حذفت عبارة “لن نتخلى عن القدس” من مناهجها.. السعودية تُغيّر القاموس الدراسي وتل أبيب ترحب بالقرار!

- ‎فيعربي ودولي

تشهد المناهج الدراسية في المملكة العربية السعودية في الآونة الأخيرة تحولاً لافتاً ونقاشاً واسع النطاق في طريقة تناولها لإسرائيل والصراع الفلسطيني، ويأتي ذلك في سياق ما تصفه الرياض بمسار الإصلاح الشامل المرتبط برؤية 2030 وتحديث منظومة التعليم لتتلاءم مع متطلبات العصر الحديث والانفتاح العالمي، غير أن هذه التغييرات المتلاحقة تفتح في المقابل باباً واسعاً للجدل الحاد والسخط الشعبي المستمر على المستويين العربي والإسلامي، خصوصاً مع اعتبار هذه التعديلات تراجعاً ملحوظاً عن مبادئ دينية راسخة ومواقف تاريخية ثابتة، وخصوصاً تجاه القضية الفلسطينية التي لطالما شكلت بوصلة للوجدان الشعبي في المنطقة.

 

وبحسب تقرير حقوقي وبحثي جديد صادر عن منظمة "IMPACT-se"، والذي تناول بالتفصيل المناهج الدراسية السعودية خلال الفترة الواقعة بين عامي 2024 و2026، فقد جرى حذف عبارات ذات دلالات عدائية صريحة تجاه إسرائيل واليهود، وتعديل أخرى في سياق تنقيح المضامين، إلى جانب إدخال تغييرات جذرية على الخرائط والمصطلحات المستخدمة في الكتب المدرسية المختلفة، بما يعكس توجها حكومياً متدرجاً نحو تخفيف حدة الخطاب السياسي والديني المرتبط بالصراع العربي الصهيوني برمته.

 

تعديلات في المناهج والكتب المدرسية

رصد التقرير الدولي عدداً من التغييرات الجوهرية التي طالت الكتب المدرسية والمقررات الدراسية لمختلف المراحل التعليمية في المملكة، ويمكن إجمال أبرز هذه التعديلات: 

حذف عبارة القدس التاريخية، تم رصد حذف عبارة "لن يتخلى المسلمون عن القدس" بشكل نهائي من كتاب اللغة العربية للصف الحادي عشر، بعدما كانت واردة بوضوح في طبعة العام الدراسي 2023-2024، ولم تعد موجودة نهائياً في طبعات 2024-2025 وما بعدها، وهو ما اعتبرته الدوائر الحقوقية إزالة لإشارة ذات حمولة سياسية ودينية كبرى.

تعديل مصطلحات التاريخ والصراع

في كتاب التاريخ المخصص للصف الحادي عشر، ظهر تغيير أكثر وضوحاً في المصطلحات المستخدمة لوصف إسرائيل؛ ففي طبعة 2024-2025 ورد تعبير "العدو الصهيوني" في سياق الحديث عن أنشطة الملك سلمان والمساعدات التي قدمتها مصر وسوريا بعد حرب عام 1973، قبل أن تستبدل الطبعة التالية للعام الدراسي 2025-2026 هذا التعبير بعبارة "الاحتلال الصهيوني".

تغيير الخرائط السياسية والجغرافية

لم تقتصر التغييرات على النصوص المكتوبة، بل امتدت لتشمل الخرائط المدرسية، إذ أشار التقرير إلى حذف اسم "فلسطين" من بعض المناطق الواقعة داخل الحدود المعترف بها دولياً لإسرائيل، بينما ظهرت مناطق أخرى بلا تسمية صريحة، في خطوة تقرأ باعتبارها محاولة لإعادة صياغة الوعي الجغرافي والسياسي للطلاب.

 

إسقاط نصوص وآيات وأحاديث

ولاحظ المتابعون والمراقبون إسقاط أحاديث نبوية شريفة وآيات قرآنية مرتبطة بمعاملة الأقليات غير المسلمة، إضافة إلى آيات تتناول الكفر والذنوب، بهدف تقديم محتوى أكثر تسامحاً وقبولاً للآخر بحسب المنظور الرسمي للمنظمة الصهيونية.

دلالات الانتقال من "العدو" إلى "الاحتلال"

بحسب التقرير التحليلي الصادر عن المعهد، فإن الانتقال التدريجي من مصطلح "العدو الصهيوني" إلى تعبير "الاحتلال الصهيوني" يعكس تراجعاً ملحوظاً في مستوى الخطاب العدائي الرسمي، ولكنه في نفس الوقت لا يعني بأي حال من الأحوال تحولاً كاملاً نحو الاعتراف الشامل بإسرائيل أو التطبيع الفكري التام. فالاستمرار في وصف "إسرائيل" بأكملها بأنها "احتلال إسرائيلي" يبقي على موقف فكري يرفض الاعتراف بشرعيتها كدولة طبيعية في المنطقة، ولا يقصر مفهوم الاحتلال فقط على الأراضي التي احتلت نتيجة حرب عام 1967 كما تتطابق مع قرارات الشرعية الدولية التقليدية.

 

وتكشف هذه التحولات الدقيقة عن مسار سعودي دقيق يسعى إلى إعادة ضبط الخطاب التعليمي بما يتلاءم مع التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي تشهدها المملكة، غير أن المسألة تتجاوز بكثير حدود الكتب المدرسية لتلامس قضية شديدة الحساسية في الوعي العربي والإسلامي العام. ففلسطين والقدس لا تزالان تمثلان قضية مركزية ومقدسة لدى الشعوب العربية والإسلامية، وأي تعديل أو تخفيف في الخطاب الرسمي تجاه إسرائيل يُقرأ شعبياً واجتماعياً باعتباره تنازلاً سياسياً ومقدمة للتطبيع، حتى وإن قدمته الرياض في إطار مبررات إصلاح المناهج وتحديثها وتطوير مخرجات التعليم.

 

الترحيب الرسمي والحقوقي

في الجانب المقابل، قوبلت هذه التعديلات بترحيب واسع وصريح من الدوائر السياسية والبحثية في تل أبيب. فقد علقت الشخصية الصهيونية داليا زيادة على هذه التغييرات في لقاء تلفزيوني على قناة i24NEWS الصهيونية، مؤكدة أن اتخاذ هذه الخطوة في التوقيت الحالي يُعد "أمراً شجاعاً جداً"، مشيرة إلى أن هذه المناهج باتت تغيّر التصور العام حول مدينة القدس، وقالت حرفياً:

 

"إن للمسلمين ادعاءً زائفًا بأن القدس ملك لهم… فإذا كانت السعودية —مهد الإسلام— تقول إن القدس ليست القضية التي يتعين علينا القتال لأجلها، فهذا أمر بالغ الأهمية، جزء من أهمية هذه الخطوة هو إعداد جيل أصغر سنًا يحمل نظرة أقل عداءً تجاه إسرائيل، ونأمل أن يؤدي هذا إلى علاقة إيجابية بين السعودية وإسرائيل."

 

كما سارعت منظمة "إمباكت-سي" إلى إصدار بيانات إشادة وتقدير بجهود المملكة المستمرة لتحسين المناهج المدرسية، معتبرة أن تصوير إسرائيل والصهيونية يواصل مسار الاعتدال التدريجي، وهو الأمر الذي يلقى دعماً ومتابعة دبلوماسية مستمرة من واشنطن وعبر جهود مبعوثين أمريكيين خاصين بمراقبة الخطاب التعليمي في الشرق الأوسط.

 

التداعيات العربية والإسلامية

على الصعيد الشعبي العربي والإسلامي، أثارت هذه التعديلات موجة عارمة من الاستياء والغضب عبر منصات التواصل الاجتماعي ومختلف وسائل الإعلام، فالرأي العام في المنطقة يرى في هذه التغييرات استجابة لضغوط إقليمية ودولية تهدف إلى تفريغ القضية الفلسطينية من محتواها الديني والتاريخي في الوعي الجمعي للأجيال العربية القادمة.

 

وفي هذا السياق، عبر العديد من المفكرين والمحللين عن قلقهم البالغ إزاء هذه التحولات، فقد كتب المعارض والكاتب محمد العربي زيتوت عبر حسابه على منصة إكس @mohamedzitout منتقداً البنية السياسية والتحالفات الإقليمية، ومشيراً إلى أن التغيرات التي تشهدها المنطقة تصب في اتجاه إعادة هندسة الوعي العربي بما يخدم المصالح الغربية والصهيونية دون وجود أفق حقيقي لضمان حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

 

ميدل إيست آي والصحافة الدولية

سلط تقرير مطول نشرته شبكة ميدل إيست آي (middleeasteye.net) بقلم الصحفية البارزة إيليس جيفوري الضوء على كواليس هذه التعديلات، مشيرة إلى أن منظمة "إمباكت-سي" انتقدت بشدة الطرق التي تصف بها الكتب المدرسية السعودية الشخصيات والقيادات الصهيونية التاريخية، مثل وصف محاولات الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان رشوة الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود عام 1940 بـ "المكر والخديعة" للتخلي عن القضية الفلسطينية.

 

ورغم محاولات المنظمة الصهيونية الطعن في هذه الروايات ووصفها بأنها تروج لنظريات مؤامرة سلبية ضد الحركة الصهيونية، إلا أن الوثائق والسجلات التاريخية المتاحة في أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية تؤكد صحة هذه الوقائع التاريخية الموثقة بالأدلة الدامغة حول محاولات شراء الدعم السياسي والتخلص من الوجود الفلسطيني عبر التهجير القسري والطوعي.

 

معادلة المستقبل الصعب

تجد المملكة العربية السعودية نفسها اليوم أمام معادلة سياسية واجتماعية بالغَة التعقيد والحساسية؛ فمن جهة، تمضي قدماً في خططها الطموحة لتحديث مناهجها التعليمية وإزالة المضامين التي تُصنف ضمن خانة التشدد أو الخطاب العدائي التقليدي تماشياً مع مستهدفات رؤية 2030 والانفتاح الاقتصادي والدولي، ومن جهة أخرى تواجه اختباراً شعبياً وقومياً متزايداً بشأن حدود التنازلات المقبولة في قضية ظلت لعقود طويلة تمثل الركيزة الأساسية للخطاب السياسي والديني في العالم العربي والإسلامي.

 

وبينما تتراجع حدة المصطلحات الحادة المستخدمة ضد إسرائيل تدريجياً، لا تزال بعض المناهج والكتب الرسمية تحافظ على مصطلحات مثل "الاحتلال"، مما يكشف بوضوح أن التحول السعودي لم يصل بعد إلى مرحلة التطبيع الكامل أو القطيعة التامة مع الرواية التاريخية الحقيقية للقضية الفلسطينية، ولكنه بلا شك يعيد رسم الحدود الفكرية للخطاب الذي سيتلقاه الجيل السعودي الصاعد تجاه إسرائيل وفلسطين ومستقبل القدس.

https://x.com/keymiftah79/status/2089637284832247904

https://x.com/keymiftah79/status/2088571241112170975