وافق مجلس وزراء الانقلاب على منح "جهاز إدارة والتصرف في الأموال المستردة والمتحفظ عليها" (التابع لوزارة العدل) الإذن بالتعاقد مع قطاع أمناء الاستثمار في أكبر بنكين حكوميين: البنك الأهلي المصري وبنك مصر.
وتشير قراءات تحليلية لبعض المنظمات ومجتمعي الأعمال (مثل الجبهة المصرية لحقوق الإنسان) إلى أن التوسع المستمر في آليات التحفظ والمصادرة القائمة على التحريات الأمنية، (مثل مصادرة أموال وممتلكات جماعة الإخوان المسلمين وأفرادها) ما قد يثير مخاوف لدى القطاع الخاص والمستثمرين المحليين حول استقرار الملكية الخاصة، ما لم تكن هذه الإجراءات محصورة بدقة ومستندة إلى أحكام قضائية باتة تضمن سلامة البيئة الاستثمارية وتمنع أي تجاوزات إدارية، وهو ما وصلت إليه حكومة السيسي فعليا.
وفي خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في إدارة الثروات والأصول المتحفظ عليها، قررت حكومة السيسي توسيع نطاق الاستفادة الاقتصادية من الأموال والممتلكات المصادرة في قضايا جنائية وسياسية، وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعي الدولة لإعادة هندسة إدارة الأصول غير المستغلة وتحويلها إلى موارد مالية تدعم الخزانة العامة، بدلاً من بقائها معطلة في ساحات التحفظ بحسب "العربي الجديد".
وتشمل المهام الموكلة للقطاع المصرفي بموجب هذا القرار؛ تقديم خدمات تصنيف وتخطيط الأصول والممتلكات، وإعداد الثمن الأساسي والمبدئي (التثمين العقاري والمالي)، والتولّي الكامل لعمليات التسويق والإعلان للمركبات والأصول التي آلت ملكيتها للدولة، أو الصادر بشأنها قرارات بيع بالمزاد العلني من النيابة العامة.
وبحسب المعلن فإن القرار لتسريع التخلص من الرواكد والموجودات المودعة في مقابر السيارات وساحات التحفظ على مستوى الجمهورية، تقليصاً لتكاليف الحفظ والتأمين، وتحويلاً لها إلى سيولة نقدية ورفد الاحتياطي النقدي بالذهب والمبالغ المستردة.
وكشف التقرير عن أرقام ومؤشرات حيوية تعكس حجم التدفقات المالية الناتجة عن هذه السياسة خلال العام الجاري (2026):
وسلمت النيابة العامة 265 كيلوغراماً من السبائك الذهبية عالية النقاء إلى البنك المركزي المصري، بقيمة تُقدّر بنحو 1.65 مليار جنيه (ما يعادل 34 مليون دولار)، مما ساهم مباشرة في تعزيز احتياطيات الذهب الرسمية.
وتم تسليم مبالغ نقدية وأصول مستردة أخرى لصالح الدولة تجاوزت قيمتها مليار جنيه مصري.
نوعية الأصول المستهدفة
وتتنوع الأصول التي يتولى الجهاز إدارتها بموجب أحكام قضائية نهائية أو قرارات مصادرة لتشمل عدة قطاعات وقضايا ومنها؛ قضايا الفساد، والكسب غير المشروع، والاستيلاء على المال العام (مثل قضية فساد وزارة التموين الأخيرة)، وجرائم غسل الأموال، والاتجار غير المشروع في النقد الأجنبي والسوق الموازية، والتهرب الجمركي والإتجار بالمخاطر والمخدرات، وما يعنينا هو الأموال المتحفظ عليها في قضايا تمويل الجماعات والتنظيمات "المحظورة".
وتتقاطع هذه الإجراءات التنفيذية مع النقاشات الدائرة في الأوساط الاقتصادية والحقوقية في مصر؛ فحكومة السيسي تدعي في هذه الخطوة تطبيقاً عملياً لتعظيم الاستفادة من "الأصول المهملة"، وتوفير موارد إضافية طارئة للخزانة العامة في ظل التحديات الهيكلية للاقتصاد.
تعديلات "قانونية" للتحفظ والمصادرة
وضمن آليات التعامل مع الأصول والملكية الخاصة في مصر، تركيز أجهزة حكومة السيسي على تعديلات "قانونية" والممارسات الميدانية المتعلقة بالتحفظ والمصادرة، حيث تسير توقعات خبراء ومراقبين بشأن تعديلات على قانون الإجراءات الجنائية، مع إتاحة السلطات مصادرة الأموال المرتبطة بجرائم مالية (مثل غسيل الأموال والفساد) بناءً على تحريات الأجهزة الأمنية، حتى دون صدور حكم قضائي نهائي بالإدانة.
وهو إجراء يقلل من الضمانات القانونية للأفراد، ويفتح الباب أمام مصادرات تعسفية أو أخطاء في التقدير بسبب غياب الرقابة القضائية اللحظية على القرارات المالية.
وتؤكد (الجبهة المصرية لحقوق الإنسان) أن إجراءات التحفظ على الأموال والأصول لم تعد مقتصرة على أعضاء جماعة الإخوان المسلمين أو التيارات السياسية، بل امتدت لتشمل قطاعات من الأعمال الخاصة والاستثمارات المحلية المتوسطة والكبيرة.
ويرى مراقبون أن التوسع غير المنضبط في هذه السياسات يؤثر سلباً على مناخ الاستثمار الحر وحماية الملكية الخاصة، مما قد يعقد الأزمات الاقتصادية الداخلية.
الاعتماد على التحريات
ويوجّه النص انتقاداً لاعتماد قرارات المصادرة والتحفظ بشكل أساسي على محاضر جمع الاستدلالات والتحريات الأمنية، والتي قد تشوبها أحياناً تناقضات ثبوتية.
ويستشهد التقرير بحكم براءة صانع المحتوى أحمد أبو زيد من تهمة الاتجار بالنقد الأجنبي بعد حبسه احتياطياً، حيث استندت المحكمة إلى مستندات بنكية رسمية وإيصالات صرافة معتمدة تدحض رواية التحريات الأمنية وتناقض تواريخ الضبط.
ويشير النص إلى شهادات لبعض الناشطين والحقوقيين تتهم آليات الضبط الميداني بوجود تجاوزات شخصية أو عدم دقة في حصر المبالغ والممتلكات المصادرة أثناء عمليات التفتيش.
من جهة الشرع
ولأن التأميم يعني وضعا يقترب من المصادرة كتب المحلل الاقتصادي أحمد مطر عبر فيسبوك عن "التأميم لا يجوز شرعاً" معتبرا أن تأميم الشركات والممتلكات والثروات حرام شرعاً كحرمة الزنا و قتل النفس بغير حق بل هو من أكبر الكبائر؛ فهو اغتصاب للحقوق و اكل اموال الناس بالباطل وسرقة بالإكراه تحت التهديد وهو الإكراه المبطل للعقد .
ويرى "مطر" أن تأميم الممتلكات الخاصة يقع في رتبة "الكبائر" في الشريعة الإسلامية، ويشبهه في الحرمة بالجرائم الكبرى مثل القتل والزنا، ويكيف التأميم فقهياً على أنه "غصب للحقوق، وأكل لأموال الناس بالباطل، وسرقة بالإكراه"، معتبراً أن أي تعويض مالي تقدمه الدولة لا يشرعن هذا الفعل.
ويهاجم الفتاوى التي تجيز التأميم بناءً على "المصلحة العامة"، ويصف القائلين بها بأنهم "مشايخ سلطان" يبررون للحكام المستبدين أفعالهم.
ويؤكد أن الحكومات الديكتاتورية لا تستخدم التأميم بدافع المصلحة العامة، بل كـ"سلاح سياسي" لإضعاف الخصوم، وتفكيك القوى المجتمعية المستقلة التي لا تتوافق مع سياسات النظام.
ويشير إلى أن التأميم يضرب القواعد الأساسية للاستقرار الاقتصادي من خلال ثلاثة محاور:
نسف الرغبة في الإنتاج: يفقد المستثمرون الأمان والاطمئنان، مما يحول البيئة الاقتصادية إلى بيئة "طاردة للاستثمار".
ضرب حرية الملكية فردية: يتوقف الأفراد عن تنمية ثرواتهم أو التوسع في مشاريعهم خوفاً من مصادرتها.
إضعاف الدولة كلياً: يؤدي الخوف من التأميم إلى تراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية، مما يسبب انخفاض النمو، وتراجع الإنتاج، وارتفاع معدلات البطالة، والتضخم، والفقر.
ويرد الكاتب بأن الدولة قادرة على فرض رقابتها وتوجيهها للقطاع الخاص دون الحاجة لامتلاكه، أو يمكنها ببساطة إنشاء "مشاريع حكومية منافسة" بدلاً من الاستيلاء على مشاريع القائمين.
كما يعلن رفضه مبدأ التعويض اعتبارية أن القيمة المعنوية والاستثمارية للمشروع لصاحبه لا تعوض، ويرى أن الأولى بالدولة استخدام أموال التعويضات في بناء استثمارات جديدة ومنافسة.