بعد حصول عبداللطيف على فخرية “هيروشيما” .. وتساؤلات عن الشهادات المضروبة والأوراق المزوّرة

- ‎فيتقارير

هيروشيما الفخرية ..بين إنجازات التعاون الياباني وفضائح "الشهادات المضروبة"

 

شهد المشهد التعليمي في مصر جدلاً واسعاً إثر إعلان الحكومة عن منح جامعة هيروشيما اليابانية درجة الدكتوراه الفخرية لوزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، تقديراً ل"جهوده" في تطوير منظومة التعليم، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مجالات البرمجة والذكاء الاصطناعي والتعليم الفني.

وقد أثار هذا التكريم موجة عارمة من ردود الفعل المتباينة بين الاحتفاء الرسمي والرفض الشعبي والتهكم عبر منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما في ظل التاريخ المثير للجدل للوزير وتناقضات السياسات التعليمية الحالية.

الشراكة المصرية اليابانية

تأتي الخطوة والأهمية الاقتصادية والأكاديمية للتعاون مع الجانب الياباني في إطار سعى حكومة السيسي للتوسع في النماذج التعليمية المستوحاة من التجربة اليابانية، وفي هذا السياق، أبرزت تغطيات إخبارية تفاصيل الاتفاقيات الموقعة.

حيث وقّع الوزير اتفاقية تعاون مع مجموعة "إيكويكان" اليابانية لتحويل 20 مدرسة للتعليم الفني إلى مدارس دولية متخصصة في التمريض، الرعاية الصحية لكبار السن، وتكنولوجيا المعلومات، بمدة دراسة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات وفق المعايير اليابانية.

وتستهدف وزارة التعليم الوصول إلى 102 مدرسة يابانية عاملة في مصر مع دخول عام 2026، مع خطط طموحة للوصول إلى 500 مدرسة بحلول عام 2030.

وأُبرمت اتفاقية مع مؤسسة اليابان لبدء تدريس اللغة اليابانية كلغة ثانية لطلاب المرحلة الإعدادية في 10 مدارس كمرحلة أولى اعتباراً من العام الدراسي 2026 / 2027، إلى جانب زيادة عدد الخبراء اليابانيين الدائمين في المدارس إلى 50 خبيراً.

وقوبلت هذه التحركات بزيارات رفيعة المستوى، شملت استقبال عبد الفتاح السيسي لرئيس جامعة هيروشيما ميتسو أوتشي في أبريل الماضي بحضور مدبولي ووزير التعليم بحكومته محمد عبد اللطيف، فضلاً عن تنظيم القوات المسلحة زيارة لوفد الجامعة للأكاديمية العسكرية المصرية وتوقيع اتفاقيات تعاون مشتركة لتأهيل أعضاء هيئة التدريس والمناهج.

 

https://x.com/AJA_Egypt/status/2086073989458215375

تبريكات الحكومة

سارعت الجهات الرسمية وعدد من الوزراء لتهنئة الوزير على التكريم الياباني؛ حيث تقدم وزير أوقاف السيسي؛ أسامة الأزهري بخالص التهنئة لمحمد عبد اللطيف، معتبراً أن الدكتوراه الفخرية انعكاس حقيقي لما تحظى به جهود تطوير التعليم المصري من تقدير دولي، وعمق للعلاقات الثقافية والأكاديمية بين القاهرة وطوكيو.

كما شارك عبد اللطيف في مؤتمر رؤساء الجامعات العالمي للسلام بجامعة هيروشيما، وألقى كلمة أكد خلالها على أهمية الاستثمار في التعليم لترسيخ قيم السلام والاستدامة.

الشهادات المضروبة

 

وفتح التكريم الباب واسعاً أمام انتقادات حادة من النشطاء والمعارضين، تركزت حول التاريخ الأكاديمي للوزير والاتهامات المتكررة بتزوير السيرة الذاتية، وفي هذا السياق، سخر حساب "حدث بالفعل" عبر منصة إكس من حصول الوزير على الدكتوراه الفخرية بعد تاريخ طويل من أزمات الأوراق الرسمية:
https://x.com/7adasBelfe3l/status/2086005991116791865

ومن جانبها، نشرت منصة "الموقف المصري" تقريراً تحليلياً مفصلاً يستعرض خلفيات الأزمة، مشيرة إلى تحقيق مبادرة "التحقق بالعربي" ومنصة "متصدقش" اللتين كشفتا سابقاً أن الوزير غير حاصل على درجة الماجستير من جامعة لورانس (التي تخلو من برامج للدراسات العليا أصلا)، وأن شهادة الدكتوراه السابقة في سيرته الذاتية كانت من جامعة "كارديف سيتي" الوهمية، فضلاً عن كون مؤهله الأساسي في "السياحة والفنادق" بعيداً عن علوم التربية والتعليم، وأن خبرته اقتصرت على إدارة مدارس والدته نرمين إسماعيل.

https://x.com/AlmasryAlmawkef/status/2086425302364733552

وعلى نفس الخطى، شن السياسي المعارض عمرو عبد الهادي هجوماً حاداً عبر حسابه الرسمي منتقدًا التكريم والسياسات الحكومية برمتها.

https://x.com/amrelhady4000/status/2086423265338122676

وسخر الإعلامي طارق أبو شريفة من حصول وزير التعليم على دكتوراه فخرية، متسائلاً عن غياب الشهادات العادية كالماجستير أو الدكتوراه الأكاديمية الحقيقية أولاً.

تعليم اللقطة

لم تقتصر الانتقادات على الشهادات، بل امتدت لتشمل السياسات التعليمية الميدانية؛ حيث انتقد حزب "تكنوقراط مصر" عبر حسابه الرسمي السياسات الحكومية واصفاً إياها بـ "تعليم اللقطة"، وأن تطبيق المناهج اليابانية أو مناهج الرياضيات يظل حبراً على ورق في ظل فصول مكتظة تضم ما بين 60 إلى 70 تلميذاً، وغياب البنية التحتية والتدريب الحقيقي للمعلمين، مؤكدين أن التعليم أصبح عرضاً إعلامياً لا بناءً حقيقياً للعقول:

وأكد الحزب في بيانه أن التعليم أصبح عرضاً إعلامياً لا بناءً حقيقياً للعقول: "تعليم اللقطة.. الاسم "ياباني" لكن الواقع "البلينا"، أعلن وزير التعليم أن تلاميذ الصف الأول الابتدائي في مصر سيدرسون منهج الرياضيات الذي يدرسه أطفال اليابان، عنوان براق لكنه على أرض الواقع أقرب إلى المستحيل في ظل بيئة تعليمية تفتقر لأبسط المرافق وغياب التدريب الحقيقي للمعلمين.".

 

التكريم الدولي .. تراجع معايير ومصالح سياسية

لم يعد المشهد المتعلق بالتكريمات الأكاديمية والتعيينات الدولية كما كان عليه في العقود السابقة، خاصة فيما يتعلق بالدور الذي تلعبه دول كاليابان أو منظمات أممية مثل اليونسكو، فقد طرأت تحولات عميقة على بنية وتوجهات هذه المؤسسات، مما يجعل قراءة تكريم وزراء ومسؤولين مصريين تتجاوز حدود "التقدير العلمي" البحت إلى شبكة من المصالح السياسية والدبلوماسية المعقدة.

ولم تعد الجامعات الكبرى في اليابان بمعزل عن الضغوط المالية والسياسية التي تواجه التعليم العالي عالمياً، فجامعة هيروشيما، كغيرها من الجامعات الإقليمية الكبرى، تعاني تحديات تتعلق بانخفاض أعداد الطلاب المحليين نتيجة التراجع الديموغرافي، وهو ما دفعها لتوثيق علاقاتها الخارجية مع حكومات تضخ استمارات ضخمة وتمويلات لشراكات استراتيجية (مثل مشروعات المدارس اليابانية والتعاون التقني في مصر).

حيث  لم يقتصر الأمر على منح الدكتوراه الفخرية من جامعة هيروشيما لوزير التربية والتعليم بحكومة السيسي محمد عبد اللطيف، بل سبقته حالات أثارت علامات استفهام مماثلة، مثل منح ذات الجامعة الدكتوراه الفخرية لوزير الصحة السابق خالد عبد الغفار، رغم ما واجهه الأخير من انتقادات حادة محلية واتهامات مرتبطة بإدارة قطاع الصحة وملفات الفساد والإهمال، فضلاً عن السجالات التي طالت أداءه إبان توليه حقيبة التعليم العالي.

هذا التوافق المتبادل يوضح أن منح الألقاب الشرفية بات أحياناً أداة دبلوماسية لتأمين عقود شراكة واقتصادية وتسهيلات استثمارية على حساب الرصيد المعرفي الصارم الذي كانت تتميز به المؤسسات الأكاديمية العريقة سابقاً.

كما لا يختلف الحال كثيراً عند الانتقال إلى المنظمات الدولية مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، والتي طالما رُفعت شعاراتها لحماية التراث الإنساني والحضاري. فقد أثار تولي وزير السياحة والآثار المصري الأسبق خالد العناني منصباً رفيعاً مديراً عاماً لليونسكو موجة واسعة من الجدل والنقد، لا سيما من الأثريين والمهتمين بالتراث المحلي.

وقد استند المنتقدون إلى سجل إدارته لملف الآثار في مصر، والذي شهد انتقادات حادة واتهامات مباشرة من خبراء التراث تتعلق بسياسات هدم وتطوير غير مدروسة طالت مناطق تاريخية ومقابر أثرية إسلامية عريقة (مثل مقابر الإمام الشافعي وبجوارها من جبانات القاهرة التاريخية)، فضلاً عن التعامل المثير للجدل مع قضايا ترميم الآثار والمباني ذات الطابع المعماري الفريد.

ويعد وصول شخصية مرتبطة بملفات هدم التراث المحلي إلى موقع قيادي دولي يعنى بحماية التراث العالمي يعكس فجوة كبرى بين المعايير المعلنة للمنظمات الدولية وبين الحسابات السياسية والدبلوماسية المغلقة التي تحكم هذه التعيينات ينطبق الأمر على الجامعات حتى ولو كانت "يابانية".