا كاملًا ضد الحلفاء التقليديين.

وفي السياسة، لا يعني الانفتاح على طرف التخلي بالضرورة عن طرف آخر؛ فقد تسعى القوى المحلية إلى استخدام تعدد علاقاتها لتعزيز موقعها التفاوضي والحصول على مكاسب سياسية أو اقتصادية.

غير أن الخطر يكمن في أن تتحول هذه المرونة إلى سباق جديد على استقطاب القوى الليبية، بما يعمق الانقسام ويجعل مستقبل الدولة رهينة لتفاهمات خارجية متغيرة.

ليبيا في حسابات القوى الكبرى.. مصالح تتجاوز وحدة الدولة

لا يقتصر التنافس على ليبيا على مصر وتركيا، إذ تتداخل فيه مصالح روسيا والإمارات والولايات المتحدة والقوى الأوروبية، إلى جانب اليونان وقبرص وإسرائيل في الملفات البحرية والطاقة.

فروسيا تسعى إلى الحفاظ على حضورها العسكري والاستراتيجي، والإمارات تهتم بنفوذها السياسي والاقتصادي، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى ليبيا ضمن حسابات الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة وموازين القوى مع موسكو.

أما الدول الأوروبية، فتتداخل مصالحها في ملفات النفط والغاز والهجرة والأمن، في حين تتمسك اليونان وقبرص بمواقفهما بشأن الحدود البحرية وحقوق التنقيب في شرق المتوسط.

ولا يعني تعدد هذه المصالح بالضرورة وجود صفقة دولية موحدة أو مخطط سري متفق عليه، لكنه يكشف حجم التشابك الذي يجعل ليبيا ساحة تتنافس فيها أجندات متباينة.

وفي ظل هذا المشهد، يصبح الانقسام الداخلي عاملًا يضاعف قدرة القوى الخارجية على التأثير في القرار الليبي، ويجعل أي تسوية وطنية أكثر صعوبة كلما ارتبطت المؤسسات المحلية بتحالفات متعارضة.

والنتيجة أن الليبيين يظلون الأكثر عرضة لدفع ثمن الصراع، سواء عبر استمرار الانقسام السياسي والأمني أو تعثر توحيد المؤسسات أو تأخر توظيف الثروات الوطنية في تحسين ظروفهم المعيشية.

الفرصة المصرية التركية.. من إدارة التنافس إلى دعم وحدة ليبيا

على الرغم من تضارب المصالح بين القاهرة وأنقرة في بعض الملفات، فإن امتلاكهما قنوات تأثير في أطراف ليبية مختلفة قد يمنحهما فرصة للمساهمة في إنهاء الانقسام، إذا توافرت إرادة سياسية لتقديم الاستقرار الليبي على حسابات النفوذ الضيقة.

فمصر تمتلك علاقات وثيقة مع قوى شرق ليبيا، بينما تتمتع تركيا بحضور سياسي وأمني واقتصادي مهم في غرب البلاد. ويمكن توظيف هذه العلاقات لدعم مسار تفاوضي شامل يجمع الأطراف الليبية، بدلًا من استخدامها لترسيخ مناطق نفوذ منفصلة.

ولا يعني ذلك أن التفاهم المصري التركي وحده قادر على حل الأزمة، أو أن بقية القوى الليبية والدولية يمكن تجاوزها؛ فالتسوية المستدامة تتطلب مشاركة الليبيين أنفسهم، وتوافقًا على قواعد إدارة المرحلة الانتقالية، وضمانات تحول دون العودة إلى الصراع المسلح.

لكن التفاهم بين القاهرة وأنقرة يمكن أن يساعد في خفض التوتر، وفتح مسارات للتعاون الاقتصادي، ودعم توحيد المؤسسات، وتوفير بيئة أكثر ملاءمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

ويجب أن يشمل أي مسار جاد توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية، وضمان إدارة شفافة لعائدات النفط، وتوفير ضمانات سياسية تحول دون احتكار السلطة أو استخدام الموارد العامة لتعزيز نفوذ طرف على حساب آخر.

والأهم أن تكون وحدة ليبيا هدفًا قائمًا بذاته، لا مجرد وسيلة لتحقيق تفاهمات بين القوى الخارجية.

الخلاف البحري لا ينبغي أن يتحول إلى عقبة أمام المصالحة

من الضروري الفصل بين الخلافات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية وبين الجهود الرامية إلى إنهاء الانقسام الليبي.

فالنزاعات البحرية، مهما بلغت حساسيتها، يمكن التعامل معها عبر التفاوض والوسائل القانونية المتاحة، بما في ذلك التفاهمات الثنائية أو الآليات الدولية المناسبة.

أما ربط مستقبل المصالحة الليبية بحسم جميع الخلافات الإقليمية، فيمنح الأطراف الخارجية قدرة إضافية على تعطيل التسوية كلما تعارضت مصالحها.

وينبغي أن يظل القرار النهائي بشأن مستقبل ليبيا ومؤسساتها وعلاقاتها الخارجية في يد الليبيين، عبر عملية سياسية شاملة لا تفرض عليهم ترتيبات جاهزة من الخارج.

كما يتعين أن تتجنب القاهرة وأنقرة تحويل تفاهماتهما المحتملة إلى شكل جديد من الوصاية، أو التعامل مع ليبيا باعتبارها مساحة لتقاسم المصالح والنفوذ.

فالمعيار الحقيقي لنجاح أي اتفاق ليس مقدار ما تحققه دولة بعينها من مكاسب، بل مدى مساهمته في بناء مؤسسات ليبية مستقرة وقادرة على حماية السيادة الوطنية.

النفط والغاز.. ثروة الليبيين لا غنيمة المتنافسين

تتمتع ليبيا بموارد نفطية وغازية كبيرة، وموقع جغرافي مهم على البحر المتوسط، وهو ما يجعلها محط اهتمام القوى الإقليمية والدولية.

لكن هذه الموارد لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات للصراع بين القوى الخارجية أو أطراف الانقسام الداخلي، بل يجب أن تكون أساسًا لإعادة بناء الدولة وتحسين حياة المواطنين.

فالثروة الوطنية لا تكتسب قيمتها الحقيقية بمجرد استخراجها أو تصديرها، وإنما بقدرتها على تمويل التعليم والرعاية الصحية والإعمار والبنية التحتية وخلق فرص العمل.

ويتطلب ذلك مؤسسات اقتصادية موحدة وشفافة، وآليات رقابة ومساءلة تضمن توزيع العائدات بعدالة، وتحول دون استخدامها في تمويل الصراعات أو شراء الولاءات السياسية.

كما أن السيادة على الموارد لا تكتمل مع تعدد السلطات المسلحة وتضارب القرارات الاقتصادية، بل تحتاج إلى دولة موحدة تحتكر استخدام القوة وفق القانون، وتخضع مؤسساتها للمحاسبة، وتحدد سياساتها الخارجية بناءً على مصالح شعبها.

من رقعة الشطرنج إلى دولة مستقلة

قد تحقق تركيا مكسبًا سياسيًا من قبول الاتفاق البحري، وقد تتمسك مصر بحقوقها البحرية ومصالحها الأمنية، كما قد تحافظ القوى الدولية على مواقعها ونفوذها. لكن هذه المكاسب تظل محدودة القيمة إذا بقيت ليبيا منقسمة، وعجز الليبيون عن بناء دولة موحدة تدير ثرواتها وتحمي حدودها.

إن المسؤولية التاريخية أمام القاهرة وأنقرة لا تتمثل في إعادة توزيع النفوذ فوق الأراضي الليبية، بل في تحويل التنافس إلى تعاون يساهم في إنهاء الانقسام، ويدعم المؤسسات الوطنية، ويمنح الليبيين فرصة حقيقية لاختيار قيادتهم ومستقبلهم.

ولا يمكن تحقيق ذلك من خلال تفاهمات ثنائية تتجاهل القوى الليبية، بل عبر مسار سياسي يضع الإرادة الوطنية في المقدمة، ويضمن مشاركة الأطراف المختلفة، ويؤسس لتداول السلطة بالوسائل السلمية.

فليست المشكلة في أن تتنافس الدول على المصالح في ليبيا، بل في أن تتحول هذه المنافسة إلى سباق لتقاسم النفوذ والثروات، بينما يظل الشعب الليبي محرومًا من حقه في وطن موحد وقرار مستقل وثروة توظف لخدمته.

إن الاتفاق البحري، بكل ما يثيره من خلافات قانونية وحسابات سياسية، يمكن أن يكون اختبارًا لقدرة القوى الإقليمية على تجاوز منطق الصراع، أما النجاح الحقيقي، فلن يتحقق إلا عندما تنتقل ليبيا من كونها رقعة على رقعة الشطرنج الكبرى إلى دولة مستقلة يقرر أبناؤها مصيرها، ويحكمون مؤسساتها، ويستفيدون من ثرواتها بإرادة وطنية حرة.