تكرّيس النفوذ العسكري وتقنين موازٍ للوزارات المدنية .. “مستقبل مصر” بديل ميري لـ “الزراعة” و”التموين” و”التجارة” و”الإسكان”

- ‎فيتقارير

رغم محاولات ترزية القوانين في برلمان المنقلب ،السيسي إدخال تعديلات شكلية توحي بفرض رقابة مالية ومحاسبية عبر الجهاز المركزي للمحاسبات، على جهاز القوات الجوية المعروف باسم "مستقبل مصر"، وإلزام الجهاز بسداد الضرائب والرسوم، إلا أن الواقع القانوني والعملي يكرس تغلغل هذا الكيان العسكري الناشئ في صلب المؤسسات والوزارات المدنية—وعلى رأسها وزارتا الزراعة والتموين—بأصوات نخبة برلمانية لم يبدُ فيها ثمة اعتراض حقيقي يوقف التمدد الاقتصادي للجيش.

فلم يكن القرار الأخير ل"نواب" السيسي بالموافقة النهائية على مشروع قانون إعادة تنظيم "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة" مجرد إجراء تشريعي روتيني لتنظيم هيئة حكومية؛ بل يمثل تدشيناً رسمياً لنمط جديد من الحكم الاقتصادي للجيش.

ومن خلال هذا القانون، حاز الجهاز على شخصية اعتبارية مستقلة وتبعية مباشرة ومطلقة لرئيس الجمهورية، مما يمنحه صلاحيات استثنائية واسعة تتجاوز الهياكل الإدارية التقليدية للدولة المصرية.

وعبر حقوقيون وأكاديميون عن المخاوف العميقة من تحول الجهاز إلى "حكومة موازية" تبتلع أصول الدولة المدنية وتؤثر سلباً على الشفافية والتنافسية الاقتصادية.

وينظر الحقوقي بهي الدين حسن على منصة X:  @BaheyHassan إلى تأسيس وتوسيع "جهاز مستقبل مصر" كجزء من سياق أعم وأخطر، وهو ما يصفه بـ "التوسع السرطاني العسكري المصري في مجالات خارج اختصاص الجيوش"، ويعبر حسن عن أسفه لعدم قدرة الصحافة المحلية المدنية (مثل جريدة الشروق) على نشر مقالات تنتقد هذا التغلغل—مثل مقالات الأكاديمي البارز د. مصطفى كامل السيد—مما يعكس حجم التكميم المفروض حول هذا الملف، ويتساءل مستنكراً عن سبب غياب الشجاعة الأدبية لدى الأكاديميين الداعمين لهذا النفوذ لإقناع الشارع والمستثمرين بأن هذا التدخل العسكري يعود بالنفع والرفاهية على اقتصاد المصريين، في وقت تشير فيه كافة المؤشرات الاقتصادية إلى عكس ذلك تماماً.

غياب الشفافية وحكم "الرجل الواحد"

حساب أسرار وأسئلة على منصة X: ‎@aserasorat2026 قدم قراءة تفصيلية تشرح كيف تحول الجهاز من مشروع زراعي صغير تابع لسلاح الجو إلى إمبراطورية اقتصادية شاملة.

وركز الحساب على صعود العقيد بهاء الغنام منتقدا ترقية العقيد الطيار بهاء الغنام ليصبح بدرجة وزير مع امتيازات مالية وإدارية هائلة، متسائلاً كيف لضابط برتبة عقيد أن يدير استثمارات وصناديق بمليارات الجنيهات دون وجود خبرات اقتصادية مدنية تؤهله لذلك، معتبراً أن إدارة الأصول تتم بعشوائية وكأنها "ورث يتصرف فيه السيسي كما يشاء".

وأبان أن الجهاز عبارة عن تذويب الحدود بين العسكري والمدني وأن القانون الجديد يمنح الجهاز صلاحيات نقل أصول الدولة وحصص الشركات والأراضي بقرارات رئاسية مباشرة دون رقابة برلمانية حقيقية، مما يؤدي لتذويب متعمد للحدود بين المؤسسة العسكرية، والدولة، والسوق.

وتساءل عن طرد الاستثمار الخاص وعن منطق جذب المستثمرين الأجانب في ظل غياب الشفافية وتكافؤ الفرص؛ فحين تصبح الدولة (ممثلة في الجهاز العسكري) هي اللاعب والحكم والمنظم والمستثمر في آن واحد، فإن المنافسة العادلة تموت تماماً، ويتردد المستثمر الذي يبحث عن بيئة قانونية مستقرة.

https://x.com/aserasorat/status/2077059180901302322

احتكار مدخلات الإنتاج الزراعي

واعترضت منصة "الموقف المصري" على منصة X: ‎@AlmasryAlmawkef على التغلغل المباشر للجهاز في الأسواق الحيوية مثل الأسمدة والسلع الأساسية، محذرة من نشوء "حكومة موازية" تبتلع اختصاصات وزارات سيادية مدنية (الزراعة، التموين، التجارة، الإسكان).

وتناولت آخر استحواذات "الجهاز" والمتمثل في لعبة الأسمدة والغموض الاقتصادي ورصدت قيام وزارة الزراعة بتقليص حصص الأسمدة المدعمة للمزارعين وتوجيه الإنتاج للتصدير، وفي ذات الوقت، يتدخل جهاز "مستقبل مصر" ليطرح أسمدة حرة عبر الجمعيات الزراعية بأسعار أقل من السوق الحرة (شيكارة اليوريا بـ 1000 جنيه بدلاً من 1500 جنيه). وتتساءل المنصة مستنكرة: من أين يحصل الجهاز على هذه الأسمدة وهو لا يملك مصانع إنتاج؟ وهل يحصل عليها بأسعار تفضيلية على حساب الدعم الموجه للفلاح الصغير؟

وكشفت غياب الإفصاح والشفافية من حابن عدم وجود أي بيانات رسمية أو قوائم مالية معلنة توضح آليات تسعير السلع التي يتداولها الجهاز، والآثار المترتبة على القطاعين العام والخاص نتيجة مزاحمة هذا "الحوت الجديد" للاقتصاد المدني.

الاستيلاء على أصول ومقار وزارة الزراعة

منصة "صحيح مصر" @SaheehMasr عبرت عن مخاوف مستخدمة الجانب الاستقصائي والمعلوماتي وكشفت عن خطة ممنهجة لتجريد وزارة الزراعة المدنية من أصولها لصالح جهاز "مستقبل مصر".

وأشارت إلى إخلاء مقر الوزارة التاريخي في "الدقي"  واشارت إلى مصادرها بمكتب وزير الزراعة، وإخلاء الوزارة 3 مقار رئيسية تابعة لها بمحيط الديوان العام بالدقي (مقر قطاع الحجر الزراعي، إدارة الصوب، وإدارات نظم المعلومات) وتسليمها للجهاز تمهيداً لطرحها للاستثمار وتوجيه عوائدها مباشرة للجهاز.

وأشارت إلى الهيمنة على المحطات البحثية وتمدد الجهاز للاستحواذ على أراضٍ تابعة لمركز البحوث الزراعية (70 فداناً بالجيزة)، بالإضافة لمخاوف طرحها نواب بالبرلمان حول السيطرة على محطات بحوث تاريخية مثل بهتيم (380 فداناً) ومحطة بحوث الوادي الجديد.

ورصدت نموذجا بشركة "كاري أون" واحتكار منافذ البيع بالسعى لدمج قرابة 41 ألف منفذ بيع سلع تابع لوزارات التموين والزراعة تحت إدارة شركة موحدة بالشراكة مع "مستقبل مصر"، مما يسحب السيادة المدنية تماماً عن منافذ السلع الغذائية اليومية للمواطنين.

https://x.com/SaheehMasr/status/2077038542274920502

مخاطر الاستدامة

وفي قراءة تحليلية معمقة منشورة عبر مراكز الأبحاث الدولية، يوضح الباحث والباحث الإقليمي يزيد صايغ طبيعة صعود جهاز "مستقبل مصر" باعتباره "النجم الجديد" في مشروعات السيسي الاقتصادية، لكنه يطرح علامات استفهام مقلقة للغاية حول المدى البعيد من 4 جوانب أبرزها؛ سرعة الصعود والنفوذ الفوقي، وكارثة الاستدامة البيئية والمائية، وتدمير البيئات المحلية وسرقة لقمة عيش البسطاء، ونموذج الدولة المستدينة الغامض.

ويؤكد د. محمد حجازي (@d_mohamedhegazy) أن الجهاز بات "كياناً سيادياً فوقياً أقوى من مجلس الوزراء بكثير"، هذا النفوذ الفوقي سمح للجهاز بالدخول في شراكات عقارية ضخمة وبناء مدن جديدة فاخرة مثل مدينة "جريان" بتكلفة تريليونية هائلة، متجاوزاً وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية.

ويحذر يزيد صايغ من أن خطط استصلاح ملايين الأفدنة في الصحراء (مثل الدلتا الجديدة) تعتمد بشكل مفرط على مياه جوفية غير متجددة ومخاليط مياه معالجة، مما يهدد الخزان الجوفي للبلاد في ظل أزمة ندرة مياه حادة وتغيرات مناخية قاسية.

وتطوير البحيرات الداخلية والساحلية الذي أسند للجهاز تسبب في ارتفاع الملوحة وتراجع إنتاجية الأسماك وتدمير مصادر رزق آلاف الصيادين التقليديين، دون تعويضات عادلة أو بدائل حقيقية.

ويخلص صايغ إلى أن نجاح الجهاز الظاهري يرتكز على الدعم الرئاسي غير المحدود وحجب المعلومات والبيانات المالية الحقيقية؛ حيث لم ينشر قانون تأسيس الجهاز بالجريدة الرسمية لفترة طويلة، ولا توجد موازنات يمكن مراجعتها، مما يجعله خطراً داهماً يكرس نموذج التنمية القائم على الديون والسيطرة العسكرية الهرمية على حساب القطاع الخاص الحقيقي.

https://t.co/uNdoUu0Gsw

ويكشف هذا الاستعراض أن موافقة برلمان السيسي على تقنين وضع جهاز "مستقبل مصر" هي خطوة تشرعن وضعاً مشوهاً؛ حيث يتم انتزاع الأصول والموارد والقرارات الاقتصادية من الوزارات المدنية المنتخبة والتكنوقراط، وتسليمها لكيان عسكري غير خاضع للمساءلة الشعبية الفعلية، إن التخوف الأساسي لا يقتصر على مزاحمة القطاع الخاص فحسب، بل يمتد إلى تهديد الأمن الغذائي والمائي القومي للبلاد بوضع السلع والمحاصيل والأراضي والبحيرات والمنافذ تحت إدارة "عقيد طيار" يأتمر بأمر رئيس الجمهورية مباشرة، متجاوزاً الدستور والقانون ومؤسسات الدولة العريقة.