رؤية الثعابين لم تعد تقتصر فى زمن الانقلاب على الحقول الزراعية أو أطراف الترع والمصارف، بل امتد ظهورها خلال الأسابيع الأخيرة إلى عدد من القرى والمدن الجديدة، فى مشاهد أثارت حالة من القلق والخوف بين المواطنين، خاصة بعد تسجيل محافظة الشرقية وفاة ثلاثة أشخاص وإصابة عشرة آخرين نتيجة لدغات الثعابين، إلى جانب حوادث متفرقة شهدتها محافظات أخرى .
هذه الوقائع أعادت إلى الواجهة تساؤلات حول أسباب تزايد ظهور الثعابين، ومدى ارتباط ذلك بارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية والتوسع العمرانى، فضلًا عن جاهزية المنظومة الصحية للتعامل مع المصابين وتوفير الأمصال اللازمة فى الوقت المناسب.
تغيرات مناخية
من جانبه قال خبير المناخ الدكتور محمد طنطاوى، إن الاحتباس الحرارى والتغيرات المناخية من أبرز العوامل التى أسهمت فى زيادة ظهور الحشرات والثعابين، موضحًا أن الارتفاع المستمر فى درجات الحرارة غيّر من سلوك هذه الكائنات، باعتبارها من ذوات الدم البارد التى تعتمد على حرارة البيئة المحيطة لتنظيم نشاطها.
وأوضح «طنطاوى» فى تصريحات صحفية أن موجات الحر تجعل الثعابين أكثر حركة وخروجًا من جحورها بحثًا عن الغذاء، كما يتزامن ذلك مع موسم التزاوج، وهو ما يفسر تكرار ظهورها خلال فصل الصيف بصورة أكبر من المعتاد.
وأضاف أن تغير المناخ لا يقتصر تأثيره على الحرارة فقط، بل يمتد إلى تغير أنماط سقوط الأمطار والسيول، التى قد تؤدى إلى غمر جحور الثعابين، فتضطر إلى البحث عن أماكن بديلة قد تكون بالقرب من القرى أو المدن الجديدة، فضلًا عن أن تجمعات المياه تساعد على تكاثر الحشرات التى تمثل جزءًا من السلسلة الغذائية.
خط الدفاع الأول
وأشار «طنطاوى» إلى أن مخلفات البناء والأراضى الفضاء والحشائش الكثيفة تمثل بيئات مناسبة لاختباء الثعابين، مطالبًا بإزالة هذه المخلفات بصورة دورية، مع تكثيف حملات التوعية، خاصة فى المناطق الريفية والمدن الجديدة.
وشدد على أن الوقاية تظل خط الدفاع الأول، داعيًا إلى سد الشقوق والفتحات، وتركيب أسلاك على النوافذ، ومكافحة الفئران، والتخلص من الكراكيب ومخلفات البناء، وقص الحشائش، وعدم محاولة الإمساك بالثعابين عند ظهورها، مع توعية الأطفال بخطورة الاقتراب من الأماكن المهجورة أو المليئة بالمخلفات.
الغطاء النباتى
وأكد مصطفى الشربينى، المراقب باتفاقية باريس لتغير المناخ بالأمم المتحدة، أن تغير المناخ لا يمكن اعتباره السبب الوحيد وراء زيادة ظهور الثعابين، وإنما يمثل أحد العوامل المؤثرة فى سلوك الكائنات الحية.
وأوضح الشربينى فى تصريحات صحفية أن التوسع العمرانى السريع، ووجود الأراضى غير المستغلة، وتراكم المخلفات التى تجذب القوارض، كلها عوامل تدفع الثعابين إلى الاقتراب من التجمعات السكنية بحثًا عن الغذاء والمأوى.
وأضاف أن إزالة الغطاء النباتى أو تغيير البيئة الطبيعية يدفع بعض الكائنات إلى البحث عن موائل جديدة، مشيرًا إلى أن التوسع فى التشجير وتحسين منظومة النظافة ومكافحة القوارض من أهم وسائل الحد من ظهور الثعابين .
وأشار الشربينى إلى أن المدن الجديدة ليست مناطق خطرة بطبيعتها، لكنها تحتاج إلى متابعة بيئية مستمرة وإزالة الحشائش والمخلفات بصورة دورية.
خطة عاجلة
وأكد خبير الإدارة المحلية الدكتور حمدى عرفة ، أن تكرار حوادث لدغات الثعابين يكشف الحاجة إلى خطة حكومية متكاملة، خاصة فى القرى والعزب.
وقال عرفة فى تصريحات صحفية إن تراكم القمامة، وعدم تطهير الترع والمصارف، وانتشار الحشائش، كلها عوامل تهيئ بيئة مناسبة لاختباء الثعابين، مطالبًا بإنشاء وحدات متخصصة للسموم فى الوحدات الصحية الريفية، وتوفير الأمصال بصورة دائمة، مع رفع جاهزية المستشفيات.
ودعا إلى تنسيق الجهود بين المحافظات ومديريات الصحة والرى والزراعة والطب البيطرى والإدارة المحلية لإزالة المخلفات، وتكثيف حملات التوعية، ومكافحة القوارض، بما يحد من تكرار هذه الحوادث ويحافظ على سلامة المواطنين.
إجراءات وقائية
وقال الدكتور مصطفى الجعفرى، الأستاذ المساعد بكلية الطب البيطرى جامعة القاهرة إن حالات ظهور الثعابين خلال الفترة الأخيرة لا تستدعى الذعر، موضحًا أن عدد الإصابات المسجل حتى الآن لا يزال محدودًا ولا يعكس انتشارًا وبائيًا، لكنه يستوجب الحذر واتخاذ الإجراءات الوقائية، خاصة فى المناطق الريفية والقريبة من الظهير الصحراوى.
وأوضح «الجعفرى» فى تصريحات صحفية أن نشاط الثعابين يرتبط بطبيعتها ككائنات من ذوات الدم البارد، إذ يزداد بشكل ملحوظ مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، بينما يقل فى الشتاء نتيجة انخفاض معدل التمثيل الغذائى، فتدخل فى حالة من الخمول أو ما يشبه البيات الشتوى داخل جحورها، ولا تعود إلى النشاط إلا مع ارتفاع درجات الحرارة.
وأشار إلى أن موجات الحر الحالية، بالتزامن مع موسم التزاوج، تؤدى إلى زيادة حركة الثعابين وخروجها من أوكارها بحثًا عن الغذاء والتكاثر، وهو ما يفسر تكرار ظهورها فى بعض المناطق خلال هذه الفترة من العام.
وأضاف «الجعفرى» : هناك متغيرات بيئية أسهمت أيضًا فى زيادة فرص مشاهدة الثعابين، من بينها أعمال تبطين الترع، وإزالة بعض البيئات الطبيعية التى كانت تمثل أوكارًا لها، الأمر الذى دفعها إلى البحث عن أماكن بديلة للاختباء، مثل أكوام المخلفات، ومخلفات الهدم والبناء، والمخلفات الزراعية، وحقول الأرز، وهى أماكن توفر لها الحماية والغذاء فى الوقت نفسه.
وأكد أن المواطنين لم يعتادوا على رؤية الثعابين بهذه الكثافة، ما يجعل كثيرين يفتقرون إلى المعرفة الكافية بكيفية التعامل معها أو تجنب أماكن وجودها، وهو ما يزيد من احتمالات التعرض للدغات.
وشدد «الجعفرى» على أن مواجهة الظاهرة لا تقتصر على مكافحة الثعابين فقط، وإنما تعتمد على الحفاظ على التوازن البيئى، والتخلص من المخلفات بصورة منتظمة، والحد من مصادر جذب الحيوانات البرية، إلى جانب رفع وعى المواطنين بطرق الوقاية والتعامل السليم مع الثعابين فى حال ظهورها.