منعوا علاج المصابين .. انقلاب سيارة المعتقلين تفضح واقع الإهمال بسجن وادي النطرون

- ‎فيحريات

"مسالخ بشرية" خلف واجهات الإصلاح والتأهيل

وفقاً لتوثيق منصات حقوقية، ومنها مؤسسة "جِوار لحق الأسرى"، تعرضت سيارة ترحيلات تابعة لسجن إصلاح وتأهيل وادي النطرون (تأهيل 10/ سجن 1 القديم)، لحادث سير مروع أثناء نقلها لعدد من المعتقلين السياسيين صوب محكمة بدر لحضور جلسات قضاياهم.

إن الجريمة الحقوقية لم تتوقف عند حدود الحادث كقدر، بل تجسدت في سلوك الأجهزة الأمنية المشرفة على المأمورية عقب وقوعه، ففي تمييز صارخ واسترخاص متعمد لأرواح المحتجزين، سارعت سيارات الإسعاف بنقل السائق والمرافق الأمني له فوراً، في حين تُرك المعتقلون المصابون محبوسين داخل السيارة الرياضية المقلوبة دون إسعاف أولي.

ورغم استغاثات المعتقلين ومطالبتهم بالنقل إلى المستشفى نظراً لخطورة إصاباتهم، قامت القوة الأمنية بنقلهم في سيارة ترحيلات أخرى بديلة ودفعهم مباشرة نحو المحكمة دون عرضهم على أي طبيب أو مستشفى لإثبات الإصابات أو إسعافها، مما حال دون قدرتهم على حضور الجلسة التي تقرر تأجيلها إلى شهر أكتوبر المقبل، وأُعيد المعتقلون المصابون يعانون من آلام حادة في العمود الفقري والركبة والساق إلى مقار احتجازهم، في جريمة إهمال طبي متعمد يرتقي إلى مصاف التعذيب البدني والنفسي وعقاب أسرهم.

https://www.facebook.com/photo/?fbid=1485300863637519&set=a.456245553209727

التعذيب حتى الموت.. قضية حسن أنور 

 

لا ينفصل حادث سيارة الترحيلات وإهمال متعمد للمصابين من حادثة سيارة الترحيلات عن بنية التعذيب والبطش السائدة داخل السجن، ففي أعماق سجن وادي النطرون (تأهيل 8)، انطفأت في صمت قاتل حياة المواطن والمعتقل السياسي "حسن أنور حلمي محروس" في 24 أبريل 2026. وتعود خلفية الوفاة إلى زيارة شقيقته له في 8 أبريل، حيث أبلغتها الإدارة تعسفياً بوضعه في غرف "التأديب" وحرمانه من الزيارة لشهر كامل، ليأتي الاتصال المفجع بعد أيام بنبأ وفاته.

 

الصدمة الحقوقية الموثقة تجلت أثناء الغسل والتكفين؛ حيث عاينت أسرته آثاراً وحشية لا يمكن السكوت عنها تكذب الادعاءات الرسمية بالوفاة الطبيعية، وشملت وجود بتر كامل في الساق اليسرى، وكدمات وجروح عميقة تغطي سائر أنحاء الجسد، مما يشير إلى تعرضه لتعذيب بدني سادي وفتاك داخل غرف التأديب المعزولة.

وجهت الأسرة والمراكز الحقوقية اتهاماً صريحاً ومباشراً إلى رئيس مباحث السجن "الضابط مؤمن عويس"، محملين إياه المسؤولية الجنائية الكاملة عن قتل الضحية، وسط مطالبات بتحقيق شفاف ومحاسبة المتورطين وتسليم الأجزاء المبتورة والمفقودة من الجثمان، مما يؤكد أن الإهمال والتعذيب يمثلان أداة تصفية وتنكيل سياسي ممنهج.

كسر الإرادة وتشتيت المعتقلين

 

يمتد الجحيم الأمني داخل وادي النطرون ليشمل العقوبات الجماعية وعمليات "التغريب" التعسفية لقمع أي صوت يطالب بالكرامة. وشهد السجن في أبريل 2026 حالة غليان واسعة وانتفاضة من المعتقلين، إثر وصول أنباء تفيد بقيام الأجهزة الأمنية بتلفيق قضية سياسية كيدية ضد زوجة المعتقل "عبد الله عباس" كوسيلة للضغط والابتزاز.

 

إزاء هذا الغضب المشروع دفاعاً عن الشرف والنسوة، صعدت إدارة السجن من قمعها الوحشي؛ حيث اقتحمت قوة مدججة من مصلحة السجون بقيادة رئيس مصلحة القطاع "يونس الشيخ" عنابر الاحتجاز، وقامت بالاعتداء على المعتقلين، وأسفرت الحملة الانتقامية عن "تغريب" ونقل 14 معتقلاً سياسياً بشكل تعسفي إلى سجون نائية، من بينهم المعتقل عبد الله عباس نفسه، في خطوة تهدف إلى إرهاب المحتجزين، وتفريق صفوفهم، وتشتيت شملهم، مما يعكس ذعر الأجهزة الأمنية من أي حراك جماعي منظم يرفض الانتهاكات.

انتهاك الزيارات والتجويع

 

على صعيد المعاملة اليومية، تلقى "مركز الشهاب لحقوق الإنسان" شكاوى وثيقة من أهالي المعتقلين بسجن وادي النطرون تفيد بتعرضهم لسلسلة من الإهانات البالغة وسوء المعاملة أثناء إجراءات التفتيش والزيارة، بما يخالف القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء المقرة دولياً، وتفرض إدارة السجن قيوداً تعسفية مشددة على إدخال الأطعمة الأساسية؛ حيث يُمنع السكر، البن، الكبدة، البامية، وغالبية أنواع الفاكهة، فضلاً عن منع دخول الملابس الشتوية والبطاطين في ظل أجواء الطقس الباردة، مما يضطر المعتقلين للنوم على الأرض العارية ويعرضهم لمخاطر صحية وخيمة.

 

وفي المقابل، يتم تحويل السجن إلى ساحة للتربح المالي الفاحش غير المشروع؛ إذ تُباع ذات الأصناف الممنوعة داخل "كانتين" السجن بأسعار مضاعفة تصل إلى أضعاف قيمتها الحقيقية، مما يشكل استغلالاً مادياً فجاً للأهالي الذين يُجبرون على الاستدانة لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية لأبنائهم، يضاف إلى ذلك حرمان المرضى من العلاج واشتراط صنف واحد فقط، مع تقليص مدة الزيارة إلى ربع ساعة فقط حال الاعتراض، رغم أن الأسر تقطع مسافات سفر شاقة تصل إلى 12 ساعة، في تكريس فج لسياسة العقاب الجماعي وغياب الرعاية الصحية التي باتت تنذر بالوفاة الجماعية للمحتجزين.

سجون وادي النطرون

 

يمثل مجمع سجون وادي النطرون الجديد (الإصلاح والتأهيل) ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأمنية التي تبناها نظام السيسي منذ عام 2013 لتوسيع البنية التحتية للاحتجاز وتدشين عشرات السجون الجديدة لاستيعاب مئات الآلاف من المعتقلين والمحتجزين السياسيين والعديد من قادة الرأي العام والمجتمع المدني.

 

إن تشييد هذا المجمع والترويج له كبديل للسجون القديمة لم يكن يهدف إلى إصلاح حقيقي لبنية حقوق الإنسان، بل كان محاولة للالتفاف على التقارير الدولية والحقوقية التي تدين السجل الأسود لمصر في ملف الحريات، وتثبت الوقائع والشهادات المذكورة في هذا التقرير أن مجمع وادي النطرون ورث كافة الأساليب القمعية للسجون القديمة بل وطورها؛ من حيث إحكام العزلة، وتشديد الرقابة الأمنية، واستخدام الإهمال الطبي والمنع من الزيارات كأدوات عقابية معتمدة، فضلاً عن غياب الرقابة القضائية المستقلة على هذه المنشآت، مما يجعلها مناطق معزولة عن القانون تسود فيها إرادة ضباط المباحث والأجهزة السيادية فوق الدستور والمواثيق الإنسانية.