في مشهد متكرر يعكس أزمة حقوقية عميقة داخل السجون المصرية في زمن المنقلب السفاح السيسي، توثق المنظمات الحقوقية وفاة جديدة للمعتقل سيد كامل حداد علي مصطفى داخل سجن ليمان المنيا، لتنضم إلى قائمة طويلة من الضحايا الذين سقطوا نتيجة الإهمال الطبي المتعمد.
وسيد كامل حداد، البالغ من العمر 52 عاماً، من سكان العجوزة بمحافظة القاهرة، وكان محبوساً على ذمة القضية المعروفة إعلامياً بـ"خلية الجيزة"، وهو محتجز منذ عام 2014، أي لأكثر من 11 عاماً، في انتظار محاكمة لم تنتهِ بعد داخل سجن ليمان المنيا شديد الحراسة.
وتعرض المعتقل سيد كامل حداد، الذي كان يعمل قهوجياً، لذبحة صدرية حادة طارئة خلال ساعات الليل، وهي حالة طبية بالغة الخطورة تستوجب التدخل الفوري لإنقاذ الحياة، إلا أن إدارة السجن والطاقم الطبي المناوب أظهرا تقاعساً متعمداً في التعامل مع الحالة، حيث رفض طبيب السجن، المعروف اختصاراً بـ"م. ح"، توقيع الكشف الطبي عليه، وأرجأ الأمر حتى الصباح، متجاهلاً خطورة الأزمة القلبية التي تتطلب تدخلاً عاجلاً.
وأدى تأخير الطبيب المتعمد إلى تدهور حاد في حالته الصحية، وعندما حضرت سيارة الإسعاف في وقت الظهيرة، كان قد فارق الحياة بالفعل، وتم تسليم الجثمان إلى ذويه، حيث دُفن فجر اليوم الثالث من الوفاة. وتصف منظمة "مركز الشهاب لحقوق الإنسان" هذه الواقعة بأنها "إهمال طبي جسيم يرقى إلى مصاف الانتهاك العمدي للحق في الحياة".
حالات الوفاة الأخرى في سجون مصر خلال عام 2026
لا تمثل حالة سيد كامل حداد حادثة منعزلة، بل هي جزء من نمط ممنهج من الانتهاكات، حيث وثقت منظمة هيومن رايتس إيجيبت 12 حالة وفاة داخل السجون وأماكن الاحتجاز المصرية خلال الفترة من يناير حتى مارس 2026، في ظل استمرار الإهمال الطبي وسوء المعاملة، ما يرفع عدد الضحايا داخل أماكن الاحتجاز.
وبحسب بيانات "لجنة العدالة"، ارتفع عدد الوفيات داخل السجون المصرية منذ بداية عام 2026 إلى 26 حالة.
وخلال شهر يناير 2026 وحده، تم توثيق أربع حالات وفاة، ثلاث منها نتيجة الإهمال الطبي، وواحدة نتيجة التعذيب، وتشمل هذه الحالات محمد جابر سعد مسعود (46 عاماً)، الذي توفي في 2 يناير 2026 داخل سجن برج العرب نتيجة الإهمال الطبي، وكان معتقلاً منذ عام 2005 بعد 21 عاماً من الاحتجاز.
ومحمد أبو العلا أبو سريع أبو العلا (36 عاماً)، الذي توفي في 20 يناير 2026 داخل ليمان أبو زعبل 2 نتيجة الانتحار شنقاً عقب التعذيب وسوء المعاملة.
والمعتقل المحامي شمس الدين أحمد عطا الله، الذي توفي داخل سجن العاشر من رمضان بعد تدهور حالته الصحية أثناء الاحتجاز، وكان معتقلاً منذ نوفمبر 2021، بعد نحو أربع سنوات من الاحتجاز في ظل الإهمال الطبي وغياب الرعاية اللازمة، دون تمكينه من العلاج المناسب.
والمهندس عبد العال علي خضيرة (67 عاماً)، وكيل وزارة النقل سابقاً، الذي توفي في 31 يناير 2026 داخل سجن برج العرب نتيجة الإهمال الطبي، بعد إصابته بالتهاب كبدي وبائي وتسمم في الدم، وكان معتقلاً منذ عام 2016 بعد نحو عشر سنوات من الاحتجاز.
وفي فبراير 2026، توفي الأستاذ الدكتور جلال عبد الصادق محمد السحلب (71 عاماً)، أستاذ الفيزياء المتفرغ ورئيس قسم الفيزياء الأسبق بكلية العلوم بجامعة أسيوط، وذلك في 9 فبراير 2026 داخل مستشفى سجن بدر نتيجة الإهمال الطبي، بعد إصابته بالشلل وحرمانه من العلاج.
وفي مايو 2026، توفي الأستاذ أحمد حسن أحمد أبو زيد (47 عاماً) داخل سجن المنيا شديد الحراسة، بعد معاناة مع مرض السرطان، في ظل شكاوى من حرمانه من العلاج والأدوية اللازمة، ما أدى إلى تدهور حالته الصحية ووفاته أثناء الحبس الاحتياطي.
وفي 17 يونيو 2026، أُعلن عن دفن المعتقل محمد سيد عبد الرحيم، أمين لجنة الشباب بحزب الحرية والعدالة بمحافظة بورسعيد، بعد وفاته داخل محبسه في سجن بدر إثر تدهور حالته الصحية. ويبلغ الناشط السياسي من العمر 47 عاماً، قضى منها 12 عاماً داخل السجن منذ اعتقاله في يناير 2014.
أوضاع المعتقلين في سجن ليمان المنيا
وتشير التقارير الحقوقية إلى تدهور كارثي في الأوضاع داخل سجن ليمان المنيا، حيث يعاني المعتقلون، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، من حرمان متعمد من الرعاية الصحية، ويتم منع إدخال الأدوية الحيوية، وتأخير نقل الحالات الحرجة إلى المستشفيات، ورفض الاستجابة لنداءات الاستغاثة، مما يحول السجن إلى مقبرة جماعية بطيئة للمحتجزين.
وتفرض إدارة السجن سياسات عزل قاسية تشمل منع الزيارات لفترات طويلة، وتجريد الزنازين من المفروشات والأغطية، ومنع التريض لأشهر، مما يسبب أضراراً نفسية جسيمة للمعتقلين.
وكرد فعل على هذه الانتهاكات، يلجأ المعتقلون إلى الإضراب المفتوح عن الطعام والزيارة كوسيلة احتجاج، ويطلقون استغاثات متكررة للجهات الإعلامية والمنظمات الحقوقية للتدخل لإنقاذهم. وعلى الرغم من الزيارات الرسمية التي يقوم بها المجلس القومي لحقوق الإنسان، فإن الانتهاكات تستمر دون محاسبة، مما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب داخل السجن.
وتشكل هذه الممارسات انتهاكات جسيمة للقانون المصري والمواثيق الدولية، فالمادتان 55 و56 من الدستور المصري تنصان على أن السجن دار إصلاح وتأهيل، وتحظران إيذاء المحتجز بدنياً أو معنوياً، وتكفلان حقه في الرعاية الصحية. كما تخالف هذه الممارسات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، اللذين يلزمان الدولة بحماية حق المحتجزين في الحياة والصحة.
وتؤكد حملة "لا تسقط بالتقادم" والمفوضية المصرية للحقوق والحريات أن الإهمال الطبي داخل السجون يمثل انتهاكاً لجوهر الحق في الحياة، وأن وقف هذا النمط من الانتهاكات يتطلب إرادة سياسية جادة تضع كرامة الإنسان وسلامته فوق كل اعتبار أمني أو إداري.
وطالبت المنظمات الحقوقية، وهي: مركز الشهاب، ولجنة العدالة، والشبكة المصرية لحقوق الإنسان، وصحفيات بلا قيود، بفتح تحقيق قضائي عاجل وشفاف من قبل النيابة العامة في ملابسات وفاة سيد كامل حداد وسائر حالات الوفاة في سجن المنيا، ومساءلة مأمور السجن وطبيب السجن المناوب وكل من تسبب في التأخير المتعمد لتقديم الرعاية الطبية، وتفعيل دور النيابة العامة في التفتيش الدوري والمفاجئ على السجون للكشف عن الانتهاكات ومنع تكرارها، وإعادة هيكلة قطاع الرعاية الطبية داخل السجون وإخضاعه لإشراف كامل من وزارة الصحة لضمان تقديم خدمات طبية لائقة للمحتجزين، وتفعيل آلية رقابة مستقلة داخل السجون تضم ممثلين عن مؤسسات حقوق الإنسان والمجتمع المدني لزيارة أماكن الاحتجاز وتقييم أوضاعها الصحية، وضمان استقلالية الأطباء العاملين في السجون وإخضاعهم لرقابة نقابة الأطباء، وتطبيق الإفراج الصحي بصورة فورية وشفافة للحالات الحرجة والمزمنة دون تأخير.