لم تكن ثورات الربيع العربي التي اندلعت عام 2011 مجرد موجة احتجاجات محلية ضد الفساد والاستبداد وتدهور الأوضاع المعيشية، بل كانت جزءًا من ظاهرة تاريخية متكررة، تتجاوز فيها الاحتجاجات حدود الدولة، وتكتشف الشعوب أن الأنظمة التي بدت راسخة لعقود يمكن أن تسقط خلال أيام، قبل أن تواجه السؤال الأصعب: كيف يمكن تفكيك بنية السلطة القديمة، ومنعها من استعادة السيطرة؟
تكشف المقارنة بين الثورات الأوروبية عام 1848 وانتفاضات العالم العربي عام 2011 عن مفارقة أساسية في تاريخ الثورات؛ إذ يمكن للغضب الشعبي أن يوحد تيارات سياسية واجتماعية متباينة حول هدف إسقاط الحاكم، لكن هذه الوحدة سرعان ما تتعرض للاختبار عندما تبدأ معركة بناء النظام الجديد.
ففي الحالتين، انتقلت الاحتجاجات بسرعة من بلد إلى آخر، وتراجعت هيبة حكام بدوا عصيين على التغيير، لكن إسقاط بعضهم لم يؤد بالضرورة إلى تفكيك المؤسسات التي استندوا إليها، أو إنهاء شبكات المصالح التي استفادت من استمرار النظام.
وفي مصر، تجلت هذه المفارقة بوضوح بعد ثورة 25 يناير 2011، التي أجبرت حسني مبارك على التنحي، لكنها لم تؤد إلى إخضاع مؤسسات الدولة القديمة لتحول ديمقراطي مستقر، قبل أن يطيح الجيش بالرئيس المنتخب محمد مرسي في 3 يوليو 2013، وتستعيد المؤسسة العسكرية موقعًا مركزيًا في إدارة الحياة السياسية.
وتطرح هذه التجارب سؤالًا يتجاوز تفسير إخفاق ثورة بعينها: لماذا تنجح الشعوب أحيانًا في إسقاط رأس النظام، بينما تعجز عن تفكيك البنية السياسية والأمنية والاقتصادية التي جعلت الاستبداد ممكنًا؟
من باريس إلى سيدي بوزيد.. كيف تنتقل العدوى الثورية؟
يُنسب إلى رجل الدولة النمساوي كليمنس فون مترنيخ، أحد أبرز مهندسي النظام الأوروبي المحافظ الذي أعقب هزيمة نابليون، القول إن فرنسا إذا أصابها العطس، أُصيبت أوروبا بالزكام. ورغم عدم اليقين بشأن صحة نسبة العبارة إليه، فإنها تختصر مخاوف الحكام من انتقال الاضطرابات السياسية عبر الحدود.
بعد مؤتمر فيينا عام 1815، سعت القوى الأوروبية المحافظة إلى احتواء إرث الثورة الفرنسية، وإعادة تثبيت الملكيات، ومنع انتشار الأفكار الليبرالية والقومية التي هددت النظام القائم.
لكن هذا النظام تعرض لصدمة كبيرة في فبراير 1848، عندما اندلعت الثورة في باريس وأطاحت بالملك لويس فيليب، قبل أن تنتقل موجة الاحتجاجات إلى فيينا وبرلين وبودابست وميلانو وبراغ.
وخلال أسابيع، اضطرت حكومات إلى تقديم تنازلات، وسقطت أنظمة، وأُجبر مترنيخ نفسه على الاستقالة والفرار من فيينا.
لم تكن المجتمعات الأوروبية متطابقة، ولم يتفق الثوار على مشروع سياسي واحد. فقد طالب الليبراليون بالدساتير والحريات، وسعى القوميون إلى الاستقلال أو الوحدة الوطنية، بينما ركزت قطاعات من العمال والفئات الشعبية على المطالب الاجتماعية والاقتصادية.
لكن ما انتقل بين البلدان لم يكن برنامجًا سياسيًا موحدًا، وإنما إدراك جديد بأن التغيير الذي بدا مستحيلًا يمكن أن يصبح واقعًا.
وتكررت الآلية نفسها عام 2011، عندما أشعلت وفاة الشاب التونسي محمد البوعزيزي بعد إضرامه النار في نفسه موجة احتجاجات انتهت بفرار الرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير.
وبعد أقل من شهر، تنحى حسني مبارك في مصر، فيما امتدت الاحتجاجات إلى ليبيا واليمن والبحرين وسوريا، وشهدت دول عربية أخرى مطالبات متفاوتة بالإصلاح السياسي.
وكما حدث في أوروبا عام 1848، اكتشفت قطاعات واسعة من المواطنين أن أنظمة حكم استمرت لعقود لم تكن بالقوة التي تصورها الجميع.
وساعدت وسائل الاتصال الحديثة على تسريع هذه العملية؛ إذ انتقلت صور الاحتجاجات وشعاراتها ومشاهد سقوط الحكام عبر الفضائيات والإنترنت والهواتف المحمولة، ما أتاح للمتظاهرين في بلد ما متابعة تجارب نظرائهم في بلدان أخرى.
لكن التكنولوجيا، على أهميتها، لم تكن العامل الوحيد. فقد لعب تراكم الغضب من الفساد والقمع والبطالة والتفاوت الاجتماعي دورًا أساسيًا في جعل المجتمعات مستعدة للتحرك.
ومع ذلك، فإن انتقال نموذج الاحتجاج لا يعني انتقال موازين القوى التي تحكم كل دولة. فالثورة قد تعبر الحدود في أيام، بينما يتطلب تغيير مؤسسات الدولة ومراكز النفوذ سنوات من الصراع السياسي والاجتماعي.
إسقاط الحاكم ليس إسقاطًا للنظام
تكمن إحدى أهم المشكلات التي تواجه الثورات في الخلط بين رحيل الحاكم وتفكيك النظام الذي يستند إليه. فالرئيس أو الملك يمثل رأس السلطة، لكنه لا يشكل بمفرده منظومة الحكم. خلفه توجد مؤسسات عسكرية وأمنية وإدارية وقضائية، وشبكات اقتصادية ومصالح اجتماعية، تراكمت علاقاتها ونفوذها على مدى عقود.
وقد يتغير رأس السلطة بينما تحتفظ هذه المؤسسات بقدراتها التنظيمية ومواردها وعلاقاتها، ما يمنحها فرصة للتأثير في المرحلة الانتقالية، بل واستعادة المبادرة عندما تضعف القوى الثورية أو تختلف فيما بينها.
الربيع العربي.. وحدة الشارع وانقسام القوى السياسية
بعد عقود من الحكم السلطوي، اجتمعت في ميادين الثورة العربية تيارات سياسية متباينة، من الإسلاميين والليبراليين واليساريين إلى النقابيين والحركات الشبابية والمواطنين الذين لم ينتموا إلى أحزاب منظمة.
كان القاسم المشترك هو رفض الاستبداد والفساد والمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. لكن هذه الوحدة لم تعنِ الاتفاق على طبيعة النظام البديل، أو شكل العلاقة بين الدين والدولة، أو حدود صلاحيات الرئيس والبرلمان، أو موقع الجيش في الحياة السياسية، أو السياسات الاقتصادية التي ينبغي اتباعها.
وبمجرد تراجع قبضة الأنظمة القديمة، ظهرت الخلافات التي كانت مؤجلة بفعل المواجهة المشتركة مع الحاكم.
وفي بعض البلدان، انتقلت المنافسة من سؤال كيفية بناء مؤسسات ديمقراطية مستقرة إلى صراع على من يمتلك الحق في تمثيل الثورة، ومن يحدد قواعد المرحلة الانتقالية.
استفادت قوى النظام القديم من هذه الخلافات، مستندة إلى ما تمتلكه من موارد مالية وتنظيمية وإدارية وإعلامية، فضلًا عن قدرتها على التأثير في مؤسسات الدولة.
لكن من المهم عدم اختزال إخفاقات الانتقال العربي في الانقسامات وحدها؛ فقد اختلفت تجارب الدول في طبيعة مؤسساتها العسكرية والأمنية، ومدى تماسك الدولة، وحجم التدخلات الخارجية، والظروف الاقتصادية والاجتماعية.
كما لم تكن جميع الثورات متشابهة في نتائجها، إذ اتخذت مسارات مختلفة بين الانتقال السياسي المتعثر، والحروب الأهلية، واستعادة الحكم السلطوي.
ومع ذلك، تظل القاعدة المشتركة أن إسقاط رأس النظام لا يضمن تلقائيًا انتقال السلطة إلى مؤسسات ديمقراطية خاضعة للمساءلة.
مصر.. كيف بقيت مؤسسات النظام بعد رحيل مبارك؟
تقدم مصر واحدة من أبرز الحالات التي يمكن من خلالها فهم الفارق بين إسقاط الحاكم وتفكيك النظام. ففي 11 فبراير 2011، أعلن نائب الرئيس آنذاك عمر سليمان تنحي حسني مبارك، بعد 18 يومًا من الاحتجاجات الشعبية التي بدأت في 25 يناير.
لكن السلطة لم تنتقل إلى حكومة مدنية منتخبة فورًا، بل تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة المرحلة الانتقالية.
وكان هذا التطور مهمًا؛ لأن المؤسسة العسكرية، التي أصبحت صاحبة القرار السياسي الأعلى خلال الفترة الانتقالية، كانت جزءًا أساسيًا من بنية الدولة التي نشأت في ظل حكم مبارك، وإن لم تكن جميع مؤسساتها أو قياداتها متطابقة في المصالح والمواقف.
وبينما انصب اهتمام قطاعات واسعة من الثوار على الانتخابات والدستور وتشكيل المؤسسات المنتخبة، ظلت قضايا إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وضمان خضوع المؤسسات العسكرية للرقابة المدنية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، محل نزاع سياسي وقانوني معقد.
كما لم تتشكل جبهة سياسية موحدة تمتلك تصورًا مشتركًا لإدارة المرحلة الانتقالية، إذ اختلفت القوى الثورية والإسلامية والليبرالية واليسارية بشأن ترتيب الانتخابات، وطبيعة الدستور، وحدود صلاحيات الرئيس والبرلمان.
وفي ظل هذه الخلافات، احتفظت مؤسسات الدولة القديمة بقدرتها على التأثير في مسار المرحلة الانتقالية، بينما واجهت القوى السياسية الجديدة صعوبات في بناء توافق مستقر حول قواعد الحكم.
وفاز محمد مرسي بالرئاسة في انتخابات 2012، في أول انتقال إلى رئيس مدني منتخب عبر انتخابات تنافسية في تاريخ مصر الحديث. لكن تجربته واجهت أزمات سياسية واقتصادية واستقطابًا اجتماعيًا حادًا، وتفاقمت الخلافات بين حكومة الرئيس محمد مرسي وقطاعات من المعارضة.
وفي 3 يوليو 2013، أعلن وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي الانقلاب علي مرسي وتعليق العمل بالدستور، عقب احتجاجات واسعة طالبت بانتخابات رئاسية مبكرة، في خطوة وصفها مؤيدوها بأنها استجابة للمطالب الشعبية، بينما اعتبرها معارضوها انقلابًا عسكريًا على رئيس منتخب.
وأعقب ذلك قمع واسع لأنصارالرئيس الشهيد محمد مرسي ومعارضين آخرين، وتضييق شديد على المجال السياسي، ثم ترسخ نظام سلطوي جديد بقيادة السيسي.
وهكذا، لم يؤد سقوط مبارك إلى تفكيك البنية المؤسسية التي منحت المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية نفوذًا واسعًا في الحياة السياسية، بل انتهت المرحلة الانتقالية إلى إعادة تثبيت هذا النفوذ في صورة أكثر مباشرة.
لكن تفسير ما حدث لا يكتمل بإلقاء المسئولية على طرف واحد. فقد أسهمت الانقسامات السياسية، وأخطاء القوى الحاكمة والمعارضة، والأزمات الاقتصادية، والصراع على مؤسسات الدولة، في إضعاف فرص التوصل إلى تسوية ديمقراطية مستقرة.
والدرس الأبرز من التجربة المصرية هو أن الانتخابات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء نظام ديمقراطي إذا ظلت مراكز القوة الأساسية خارج المساءلة المدنية الفعلية، أو إذا لم تتوافق القوى السياسية على قواعد تحمي التداول السلمي للسلطة.
لماذا تتفوق الدولة المنظمة على الشارع؟
تستطيع الاحتجاجات الشعبية حشد أعداد كبيرة في فترة قصيرة، لكنها لا تمتلك بالضرورة التنظيم المستمر والموارد والخبرة المؤسسية التي تتمتع بها أجهزة الدولة.
فالشارع يتكون عادة من مجموعات واسعة تختلف في خلفياتها الاجتماعية وأهدافها السياسية، وقد تلتقي حول مطلب محدد من دون أن تمتلك قيادة موحدة أو برنامجًا متكاملًا لإدارة الدولة.
أما المؤسسات القائمة، فلديها هياكل إدارية متواصلة، وموارد مالية، وسلاسل قيادة، وقدرة على تنفيذ القرارات وتنسيق العمل عبر أجهزة متعددة.
وهذا الاختلال في القدرات لا يجعل انتصار النظام القديم حتميًا، لكنه يفسر جانبًا من صعوبة تحويل التعبئة الشعبية إلى سلطة سياسية مستدامة.
وفي المراحل الانتقالية، قد تتفاقم المشكلة عندما تتنافس القوى الثورية على المناصب والتمثيل السياسي قبل الاتفاق على ضمانات دستورية ومؤسسية تمنع احتكار السلطة.
كما يمكن للمؤسسات القديمة استغلال المخاوف الاجتماعية من الفوضى وانهيار الخدمات، لتقديم نفسها باعتبارها الطرف الوحيد القادر على استعادة الاستقرار.
وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة في البلدان التي ترتبط فيها قطاعات من الاقتصاد بالمؤسسات العسكرية أو الأمنية، أو التي تمتلك فيها النخب المرتبطة بالنظام السابق نفوذًا واسعًا في الإدارة والإعلام والأعمال.
ولا يعني ذلك أن كل مؤسسة في الدولة تعادي الثورة، أو أن جميع موظفيها يدافعون عن النظام السابق؛ فالدولة تضم مصالح واتجاهات متعددة. لكن استمرار الهياكل المؤسسية دون إصلاح قد يسمح بإعادة إنتاج أنماط السلطة القديمة حتى بعد تغيير القيادة السياسية.
الثورة المضادة.. عدوى في الاتجاه المعاكس
إذا كانت الثورات تنتقل بين البلدان من خلال انتشار الأمل في التغيير، فإن الثورة المضادة يمكنها بدورها أن تتجاوز الحدود.
فالحكومات التي تخشى انتقال الاحتجاجات إلى أراضيها قد تنظر إلى نجاح التحول الديمقراطي في دولة مجاورة بوصفه تهديدًا، خصوصًا إذا كان هذا النجاح قادرًا على إلهام معارضيها.
وقد تلجأ هذه الحكومات إلى تقديم الدعم السياسي أو المالي أو الإعلامي لقوى مناهضة للتغيير، أو إلى استخدام أدوات دبلوماسية وأمنية للحيلولة دون استقرار الأنظمة الجديدة.
وظهر منطق مشابه في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، حين تعاونت الملكيات المحافظة على احتواء الثورات، وبلغ ذلك ذروته في التدخل الروسي ضد الثورة المجرية عام 1849.
وفي العالم العربي، تداخلت مسارات الثورات مع تنافسات إقليمية ودولية، وتفاوتت أشكال الدعم الخارجي للقوى السياسية والعسكرية المتنافسة من دولة إلى أخرى.
لكن من الضروري التمييز بين وجود تدخلات خارجية موثقة وبين الادعاء بأن مسارات الثورات العربية كانت جميعها نتيجة خطة واحدة؛ فالعوامل الداخلية، بما فيها ضعف المؤسسات الديمقراطية والانقسامات السياسية والأزمات الاقتصادية، ظلت حاسمة في تحديد النتائج.
وفي الحالة المصرية، لا يمكن فهم المسار الذي انتهى بعزل مرسي من دون النظر إلى الصراع الداخلي حول السلطة، وموقف المؤسسة العسكرية، والاستقطاب السياسي، إلى جانب البيئة الإقليمية التي أحاطت بالتحول.
وهنا تتضح المفارقة: فالثورة قد تبدأ بوصفها حركة داخلية للمطالبة بالحرية والعدالة، لكنها سرعان ما تصبح جزءًا من صراع أوسع على شكل الدولة وموقعها في النظام الإقليمي.
هل كان فشل الثورات حتميًا؟
لا تقدم التجربتان الأوروبية والعربية دليلًا على أن الثورات محكوم عليها بالفشل، بل تكشفان أن إسقاط النظام يمثل بداية معركة سياسية ومؤسسية أكثر تعقيدًا.
ففي أوروبا، لم تختفِ مطالب عام 1848 رغم هزيمة عدد من الانتفاضات. واستمرت الأفكار الليبرالية والقومية والاجتماعية في التأثير في الحياة السياسية، وأسهمت في تحولات دستورية ووطنية لاحقة، وإن اختلفت مساراتها من بلد إلى آخر.
وبالمثل، لم تختفِ المطالب التي رفعتها ثورات الربيع العربي، حتى في الدول التي عادت فيها الأنظمة السلطوية أو غرقت في الصراعات المسلحة.
لكن تحويل هذه المطالب إلى مؤسسات ديمقراطية مستقرة يتطلب أكثر من إسقاط الحاكم أو الفوز بالانتخابات.
ويتطلب ذلك بناء قواعد دستورية تحمي الحقوق والحريات، وتضمن تداول السلطة، وتخضع الأجهزة الأمنية والعسكرية للمساءلة القانونية، وتمنع احتكار المؤسسات العامة من جانب حزب أو جماعة أو مؤسسة بعينها.
كما يحتاج إلى توافق سياسي يحمي المنافسة بين القوى المختلفة من التحول إلى صراع صفري، وإلى سياسات اقتصادية تستجيب للمطالب الاجتماعية التي دفعت المواطنين إلى الثورة.
ومن دون هذه الشروط، قد تجد القوى التي شاركت في إسقاط النظام نفسها عاجزة عن حماية المكاسب التي حققتها، بينما تستعيد المؤسسات القديمة نفوذها تدريجيًا.
من إسقاط الحاكم إلى بناء الدولة
تجمع تجربتا 1848 و2011 بين لحظات تاريخية متباعدة، لكنهما تكشفان عن سؤال واحد يتكرر كلما اندلعت ثورة: كيف يمكن تحويل القوة الشعبية التي أسقطت الحاكم إلى مؤسسات قادرة على منع عودة الاستبداد؟
لقد نجحت الثورات في الحالتين في كسر حاجز الخوف، وإظهار أن الأنظمة التي تبدو راسخة ليست عصية على التغيير. لكنها اصطدمت أيضًا بتفاوت القدرات التنظيمية، وتضارب المصالح بين القوى المناهضة للنظام، واحتفاظ المؤسسات القديمة بأدوات النفوذ.
وفي مصر، أظهرت تجربة ما بعد يناير أن تغيير رأس السلطة لا يضمن تغيير طبيعة الحكم، وأن الانتخابات لا تستطيع وحدها ترسيخ الديمقراطية إذا ظلت مراكز القوة المؤسسية خارج قواعد المساءلة والتوازن.
كما أظهرت أن غياب التوافق على قواعد اللعبة السياسية، إلى جانب الاستقطاب الحاد، يمكن أن يفتح المجال أمام تدخل المؤسسات غير المنتخبة لإعادة تشكيل النظام السياسي.
وفي المقابل، فإن تصوير الثورة بوصفها مجرد صراع بين شعب موحد ونظام متماسك يتجاهل تعقيدات المجتمع، وتعدد المصالح، والأخطاء التي ارتكبتها القوى السياسية المختلفة، والظروف الاقتصادية والإقليمية التي أثرت في مسار التحول.
الخلاصة أن الثورة قد تنتصر في معركة إسقاط الحاكم، لكنها لا تنتصر بالضرورة في معركة تفكيك النظام. فهذه المعركة تتطلب بناء مؤسسات بديلة، وإعادة توزيع السلطة على أسس ديمقراطية، وضمان ألا تتحول الدولة مرة أخرى إلى أداة في يد مركز واحد للنفوذ.
ومن باريس عام 1848 إلى القاهرة عام 2011، يبقى الفارق بين الثورة الناجحة والانتفاضة التي تُجهض مكاسبها مرتبطًا بقدرة القوى التي تطالب بالتغيير على الانتقال من وحدة الاحتجاج إلى بناء نظام سياسي قابل للاستمرار.
ويبقى السؤال الذي تركته التجربتان مفتوحًا: هل يكفي أن تتفق الشعوب على من تريد إسقاطه، أم أن نجاح الثورة يتوقف في النهاية على قدرتها على الاتفاق على قواعد تمنع أي قوة من احتكار الدولة بعد سقوط الحاكم؟