لوحة (Egypt) و”برستيج” السيسي .. عندما تدفع الغالبية الكادحة ثمن الادعاء

- ‎فيتقارير

شكّلت اللقطات الرسمية الأخيرة، وتحديداً في اللقاءات التي جمعت رأس السلطة في مصر من خلال الفيديوكونفرانس أو الصور الموزعة من منصة الاتحادية على الصحف المحلية، مادة دسمة للنقاش والتأويل على منصات التواصل الاجتماعي. فقد أثار ظهور اللوحة التعريفية التي تحمل اسم (Egypt) باللغة الإنجليزية أمام الوفد المصري جدلاً واسعاً.

إلا أن الرمزية البصرية لهذه اللقطات تم استدعاؤها في الوعي الجمعي والنقدي بوصفها تجسيدًا مجازيًا لمدى انفصال النظام الحاكم عن واقعه المحلي، فالاعتماد على اللغات الأجنبية والمظاهر الفارهة في المدن الجديدة مثل العلمين الجديدة والعاصمة الإدارية يُفسر شعبيًا على أنه انحياز لبنية "إيجيبت" الحديثة على حساب "مصر" القديمة وأحيائها الشعبية التي تُثقلها الأزمات الاقتصادية والتضخم.

ووضع لوحات تحمل أسماء الدول (مثل Egypt للوفد المصري أو اسم الدولة الأخرى) هو إجراء معتاد ودائم في القمم والمؤتمرات واللقاءات الثنائية الرسمية، سواء داخل المؤسسات السيادية أو في المقار الرئاسية والحكومية تكون هذه اللوحات مخصصة لتحديد أماكن جلوس الوفود الرسمية لكل دولة، ولا علاقة لها مطلقاً بأي دلالات سياسية حول ملكية الدولة أو تغيير مسمياتها الدستورية.

إلا أن البعض يرى أن النقاشات الدائرة في الفضاء الرقمي لم تقتصر على النقد الاقتصادي التقليدي، بل امتدت لتلامس صميم الهوية والبنية الطبقية والمجتمعية بين "مصر" بوصفها الحيز التاريخي والاجتماعي للغالبية الساحقة من المواطنين الكادحين، و"إيجيبت" التي تُستخدم تعبيرًا ساخرًا ومجازيًا عن مجتمعات الكمباوندات، والمدن الجديدة، والطبقات الثرية التي تعيش بمعزل عن الأزمات المعيشية الطاحنة للشارع.

تشريح الأزمة والسياسات

تعكس التغريدات والتدفقات الرقمية الصادرة عن المراقبين والمحللين على منصات التواصل الاجتماعي حالة الاحتقان العميق تجاه هذه الثنائية.

نشر الحساب د. نور @DRofficial_NR21 تغريدة يصف فيها المشهد بسخرية سياسية تعكس تحول الأولويات والرموز الحاكمة.

https://x.com/DRofficial_NR21/status/2082625962454417513

وأشار الحساب @AbdElrahma41413 إلى أن هذا البرستيج يتزامن مع الأزمة العميقة التي تعاني منها مصر في ظل السيسي نتيجة تراكم الديون وتضخم الالتزامات المالية الواجب سدادها، معتبرًا أن الضغط المالي يُلقى بوزره بشكل مباشر على كاهل المواطنين الباحثين عن أبسط مقومات العيش في وطن ضاقت سبله.

ولم تعد النقاشات الدائرة في الفضاء الرقمي تقتصر على النقد الاقتصادي التقليدي المعتاد، بل امتدت لتلامس صميم الهوية الوطنية، والبنية الطبقية، ومستقبل العدالة الاجتماعية.
 

وتتجلى هذه الحالة في التناقض الصارخ والمصطنع بين مفهومين باتا متداولين بقوة في الخطاب الشعبي والنقدي: "مصر" بوصفها الحيز التاريخي، والجغرافي، والاجتماعي للغالبية الساحقة من المواطنين الكادحين الذين يرزحون تحت وطأة الفقر وتدهور مستويات المعيشة، و"إيجيبت" التي تُستخدم تعبيرًا ساخرًا ومجازيًا عن مجتمعات الكمباوندات المغلقة، والعاصمة الإدارية الجديدة، والمدن الساحلية الفارهة، والطبقات الثرية التي تعيش في عزل تام ومنفصلة كلياً عن الأزمات المعيشية الطاحنة التي يعاني منها المواطن في الشارع.

 

انهيار الطبقة المتوسطة

تطرقت التحليلات الرقمية بتفصيل أكبر إلى الجذور الهيكلية لهذا الانقسام، حيث تناول حساب عنان (@3nan_ma) في تغريدته التحليل المنسوب لطرح إعلامي حول مفهوم "مصر وإيجيبت"، موضحًا أن تحطيم الطبقة المتوسطة على مدار العقد الأخير لم يكن وليد الصدفة أو نتاج قرارات وزارية عشوائية، بل جاء نتيجة سياسات مركزية متكاملة وجهت الموارد نحو المشروعات الكبرى والمدن الجديدة والكمباوندات، مما أدى إلى تراجع واسع في المستويات المعيشية ودفع الغالبية نحو دوائر الفقر، بينما استأثرت فئات محددة بمكتسبات التنمية العمرانية.

 

تحولات وانعكاسات المالية

على صعيد المشهد السياسي والاقتصادي الأوسع، يربط الناشطون بين مأزق النظام المالي واستمرار سياسات الابتزاز والاعتماد على الدعم الخارجي. وفي هذا السياق، قدم حساب (@Azahabi19) تحليلًا استراتيجيًا يربط بين تراجع الدعم المالي الخليجي، وحجم الديون الخارجية والداخلية الهائلة التي تثقل كاهل الاقتصاد
المصري، وبين محاولات النظام إعادة إنتاج خطابه الداخلي واستخدام أدوات التهدئة المعنوية لمواجهة الفجوة التمويلية الضخمة.

وتتكامل هذه الرؤى مع ما أشار إليه الصحفي قطب العربي @kotbelaraby  بشأن الأهداف الكامنة خلف بعض المقترحات التشريعية والمالية، مثل إصدار الصكوك وأدوات التمويل الجديدة، حيث يرى التحليل أن هذه الإجراءات تهدف إلى خلق طبقة اقتصادية جديدة مرتبطة وجودًا وعدمًا ببقاء رأس السلطة، مما يعمق الفجوة بين هذه النخب المستفيدة وبين عموم الشعب الذي يتحمل الفاتورة الاقتصادية الباهظة.

ونشر حساب أحمد قشطة  @AhmedKeshta970  انتقادات حادة للسياسات المرتبطة بإدارة المعابر والرسوم المفروضة على الحالات الإنسانية والمسافرين، معتبرًا أن هذه الممارسات تعكس انعكاس الأزمات الداخلية واختلال الأولويات على المستوى الإنساني والإقليمي.

https://x.com/AhmedKeshta970/status/2088657283290919255

مساحات تفاؤلية مصطنعة ترى حالة التقابل بين "مصر" و"إيجيبت" ليست مجرد تعبير لغوي عابر، بل هي انعكاس بصري وواقعي لأزمة اقتصادية واجتماعية هيكلية.

ولكن الرموز البروتوكولية واللقطات الرسمية في المدن الجديدة تأتي لتكرس في أذهان المواطنين شعوراً بالانفصال بين إدارة الدولة وهموم الغالبية الغالبة من السكان، وهو ما تفجره التغريدات والتدفقات الرقمية يومياً كصرخة احتجاج تعبر عن انسداد الأفق الاقتصادي والسياسي وغياب العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل لموارد الوطن.

فقر و"عنطزة"

على مدار السنوات الماضية، تجسدت سياسات الانحياز النخبوي في عدة محطات وممارسات أصابت العصب الحقيقي للاقتصاد المصري.

وخصصت مليارات الدولارات من الخزانة العامة ومن قروض دولية ثقيلة لإنشاء مدن مصممة خصيصاً لفئة قليلة قادرة على الدفع والسكن في "الكمباوندات"، بينما تُركت أحياء القاهرة التاريخية والمحافظات تئن تحت وطأة الإهمال وتدهور البنية الأساسية.

وفي وقت ترتفع فيه معدلات الفقر الرسمي لتتجاوز 30% (بينما تؤكد التقارير المستقلة أن أكثر من 60% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر)، يستمر التوسع في بناء الاستراحات والقصور وتطوير المنتجعات الساحلية الفارهة في العلمين وغيرها، وكأن الرفاهية حق حصري لطبقة بعينها.

وأدت سياسات التعويم المستمر ورفع الدعم عن السلع الأساسية إلى تراجع القيمة الشرائية للجنيه بأكثر من 600% مقارنة بعام 2013، في حين قفز الدين الخارجي من نحو 43 مليار دولار إلى ما يقرب من 165 مليار دولار. هذه الأموال لم تُوجه نحو قطاعي التعليم والصحة لدعم أبناء "مصر" الكادحين، بل ذهبت لتمويل بنية تحتية تخدم اقتصاد "إيجيبت".

ويعبر رواد منصات التواصل الاجتماعي عن هذا الواقع بمرارة بالغة، معتبرين أن المواطن المصري بات يُعامل كـ "ممول دائم" لفواتير باهظة لا يجنِي من ثمارها شيئاً، فالرسوم المفروضة على الحالات الإنسانية، وارتفاع أسعار الوقود والطاقة والخدمات العامة، وضرائب الصكوك وأدوات التمويل الجديدة، كلها أدوات تصب في النهاية في إنشاء طبقة اقتصادية جديدة مرتبطة ببقاء السلطة ومصالحها.

إن حالة التقابل بين "مصر" و"إيجيبت" ليست مجرد ترف فكري أو لغوي، بل هي صرخة احتجاج واقعية تعكس انسداد الأفق الاقتصادي والسياسي، وغياب العدالة الاجتماعية، وتوزيع الموارد بشكل يكرس المأساة المعيشية لغالبية الشعب لصالح رفاهية الأقلية المتحكمة.